بقلم – المصطفى اسعد
في وقت تعيش فيه الفئات الهشة بالمغرب على وقع أزمات معيشية متلاحقة، وتراجع ملموس في مؤشرات الإدماج والتمكين الاجتماعي، اختارت السيدة نعيمة ابن يحيى، وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، منصة “منتدى مراكش البرلماني الاقتصادي” لتُدلي بدلوها في قضية “الذكاء الاصطناعي”. الوزيرة صرحت بما يشبه اليقين الأخلاقي قائلة: «نلجأ للذكاء الاصطناعي عندما يكون مفيداً لبناء الإنسان أو مساعداً له أو مخففاً عنه، وليس ليحل محله أو يعوضه في مجال الرعاية الاجتماعية…».
هذا التصريح، الذي يحاول ارتداء عباءة “الإنسانية” والحرص على حقوق الأفراد الاقتصادية والاجتماعية كالحق في الشغل والرعاية، يبدو في عمقه منفصلاً تماماً عن الواقع المعيش للمواطن المغربي، بل ويشكل محاولة للهروب إلى الأمام واستعراض معارك تكنولوجية فكرية، في حين تعجز الوزارة في عهدها عن تدبير الأزمات الواقعية الملموسة.
من المثير للسخرية والشفقة معاً أن تقلق السيدة الوزيرة من إمكانية “حلول الذكاء الاصطناعي محل الإنسان في الرعاية الاجتماعية”، بينما المشكلة الحقيقية التي يواجهها المغاربة اليوم هي الغياب الشبه التام للرعاية الاجتماعية الفعالة من الأصل.
إن فترة تسيير الوزيرة الحالية اتسمت بتراجع واضح وتخبط غير مسبوق في تنزيل البرامج الاجتماعية. وبدل أن تشغل الوزيرة بالها بمستقبل الذكاء الاصطناعي، كان الأجدر بها الإجابة عن التساؤلات الحارقة للشارع المغربي:
- تخبط الدعم الاجتماعي المباشر: أين هي الفعالية في معالجة الاختلالات التي شابت المؤشر الاجتماعي والاقتصادي، والتي حرمت آلاف الأسر المعوزة، والأرامل، وذوي الاحتياجات الخاصة من الدعم؟
- جمود مراكز الرعاية: تعاني مراكز حماية الطفولة، ودور العجزة، ومؤسسات الرعاية الاجتماعية في عهدها من تدهور الخدمات.
- ملف إدماج ذوي الإعاقة: ما زال هذا الملف يراوح مكانه بوعود حبر على ورق، وفرص شغل شبه منعدمة، وصعوبات جمة في تنزيل “بطاقة شخص في وضعية إعاقة”.
إن دول العالم لا تخاف من الذكاء الاصطناعي في هذا المجال، بل تستخدمه كأداة لتسريع الاستهداف، وضمان الشفافية، ومحاربة الفساد والمحسوبية في توزيع الدعم المباشر والحفاظ على نفس المسافة مع وسائل الإعلام والمساواة بين المواطنين .
لقد شددت السيدة الوزيرة على ضرورة اعتماد مقاربات تجعل من الاستثمار وسيلة لتعزيز العدالة الاجتماعية وليس فقط لتحقيق العوائد المالية، وذلك من خلال خلق فرص شغل لائقة وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية لكن تصريح الوزيرة ليس سوى شعار للاستهلاك الإعلامي وتغطية على حصيلة وزارية “باهتة” ، فالواقع يؤكد أن الوزارة في عهدها لم تبتكر حلولاً واقعية لخلق فرص شغل حقيقية في قطاع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، بل تراجعت المؤشرات وعجزت الوزارة عن مواكبة الدينامية الملكية التي تطمح لتأسيس “الدولة الاجتماعية”.
إن مستقبل التنمية الاجتماعية في المملكة لا يُقاس بمدى بلاغة الكلمات الافتتاحية في المنتديات الدولية، ولا بالتقاط الصور مع الشخصيات الوازنة، بل يُقاس بعدد الأسر التي أُخرجت فعليا من عتبة الفقر، وبكرامة العجزة والأطفال في مراكز الرعاية، وبفرص الشغل الحقيقية الممنوحة للفئات الإقصائية.
يا سعادة الوزيرة، إن “أنسنة” العمل الاجتماعي لا تبدأ من منصات مراكش، بل تبدأ من النزول إلى الميدان وإصلاح مخلفات التراجع بالوزارة ونقص الشعارات المستهلكة، فالمغاربة لا يحتاجون لتنظير حول مخاطر الذكاء الاصطناعي، بل يحتاجون، أولاً وقبل كل شيء، إلى واقعية ونجاح في تدبير شؤونهم الاجتماعية الراهنة .
