في الهُويّة والتَّرجمة.. أيّة علاقة؟ 

أفق – د. محمَّد حلمي عبد الوهَّاب*

لعلَّ من نافلة القول: إنَّ التَّدفّق الهائل للمعلومات، فضلاً عن الإمكانات التي لا حدود لها معرفيّاً، يجعل من عالَم ما بعد العولمة صيرورة تاريخيّة لا تكفّ بدورها عن إعادة التشكُّل باستمرار، مَا يطرح، في المقابل، جملة من التحدّيات الخطرة أمام تهميش اللّغة العربيّة، وغيرها من اللّغات، إضافة إلى القدرة السَّلبيّة لحركة العولمة على تغريب الشُّعوب، ومن ثمَّ فقدان الهُويّة الثقافيّة الحقيقيّة. ومن هنا يتّضح الدّور المهمّ الذي تضْطلع به حركة التَّرجمة بجانبَيْها: من وإلى العربيّة، في النُّهوض والتجدُّد الحضاريّ. 

فمن ناحيةٍ أولى، تُتيح التَّرجمة إعادة النَّظر في الموروث الفكريّ الحضاريّ للإنسانيّة برمَّتها؛ بما في ذلك الحقول الثقافيّة المُختلفة التي كانت معزولة عنَّا تماماً قبل ثورة الاتّصالات الرّقميّة. ومن ناحيةٍ أخرى، تتغيّا التَّرجمة معرفةً أفضل بالآخر، بما يضمن تحقيق التنوُّع الثقافيّ، واحترام أنماط التَّفكير المُختلفة، وترسيخ قيَم التَّفاهم الإنسانيّ، بعيداً من الاختزال العولميّ الذي يُقصِر التَّعامل على اللُّغات والتَّقاليد الأوسع انتشاراً.

علاوة على ذلك، تستهدف التَّرجمة تطوير منحنى التَّناغم بين ثقافات العالَم، وفتْح المجال أمام حركة الإبداع لمُواجَهة التحدّيات الكبرى التي تتمخَّض عن الثورات المعرفيّة المُتسارعة، فضلاً عن إتاحة الفرصة أمام الآخرين للتعبير عن هُويَّاتهم الدّينيّة والفكريّة والاجتماعيّة، بما يضمن الحفاظ على الموروث الفكريّ للأُمم والشُّعوب المُتباينة. ووفقاً لذلك، تنهض التَّرجمة بالدَّور الأكبر في فهْمِ الثقافات الأجنبيّة، بوصفها أداة مفتاحيّة لفهْم العولمة الثقافيّة الرَّاهنة، ناهيك بكونها تمثّل بنية أساسيّة لتحقيق التَّواصل العولميّ، بخاصّة بعدما تسبَّبت العولمة في زيادة حركة التَّرجمة بشكلٍ ملموس، وأدَّت السَّيطرة العالَميّة للّغة الإنكليزيّة، على وجه الخصوص، إلى زيادة الطَّلب على التّرجمة. لكنّها تعكس، في الوقت ذاته، صراعاً أخطر على بِنَى المفاهيم المشكِّلة للعالَم المعاصر، إذ تُعبِّر المفاهيم، في الأساس، عن مجموع الصّفات والخصائص الموضّحة/ المشكّلة لمعنىً كلّي ما. ولهذا لا يُمكن أن يتمّ التواصُل اللّغويّ بين البشريّة إلَّا من خلال استخدام المفاهيم؛ كما أنّ الحقيقة المفهوميّة تُغيِّر بطبيعتها جملة المُجريات والأحداث عن طريق إلغاء المسلَّمات الواقعيّة المفروضة وتحويلها إلى مناهج تفسيريّة وفهميّة تحتاج إلى الجواب من أجل القبول، وإلَّا فإنَّ مصيرها الرّفض. وفي ذلك يقول ابن حزم الأندلسيّ: “إنَّ الأصل في كلّ بلاءٍ وعماءٍ وتخليطٍ وفسادٍ: اختلاطُ الأسماء ووقوع اسمٍ واحدٍ على معانٍ كثيرة، فيُخبر المُخبِر بذلك الاسم، وهو يريد أحد المعاني التي تحته، فيحمله السَّامع على غير ذلك المعنى الذي أراد المُخبِر، فيقع البلاءُ والإشكال”.

