بقلم – المصطفى اسعد
منذ توليه قيادة شركة الخطوط الملكية المغربية (RAM) في فبراير 2016، لم يكن المدير الرئيس المدير العام، عبد الحميد عدو، يواجه مجرد تحدٍّ تجاري عادي، بل كان أمام رهان استراتيجي لتحويل “لارام” من ناقل وطني كلاسيكي إلى أداة دبلوماسية واقتصادية تربط القارة الإفريقية بالعالم.
من خلال هذا الروبورتاج المستند إلى القراءة التحليلية لمسار الشركة، نرصد كيف نجح هذا التكنوقراطي في قيادة الشركة وسط أعنف العواصف الاقتصادية والجيوسياسية، مستندا إلى ثلاثة ركائز أساسية: التدبير العقلاني، الجرأة الإفريقية، والمرونة في مواجهة الأزمات.
هندسة المسار: عقلية القطاع الخاص في خدمة المرفق العمومي
عبد الحميد عدو ليس غريبا عن عالم تدبير المؤسسات الكبرى ، بصفته خريجاً للمدرسة المتعددة التقنيات لباريس (École Polytechnique)، صقل مهاراته في قطاعات حيوية متعددة؛ حيث شغل منصب المدير العام للمكتب الوطني المغربي للسياحة (ONMT)، وقاد شركات في قطاع الطيران والصيد البحري والاتصالات.
هذا المزيج بين الخبرة السياحية والحس التجاري الصارم مكّنه من فهم معادلة الطيران “الطائرة ليست مجرد وسيلة نقل، بل هي حلقة الوصل الأولى في سلاسل القيمة السياحية والاستثمارية” .
منذ أسابيعه الأولى، طبق عدو عقلية “التحسين المستمر للمردودية” (Yield Management)، ممتصا التكاليف الزائدة وموجها الاستثمارات نحو تجديد الأسطول وتطوير الخدمات الرقمية.
تخطي الأزمات: من “مضيق هرمز” إلى جائحة كورونا
لم تكن طريق “لارام” مفروشة بالورود، بل تميز العقد الأخير بهزات جيوسياسية وصحية غير مسبوقة:
الأزمات الجيوسياسية .. مضيق هرمز والتوترات الإقليمية
مع تصاعد التوترات في منطقة الخليج ومضيق هرمز وتأثيرها المباشر على أسعار الوقود (الذي يمثل عادة ما بين 25% إلى 30% من تكاليف شركات الطيران)، اعتمدت إدارة عدو سياسة مرنة للحماية من تقلبات الأسعار (Hedging)، مع إعادة توجيه بعض الخطوط وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة لأسطول طائرات “بوينغ 787 دريملاينر” الحديثة.
امتحان كورونا العسير (COVID-19):
في سنة 2020، شُلت حركة الطيران العالمي ، خسرت شركات الطيران الملايين يوميا ، لكن “لارام” صمدت بفضل خطة إنقاذ وإعادة هيكلة جريئة قادها عدو بالتنسيق مع الدولة ، تم تحويل جزء من الأسطول للشحن الجوي (Cargo) لنقل المعدات الطبية والسلع، وتمت عقلنة النفقات بشكل صارم ، هذا التدبير السريع مكن الشركة من استئناف رحلاتها بقوة فور إعادة فتح الأجواء، دون السقوط في فخ الإفلاس كما حدث لشركات عالمية أخرى.
الانفتاح الإفريقي والدولي: عاصمة الطيران في الدار البيضاء
تحت قيادة عدو، وبفضل الرؤية الملكية السامية نحو إفريقيا، تحول مطار محمد الخامس بالدار البيضاء إلى أهم محور جوي (Hub) يربط غرب إفريقيا بأوروبا وأمريكا الشمالية .
إن إفريقيا ليست مجرد سوق بالنسبة للخطوط الملكية المغربية، بل هي عمقها الاستراتيجي والهوية الحقيقية لنموها.
ترتبط الشركة اليوم بأزيد من 33 وجهة إفريقية مباشرة، مما يجعلها الاختيار الأول للمسافرين، رجال الأعمال، والطلبة من دول غرب ووسط إفريقيا (مثل السنغال، ساحل العاج، مالي، والغابون) المتوجهين إلى أوروبا وأمريكا.
دخول نادي الكبار (Oneworld): في أبريل 2020، حقق عبد الحميد عدو إنجازا تاريخيا بانضمام “لارام” كأول عضو إفريقي كامل العضوية في تحالف Oneworld العالمي (الذي يضم بريتيش آيرويز، الخطوط القطرية، والأمريكية) ، هذا الانضمام فتح للمسافر المغربي والإفريقي شبكة ضخمة تضم أكثر من 1000 وجهة في 170 دولة.

التدبير العقلاني: رؤية 2037 ومضاعفة الأسطول
لم يتوقف الطموح عند تدبير الأزمات؛ ففي يوليوز 2023، وقع عبد الحميد عدو عقد–برنامج تاريخي مع الحكومة المغربية يمتد حتى سنة 2037 ، هذا البرنامج يمثل خريطة الطريق لتحويل الشركة إلى عملاق عالمي حقيقي .
وفي سياق ترجمة هذا الطموح إلى أرقام تعكس الطفرة المستقبلية للناقل الوطني، وضعت الشركة خريطة طريق طموحة لأفق سنة 2037 تهدف إلى إحداث تحول جذري في مؤشراتها التشغيلية؛ إذ تسعى الخطة إلى مضاعفة حجم الأسطول الحالي أربع مرات لينتقل من قرابة 50 إلى 52 طائرة في الوقت الراهن إلى 200 طائرة حديثة. هذا التوسع في الأسطول سيمكن الشركة من رفع قدرتها الاستيعابية بشكل قياسي، مستهدفةً استقبال نحو 31.6 مليون مسافر سنوياً مقارنة بمعدلها الحالي البالغ حوالي 7.5 مليون مسافر. ولتحقيق هذه الطفرة الاستيعابية، سيتجاوز التركيز الحالي للشبكة المرتكز على القارة الإفريقية والمنطقة الأمريكية، نحو انفتاح استراتيجي واسع يشمل إطلاق خطوط جوية جديدة تربط المملكة مباشرة بأسواق واعدة في أمريكا الجنوبية وعواصم آسيوية كبرى مثل بكين وسيول.
هذا التوسع العقلاني لا يعتمد على النمو العشوائي، بل يواكب استضافة المغرب المرتقبة لـكأس العالم 2030 رفقة إسبانيا والبرتغال، حيث ستكون الخطوط الملكية المغربية الجسر الجوي الرئيسي لربط القارات الثلاث.
الخطوط الملكية المغربية .. قوة ناعمة واقتصادية للمملكة
تُظهر القراءة في حصيلة عبد الحميد عدو على رأس الخطوط الملكية المغربية أن الرجل نجح في الموازنة بين خطين متوازيين: “الربحية التجارية” كشركة طيران تنافسية، و “المواطنة الاستراتيجية ” كأداة للدبلوماسية المغربية.
من خلال التدبير المالي الحذر، الاستثمار في العنصر البشري، والمراهنة المطلقة على العمق الإفريقي، لم تعد “لارام” مجرد شركة طيران تنقل المسافرين، بل أصبحت شريانا اقتصاديا يربط جنوب العالم بشماله، وقوة إقليمية حقيقية تُحسب لها ألف حساب في أجواء الطيران العالمي.
