لماذا يُلام الخليج ويُكافأ نجاح إيران الصاروخي؟

بقلمد. سالم الكتبي

عاد الجدل حول الترسانة الصاروخية الإيرانية إلى الواجهة بعد أن طُرحت حجة مفادها أن من غير العادل مطالبة إيران بالتخلي عن قدراتها الصاروخية بينما تمتلك دول أخرى في المنطقة قدرات مماثلة، غير أن هذا الطرح يتجاهل سؤالًا أكثر جوهرية: هل المشكلة في وجود صواريخ لدى دول تسعى إلى حماية نفسها، أم في ترسانة هجومية ضخمة بُنيت على مدى عقود وتحولت إلى أداة نفوذ وتهديد إقليمي؟

هنا تحديدًا تكمن المفارقة، فالمسألة لا تتعلق بسباق تسلح متبادل نشأ بين أطراف متكافئة، بقدر ما تتعلق باختلال استراتيجي فرض نفسه على المنطقة عبر عقود، ثم أصبح المطلوب من جيران إيران التكيف معه، لا البحث عن وسائل لمعالجته أو موازنته.

إيران لم تكتفِ بتطوير برنامج صاروخي ضخم، بل جعلت من الصواريخ لغة استراتيجية قائمة بذاتها، وقد استخدمتها كأداة ردع، ووسيلة ضغط، ورسالة نفوذ تتجاوز حدودها المباشرة، وفي المقابل، ظل الخليج لعقود في موقع المتلقي الذي يشتري الدفاع ولا يمتلك القدرة الكافية على موازنة التهديد الهجومي بشروطه هو.

المشكلة الأعمق أن القوى الكبرى لا تدير هذا الملف بمنطق العدالة أو التوازن، بل بمنطق إمكانية التأثير في سلوك الأطراف، فالحليف الخليجي يُطالب دائمًا بضبط النفس لأنه الطرف الذي يمكن التأثير في سلوكه، أما إيران، فبعد أن فرضت برنامجها الصاروخي كواقع استراتيجي قائم، صار التعامل معها يدور حول الاحتواء والتفاوض وإدارة الخطر، لا حول منعه من الأصل.

وقد كشفت الهجمات الإيرانية التي طالت دول الخليج خلال حرب 2026 هذا الخلل في أكثر صوره وضوحًا، فقد أظهرت أن دول الخليج نفسها يمكن أن تتحول إلى أهداف مباشرة للهجمات الصاروخية حتى عندما لا تكون صاحبة قرار الحرب أو طرفًا رئيسيًا فيها.

وكانت الإمارات المثال الأبرز على ذلك، بعدما تعرضت لموجات كثيفة من الصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز والطائرات المسيّرة، ولم تكن أهمية هذه الهجمات في عدد المقذوفات فحسب، بل في الدرس الذي حملته، وهو أن الدولة الخليجية المستقرة والمنفتحة والمندمجة في الاقتصاد العالمي قد تجد نفسها في قلب المواجهة عندما تسعى إيران إلى توسيع كلفة الحرب على خصومها.

ومن هنا برزت حقيقة أكثر عمقًا، فالهجمات لم تكن مجرد واقعة عسكرية عابرة، بل كشفت أن الاستقرار الاقتصادي والانفتاح على العالم لا يوفران حصانة تلقائية في مواجهة منطق القوة الصاروخية، كما أظهرت أن الدولة الخليجية، مهما بلغ مستوى نجاحها التنموي أو اندماجها في الاقتصاد الدولي، يمكن أن تصبح هدفًا مباشرًا عندما تُستخدم الصواريخ أداة لفرض كلفة سياسية أو استراتيجية على الآخرين.