إنَّ الصراع الدائر على المفاهيم في عوالم ما بعد العولمة يتغيَّا في الحقيقة قلب المُعادلات، وتغيير المعاني، بل وإفراغها من مضمونها الحقيقيّ، ومن ثمَّ يتعطّل النظام المعرفيُّ عند الإنسان، ويُهدَم البناءُ الفكريُّ في المُجتمعات، وتنقطع الصلة بين الماضي والحاضر والمُستقبل، فيشعر الإنسانُ بالغربة في الزّمان والمكان، ويتوه بين الثابت والمتغيّر في مَعْمَعَةِ جدالات: الأصالة والمُعاصرة، الحداثة والتُّراث، الأنا والآخر…إلخ. ونتيجة لذلك، إمَّا أن ينحو منحى جلْد الذَّات، أو ينسحق في بوتقة الآخر فيُضيِّع هُويّته باسم التَّجديد، ويتناسى ثقافته باسم التحديث، أو يصير مسخاً فلا هو إلى هولاء ولا هو إلى هؤلاء بدعوى الانفتاح، إذ لا ثوابت تحكمه، ولا أخلاق تقيّمه، ولا تقاليد وأعراف متوارثة تضبط إيقاع حركاته وسكناته. وإلى هذا المعنى أَلمح داريوش شايغان (1935- 2018) حين أكَّد أنَّ النُّخبة الثقافيّة التي تلقَّتْ صدمة الحداثة لم تعُدْ سليلة “حُكماء الشَّرق”، كما أنَّها ليست سليلة “مثقَّفي الغرب” أيضاً! والنَّتيجة النّهائيّة لوضعٍ كهذا، هي أن “يسقط الدّين في أحبولة مكر العقل، فيتغرَّب وفي نيَّتِه مُواجَهة الغرب، ويتَعَلْمَن وفي عزْمِه رَوْحَنَةُ العالَم، ويتورَّط في التَّاريخ وفي مشروعِه إنكارُ التَّاريخ وتجاوزه”!

الهويّة عمل يجب إكماله دائماً

من جهة أخرى، إذا ما نظرنا إلى العولمة بوصفها حصيلة المستجدّات والتطوّرات التي تسعى، بقصدٍ أو من دونه، إلى دمْج سكَّان العالَم في مُجتمعٍ عالَمي واحدٍ، فإنَّ ذلك يلغي دَور التَّرجمة في التَّعبير عن التعدُّد والتنوُّع الثقافيّ، أو يُهمّشها على أقلّ تقدير. فالهُويّة الثقافيّة من شأنها أن تُميّز كلَّ أمّةٍ عن غيرها من الأُمم الأخرى، بما تتضمَّنه من منظومة قيَم وعادات وتقاليد ورموز وتعبيرات وإبداعات وتطلُّعات اجتماعيّة ودينيّة وحضاريّة، فهي المُعبِّر الأصيل عن الخصوصيّة الحضاريّة لأمَّة من الأُمم، وعن رؤيتها للعالَم كذلك. ولهذا كان تاريخ الصّراع البشريّ، في الحقيقة، تعبيراً عن صراع الهُويَّات بالدَّرجة الأولى، فهو الأعنف في تاريخ الصّراعات كلّها من ناحية، كما أنَّه الأكثر خفاء ووضوحاً في آن معاً من ناحية ثانية.

على أنَّ التَّساؤل الذي يطرح نفسه، وبقوّة الآن، يتمثّل في: كيف يُمكننا الخروج من مأزق تلك الثنائيّات المُتقابلة من دون أن نقع، في الوقت نفسه، في أفخاخ “الهُويَّات القاتلة”؛ بحسب تعبير أمين معلوف؟! نقطة البدء في الإجابة عن هذا السؤال تتمثَّل في تعريف ما المقصود بالهُويّة أوّلاً؟! في الواقع، تُثير مسألة الهُويّة، بشكلٍ عامّ، العديد من التساؤلات حول طبيعتها وماهيّتها، واتّجاهات النّقاش في شأنها: إنْ دينيّاً وفلسفيّاً، أم سياسيّاً وقانونيّاً. والحال أنَّه ليس في الإمكان الاتّفاق في شأن تعريفٍ جامِع مانِعٍ للهُويّة، نظراً لصعوبة ضبْطها اصطلاحيّاً. ففي الوقت الذي يُعرّفها “أنتوني غِدِنْز” بوصفها “منظومة التَّفاهُمات في ما بين مجموعة من البشر حول ماهيّتهم والمعاني الكبرى ذات الدَّلالة بالنّسبة إليهم”، يميل عبد الحسين شعبان إلى تعريفها بأنَّها عبارة عن “مجموعة من السّمات الثقافيّة التي تُمثِّل الحدَّ الأدنى المُشترَك بين الذين ينتمون إليها، وتجعلهم يُعْرَفون ويتميّزون بصفاتهم تلك عمَّا سواهم من أفراد الأُمم والجماعات الأخرى. وربَّما تتطوَّر الهُويّة بالانفتاح على الآخرين، أو تنكمش أو تتحدَّد، أو تتقلَّص أو تنحصر أو تنتشر، ولكنّها، من دون شك، تغتني بتجارب النَّاس ومُعاناتهم وانتصاراتهم وآمالهم، وتتأثّر سلباً وإيجاباً بالعلاقة مع الآخر. لذلك، ليست الهُويّة معطىً جاهزاً ونهائيّاً، إنَّما هي عمل يجب إكمالُه دائماً. فالتَّغيير هو الذي يطبع الهُويّة لا الثابت، والتّفاعُل لا الانعزال”. وبناءً على ذلك، إنّ الهُويّة، في الأخير، ليست وعياً بماهيّة خالصة وجوهريّة وميتافيزيقيّة ومُطلقة؛ بل هي نتاج سيرورةٍ تاريخيّة من التحوُّل والتجدُّد وإعادة التَّعريف وتغيير دوائر الانتماء والتطوُّر المُستمرّ. إنّها، باختصار، الوعي بالذَّات الحضاريّة، والعمل على تطويرها مع الحفاظ على سماتها الرئيسة بما أنّها عبارة عن “جملة المَعالِم المميّزة للشيء من حيث هو هو”.

