بقلم : محمد حسيكي
كلمة رحمة توارثها لسان المسلمين الأولين وسادت من اللسان العربي الاسلامي، عهد زمن الاستعباد البشري، الذي ساد زمن اكتشاف القارة الأمريكية، المتزامن مع طرد العرب من البلاد الايبيرية الأوروبية، والذي شد فيها عرب بني العباس الطريق من وسط أوروبا نحو بلاد المسجد الاقصى، عبر طريق حج الروم إلى بيت المقدس، وشد فيها عرب أمية الطريق نزولا نحو غرب شمال افريقيا إلى حدود دمشق الشام .
وخلال تلك الحقبة السوداء في تاريخ العرب المسلمين تعرض العرب إلى الاسترقاق، والانسان الافريقي إلى الاستعباد، لحاجة العالم الجديد إلى الامدادات البشرية، عهد استخدام البارود في المواجهات العسكرية .
وإن سجل التاريخ إلى الأمريكيين أول بلد قام بتحرير العبيد وإلحاقهم بالحقوق المدنية للمجتمع الأمريكي، فإن طبيعة الاستعباد البشري بقيت منتشرة بالعالم العربي، من مخلفات التجارة الدولية، إلى حين الحقبة الاستعمارية، التي جندت الجميع في خدمة الحرب، والتي أعقبها تحرير الانسان من الاستعباد والاستعمار .
الاستعباد في التاريخ البشري :
يغلب في المصطلح البشري تسمية المستعبد على الانسان الافريقي الأسود البشرة، وقرينه المسترق الانسان الافريقي الأبيض البشرة، الذي فارق قهرا أهله ووسطه البيئي الحر، من عامل الأسر في حرب محمومة ضد أهله، أو من عامل شدة الفاقة التي تؤدي بالأهل إلى بيع الذرية لطالبي الخدم من البيوت ذات القدرة على الاعالة مقابل الخدمة في إطار التكفل العائلي والحماية الشخصية للعبد المتكفل به، أو لحاجة الانجاب والتحرر من الاستعباد كما في حالة الأمة الحرة من الزواج .
وهذا يعني أن الاستعباد كان ناتجا عن حالة قاهرة من أسير حرب غير مبحوث عنه، إلى فقر مدقع من الأهل ساد بين الفقير الجائع، والغني المحتاج إلى اليد العاملة المحسوبة على البيت العائلي .
وكان العبد يخضع في العهود القديمة من الساحة المدنية، الى العقود الشرعية التنظيمية، إذ لا يسمح الشرع للإنسان تملك خادم أو(ة) إلا بعقد شرعي يكفل الحياة في حدود مقبولة للخادم المملوك من المتكفل به، والذي يسمى سيدا حين تحرير عقد التملك، بعد تحديد مواصفات الشخص المستعبد، وتبليغه تسمية سيده حين الأخذ بيده .
ويعامل العبد معاملة حسنة من أهل البيت، ويحسب طرفا من خدم العائلة لدى السيد والحشم، ويحمل من العموم الوقار والحرمة التي تكتسبها العائلة التي تتكفل به، والمسمى عنهم .
الاستعباد قبل الحماية :
في الحياة البشرية عرف الانسان الافريقي بالبشرة السوداء، وعرف الانسان الأوروبي بالبشرة البيضاء، كما عرف الانسان الأسيوي بالبشرة الصفراء، والبشرة السمراء .
والانسان العربي الذي يقع بين القارة الافريقية والآسيوية، والتجاور مع أوربا من الوجهة الافريقية، والآسيوية، يجمع في تركيبته البشرية بين ألوان السمرة والبياض والسواد والصفرة .
وترجع التركيبة السكانية بالعالم العربي لعوامل دينية مرت بها الساكنة البشرية، من مجامع مقدسة تنبذ التفرقة العنصرية، وتدعو إلى وحدانية الله، ووحدة خلقه من بني الانسان، كما ينسبون من العصر الديني أرضهم لله، وأنها أرض كل من يؤمن به، والله يورث الارض لمن يشاء من عباده .
والاستعباد في المغرب بقي سائدا من عامل الانهيار العربي في أوروبا، واكتشاف العالم الجديد، وتعايش الفقير والغني بالساحة الترابية من جماعة المجتمع، إلى أن التحق البلد بركب العصر الدولي .
اشتغال المستعبد :
في العصر الزراعي كان المستعبد يستخدم في الدور الاجتماعية الكبرى من الحواضر، وكذا من البوادي حيث كان يشغل في الرعي من قطعان الابل كما عند العرب، وفي قطعان الابقار كما عند الأمريكيين، وفي التجارة الحرة من الاسواق التي يولجها الأوربيون .
وعهد الحقوق المدنية تم إنهاء الاستعباد وإلحاق المستعبدين بالحقوق الانسانية إسوة بالسواسية في المعاملة الجارية على الجميع، نتيجة التحول الاجتماعي من حياة سلطة اليد الحديدية، إلى حياة ديمقراطية الأيدي الناعمة .
وهكذا أنهى العمل بنظرية حقوق الانسان المفهوم البشري الخاطئ في المعاملة نحو الانسان الافريقي الذي أنصفه العقل من حيف الزمن والتسلط وألحقه بالركب الانساني من السواسية في المعاملة، والحقوق الاجتماعية، التي أخرجته من عصر الغاب، إلى عصر المجموعة الدولية .