والأهم من ذلك أن حرب 2026 لم تكشف حجم التهديد فحسب، بل كشفت حدود الافتراضات التي حكمت التفكير الأمني في المنطقة لعقود، فقد ساد اعتقاد طويل بأن الشراكات الدولية، وقوة الاقتصاد، والاندماج في النظام العالمي، عوامل كفيلة بتقليص احتمالات الاستهداف المباشر أو رفع كلفته السياسية على المهاجم، لكن ما حدث أظهر أن امتلاك الخصم لقدرة هجومية واسعة يظل عاملًا حاسمًا يتجاوز كثيرًا من الحسابات السياسية التقليدية، ومن هذه الزاوية، لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل نقطة تحول استراتيجية أكدت أن الأمن المستدام لا يقوم على الازدهار وحده، ولا على الشراكات الخارجية وحدها، بل على وجود قدرة ردعية تجعل كلفة الاعتداء أعلى من أي مكسب متوقع منه.

غير أن الدرس الذي كشفت عنه الحرب لا يقتصر على الحسابات العسكرية وحدها، بل يمتد إلى الطريقة التي يُنظر بها إلى الخطر ذاته، ومن هنا تحديدًا تتضح الازدواجية المعيارية في السردية السائدة. فعندما تضرب إيران أو أذرعها، ينشغل العالم غالبًا بإدارة التصعيد وخفض التوتر ومنع الانفجار الكبير، بدل أن يبدأ من السؤال الأبسط: لماذا تُترك ترسانة هجومية بهذا الحجم لتتحول إلى قاعدة إقليمية شبه طبيعية؟ ولماذا يُطلب من الخليج دائمًا أن يتصرف بوصفه الطرف الأكثر عقلانية والأقل اندفاعًا، حتى وهو الطرف الأكثر عرضة للنار والأعلى كلفة في الدفاع عن نفسه؟

ثم هناك البعد الاقتصادي، وهو ليس تفصيلًا ثانويًا، بل جوهر آخر في المعادلة، فإيران تراهن، إلى جانب أثر الصدمة العسكرية، على معادلة استنزاف واضحة، باستخدام أدوات هجومية منخفضة الكلفة نسبيًا في مواجهة دفاعات باهظة الثمن، وهذا يعني أن كل موجة هجوم لا تُختبر فقط في السماء، بل في الميزانيات أيضًا، فالدول الخليجية لا تدفع ثمن الخطر أمنيًا فحسب، بل تدفع ثمن الاستمرار في ردعه اقتصاديًا، دفاعًا عن مدنها ومنشآتها وموانئها وحقولها الحيوية، وهكذا يصبح الخليج ممولًا إجباريًا لاستقرار إقليمي مختل، فيما يحتفظ الطرف المهاجم بميزة الكلفة الأقل والقدرة الأكبر على الاستنزاف.

صحيح أن دول الخليج تتحمل جزءًا من المسؤولية عن تأخرها في بناء عقيدة ردع جماعية أكثر استقلالًا، وعن اعتمادها الطويل على الضامن الخارجي. غير أن هذا لا يغيّر الحقيقة الأساسية فالاختلال الصاروخي لم تصنعه دول الخليج، بل فرضته إيران عبر عقود من التراكم العسكري.

ومن ثم، فإن أي حديث جاد عن الأمن الإقليمي يجب أن يبدأ من قاعدة لا تحتمل المواربة، فإما قيود موحدة وحقيقية على القدرات الصاروخية الهجومية في المنطقة، وعلى رأسها إيران، أو اعتراف صريح بحق دول الخليج في بناء ردع يكسر هذا الاختلال. فالمشكلة لم تعد في سعي الخليج إلى تعزيز أمنه، بل في استمرار التعامل مع اختلال استراتيجي مزمن بوصفه أمرًا واقعًا ينبغي التكيف معه، وما دون ذلك ليس سياسة أمن إقليمي متوازنة، بل إدارة دبلوماسية لاختلال استراتيجي مزمن، يدفع الخليج كلفته الأمنية والاقتصادية بينما يواصل الآخرون الاكتفاء بإدارة تداعياته.