من ضمن هذا السّياق، يُميّز فتحي المسكيني بين “الذَّات الفاعلة” من ناحية، و”الهُويّة” من ناحية أخرى، انطلاقاً من أنَّ الأخيرة هي ما “نحن” عليه بالفعل من دون أيّ جهدٍ وجودي خاصّ، في حين أنَّ “الذَّات الفاعلة” هي ما نستطيع أن نكون، لكنّنا لم نجرؤ بعدُ على الاضْطلاع به كأُفقٍ حرٍّ ووحيدٍ لأنفسنا. فهاجس الهُويّة إذاً، يُفسِد فكرة “الذَّات الفاعلة”، تماماً مثل ظواهر الاستبداد والجهل والانعزال، التي تشكّل عوائق حقيقيّة أمام عمليّة إنتاجها. ولهذا أَطلق البعض مسمّى: “التَّقاطُب الهُويَّاتِيّ؛ أو الهُويَّات المُتقاطِبة”، و”هَوَس الهُويّة“، على المُجتمعات العربيّة المُعاصرة.

في الأخير، يبقى التساؤل قائماً عن طبيعة الدور الذي تضْطلع به الترجمة، على وجه الخصوص، في الحفاظ على “الهُويّة الثقافيّة” للنصوص المنقول منها، أيّاً كانت اللّغة المكتوبة بها في الزَّمن المُعولَم، الذي تسعى فيه العولمة إلى إرساء دعائم ثقافة عالَميّة موحّدة، على عكس ما تصبو إليه عمليّة التَّرجمة؟! فالترجمة ليست مجرّد فعلٍ لغوي فحسب؛ لكنّها أيضاً عمليّة معرفيّة وثقافيّة، فكريّة وحضاريّة، تسعى إلى تحقيق المُصالحة مع الذّات، والتقريب بين الشعوب والثقافات، وإرساء قيَم التعايش في ما بينها. فضلاً عن ذلك، فإنَّ الترجمة تعدُّ بمثابة الحَجَر الأساس لكلّ انطلاقة حقيقيّة نحو ثقافة العصر، على الرّغم من كونها لا تَسلم من التوظيف والأدلجة، بخاصّة في “الحقول الإنسانيّة” التي لا يُمكن لها “أن تقع خارج الأيديولوجيا، وأن تتمَّ بمعزلٍ عنها”، في ما يؤكّد محمّد وقيدي، وذلك بخلاف “العلوم التقنيّة” التي لا تتشبَّع بالأيديولوجيا ولا تقبل التّجنيس، ما يجعلها أقلّ خطراً على القوميّات، وأقلّ تهديداً للهُويّات، ويُضفي عليها طابع العالَميّة والكونيّة.

وإذا كان معلوماً أنَّ الهُويّة تتكوَّن من عناصر ثلاثة هي: العقيدة التي تعبّر عن رؤيا الوجود والعالَم، واللّغة التي تميّز ثقافة شعب ما عن شعب آخر، والتَّاريخ الذي هو حاصل ضرب العنصر الأوَّل في الثاني، فإنَّ عمليّة التَّرجمة تتقاطع بدورها مع هذه العناصر الثلاثة. فمن جهة أولى، تعدُّ الترجمة مدخلاً رئيساً لفهْم الآخر: عقيدةً، ولغةً، وتاريخاً، فضلاً عن دورها المحوريّ في إثبات “الذات الفاعلة” الواعية بنفسها في مُواجَهة الآخر المُختلف، الذي عبّر عنه سارتر بـ “الجحيم” في مقولته الشهيرة: “الجحيم هو الآخر”، وجاسبير بـ”المجهول والمُخيف والغامض”، مؤكّداً أنَّ الترجمة هي البداية الحقيقيّة لتفكيك سحره ووهجه، وذلك بأن تجعله: مقروءاً، ومفهوماً، ومفسَّراً. صحيح أنَّ الآخر – في ما يؤكّد بول ريكور – “مُفترض مسبقاً منذ البداية”، كفاعلٍ حقيقي للفكر، وأنَّه يُدركني أنا نفسي كآخر، لكنّنا معاً نَستهدف العالَم: العالَم بوصفه طبيعة مُشتركة، من أجل أن نتصرَّف بدَورنا على مسرح التاريخ كشخصيّاتٍ من درجة عليا، على حدّ تعبيره. 