الاستعباد في ظل الحماية :
حين دخول المغرب عهد الحماية، أغلقت بطريقة تلقائية أسواق النخاسة، كون كتبة العقود تخلو عن وظيفة عملهم، ومن تمة انتهت أسواق العبيد بالمدن الكبرى .
غير أن التعاملات خارج السوق بقيت سائدة في المعاملات الجماعية عبر الأعراف المحلية، وكان أغلب المستعبدين من الخدم الذين كانوا يشتغلون في الدور الحضرية والمخزنية التي تعرضت للتتريك والسطو والتخريب، نتيجة تغير الأوضاع العامة بالبلد .
وفي بداية الحماية جندت السلطات الفرنسية العديد من العبيد في صفوف الحرب العالمية الأولى، ومن تم تقلص وانتهى من الساحة الاجتماعية أعداد العبيد المتخلى عنهم .
حالة أبا عبد الخير من التحرر :
عاصر أبو جمع جد والدي فترة دخول الجيش الفرنسي إلى المغرب، كان وقتها يشتغل جلابا يسهر على قيادة فرق جلب المواشي بين الأسواق الحضرية، حيث لم تكن وقتها طرق للآليات الميكانيكية، بل كانت الطرق خاصة بالمشاة والحيوان .
وخلال تلك الفترة عرض عليه بالسوق طفل في سن البلوغ متخلى عنه، عسى أن يحتضنه ويبر به، فقبل العرض والاحتضان .
كان جد والدي وقتها من اتباع القائد المحلي بالجهة، بينما والده كان من أتباع سيدي محمد على أبو الناقة المسماة الشنفرة .
كان أعزلا عن أبيه، من السكن والعمل الجاري على حياته الخاصة، يحترف مهنة “جلاب بالأسواق”، ذاك السوق الذي يبعد عن مقر الاقامة بحوالي 50 كلم، بينما كان عمله يغطي وقتها مساحة مائة كلم .
ومن السوق جلب خادمه المطيع وسماه أبا عبد الخير، عامله معاملة الابن البار وليس معاملة العبد المسير .
زواج أبا عبد الخير :
كان أبو جمع يشتغل من كده اليومي والاسبوعي، يشتغل على الفلاحة البرية والسوق الحضرية، حيث لم تكن وقتها أسواق قروية
وبحضور أبا عبد الخير من وسط الاسرة، أضحى يشتغل مع ربة البيت في الأشغال المنزلية وفي مساعدتها على تربية الأطفال
ومن تم تربى تربية أليفة مع الصغار والكبار وأضحى الشخص المطلوب والذي تتوقف عليه حاجة الجميع .
وحين بلوغه سن الزواج استشاره سيده في أمر زواجه، فعبر عن رغبته في ذلك، وكذلك كان الحال .
زواج الأول :
حين لبى أبا عبد الخير طلب سيده من الزواج، وضعه في خيار من الزوجة، فقال العبد يريد عبدة، ولا أن يسمع عيرة من الزوجة ᴉ فقال أبو جمع، لك ما تريد من الخيار يأبني الآبر .
وهكذا تم زواج أبا عبد الخير من زوجة حرة كما هو حر من وسط متكفله، خصص له مسكنه من وسط السكن مجهز بكامل الحاجيات واللوازم الخاصة، مع سريان النفقة على السيد .
وحين استمرت العلاقة الزوجية لأمد دون إنجاب، استشاره ثانية في حالة الزواج، فلم يشتكي من شيء في زواجه، ثم عرض عليه الزواج بثانية، فقبل بالتعدد دون التفريط في الزوجة الأولى، وكذلك كان .
الزواج الثاني :
بعد ان لم ينجب أبا عبد الخير من الزوجة الأولى، أقدم ولي أمره على تبليغه عزمه تزويجه من زوجة ثانية لغاية الانجاب، فخاطبه، ما قولك ҁ يا أبا عبد الخير، فأجاب : العين تجمع بين السواد والبياض يا سيدي .
.وخلال الزواج خصص له ولزوجته مسكنا ثانيا وواجب النفقة كما يجري عليه الحال مع كل أفراد العائلة كل وحاجيته من المتطلبات العامة والخاصة .
واستمرت الحياة الزوجية والتعايش الانساني بين الجميع، إلى أن انتهى الأجل بمفارقة الحياة التي تجري على الأحياء .
ترحم الأحياء على الأموات :
من التقاليد الدينية بالمجتمع المغربي الترحم على الأموات من أعياد دينية، أو من مواراة جثمان حين وجهته إلى المقبرة، حيث يتفقد المشيعون من وصولهم المقبرة موتاهم، وحينها يخصون أماكن دفنهم بالترحم على أرواحهم .
وإن يغلب على الحياة الاسلامية الرجال يشيعون الموتى ويترحمون عليهم، فإن النسوة لا يشيعون، ويخصص لهم يوم للترحم صحبة أطفالهم وجيرانهم .
ومن زواج أبا عبد الخير كان تحرره من الاستعباد، وكان مثواه الأخير مع المسلمين، ورحم الله من قال : أنجز حر ما وعد، ووعد الحر دين عليه .
ومن الكلمات الطيبة التي التقطها سمعي من وسط عائلتي من مرحلة الصغر، وصارت عنوان قراءتي من الكبر، الرحمة على قبر أبا عبد الخير، من كلمة ترحم إسلامية عربية نطق بها اللسان : يوم الوقوف على قبر العبد الحر الأبر : رحمك الله يا عبدي .

قم بكتابة اول تعليق