ومن جهة أخرى، يلعب المُترجِم دَور الواسطة بين الغريب أو الأجنبي والقارئ. فالترجمة بوصفها تحدّياً تجعل المُترجِم يتّخذ من المعنى وسلطة الترجمة رهاناً؛ فإذا كان المؤلّف الأصليُّ يُنتج النصَّ مرّة واحدة، فإنَّ المُترجِم يُعيد إنتاج النصّ مرّات عدّة، فتُمنَح له الحياة في كلّ مرّة تتمّ إعادة ترجمته من جديد.

علاوة على ذلك، فإنَّ التَّرجمة ليست “مجرّد خلْع النَّصّ الجديد لثوبٍ لغويّ سابقٍ، وارتداء ثوبٍ لغويّ آخر، بل هي عمليّة التحامٍ وتشابُك، بل وصراع بين لغتَيْن أو أكثر تنتهي، في الأخير، بتسويةٍ لغويّة بين ما عُبّر عنه في اللّغة الأولى الأصليّة وما يُمكن أن يُعبَّر عنه في اللّغة الأخرى، بحيث يصبح الشكل الجديد للنصّ عبارة عن انصهار فضاءَين في الوقت ذاته: فضاءُ لغة النصّ الأولى، وفضاء لغة الترجمة الثانية، بكلّ أحمال وأثقال الفضاءَين: الثقافيّة والاجتماعيّة، والسُّلطويّة والدّينيّة”. ومن ثمّ، فإنَّ التحدّي الذي يُواجِه المُترجِم عادة، في ما يتعلّق بخاصَّة بموضوع الهُويّة، يتمثَّل في علاقة الذَّات بالموضوع، والأنا بالآخر، إذ لا يجد أمامه سوى خيارَين اثنَين لا ثالث لهما: فإمَّا أن يُقرِّب المؤلِّف من القارئ، فيقوم بعمليّة إلحاقٍ ودمْجٍ للعمل ويلغي خصوصيّته الثقافيّة، وإمَّا أن يقرِّب القارئ من المؤلِّف فيعمد إلى تغريبه.

في المحصّلة، يُمكننا النظر إلى الترجمة بوصفها عمليّة حوار بين لغتَيْن أو ثقافتَيْن، تؤدّي إلى عمليّة تغيير وتبديل وتعديل في قناعات المُتحاوِرين ومواقفهم. كما يُمكن النَّظر إليها أيضاً بوصفها عمليّة إعادة إنتاج للنصوص وتحويلها، أو بالأحرى تطويعها، لتتناسب مع مُعطيات الهُويّة الحضاريّة للمُترجِم. فهي ليست نقلاً بسيطاً أو حَرفيّاً للنصّ، أو مرآة عاكسة له فقط، أو استنساخاً محضاً لمضمونه، بل هي إعادة بناء وتشكُّل بحسب قدرات المُترجِم على إعادة إنتاج النصّ، على الرُّغم من الفوارق الزَّمانيّة والمكانيّة التي تفصله عنه. ولهذا كلّه، كان التدخُّل في النصّ الأصليّ وتحويره وتغييره بمثابة نَوع من الرّقابة الذَّاتيّة على النصّ، وخصوصاً عندما يعمد المُترجِم إلى تحويل الأفعال إلى أسماء، وترجمة المفرد جمْعاً أو العكس، بنيّة إلحاق الأصل وتملُّكه وليس نقْله وترجمته فقط. فالترجمة هي “مَتن المواكبة”، في ما يؤكّد سالم العيسى، ومن طريقها تتناسق الأفكار والمُعطيات العمليّة والتيّارات الأدبيّة والفلسفيّة بعضها إلى بعض لتكوِّن، في الأخير، فكراً أو مصطلحاً مُتقارباً، عوضاً عن مخاطر تعميم الأنموذج الواحد الذي سعت حركة العولمة إلى ترسيخه.

*كاتب وباحث من مصر

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


51 + = 52