لم تعد المعطيات المتوالية حول العلاقات بين جبهة البوليساريو وشبكات إقليمية مرتبطة بإيران وحزب الله تسمح بالتعامل مع قضية الصحراء المغربية باعتبارها مجرد نزاع إقليمي عادي أو خلاف دبلوماسي بين المغرب والجزائر.
ما تكشفه هذه المعطيات يضعنا أمام صورة أكثر وضوحاً: المغرب يواجه مشروعاً متشابكاً يستهدف وحدته الترابية، وتُستخدم فيه جبهة البوليساريو كأداة انفصالية داخل منظومة إقليمية تتجاوز حدود المنطقة.
والأهم أن هذه التطورات تعيد التأكيد على حقيقة أساسية بالنسبة للمغاربة: الصحراء مغربية، ووحدتها مع باقي التراب الوطني ليست موضوعاً للمساومة أو التجزئة.
الحوار الذي أجراه موقع «Le360» مع ماثيو غديري، العميل السابق في مكافحة التجسس الفرنسي، يقدم معطيات بالغة الأهمية حول طبيعة الروابط بين إيران وحزب الله والجزائر والبوليساريو، ويكشف كيف أصبحت الجبهة جزءاً من حسابات جيوسياسية تتجاوز بكثير الشعارات التي ترفعها أمام المنتظم الدولي.
حين يتحول الانفصال إلى أداة في مشروع إقليمي
منذ استرجاع المغرب لأقاليمه الصحراوية، حاولت الجزائر تحويل قضية الصحراء إلى ورقة ضغط دائمة ضد المملكة، من خلال احتضان جبهة البوليساريو وتمويلها وتسليحها ودعمها سياسياً ودبلوماسياً.
لكن التطورات الجديدة تكشف أن هذه الورقة لم تعد محصورة في الحسابات الجزائرية.
دخول إيران وحزب الله على الخط يفتح الباب أمام قراءة مختلفة تماماً.
فالهدف لا يتعلق فقط بإبقاء النزاع مفتوحاً، وإنما بتوظيف جبهة انفصالية موجودة في موقع جغرافي حساس لخدمة مشروع نفوذ يمتد من الشرق الأوسط إلى شمال إفريقيا ثم إلى منطقة الساحل.
وهنا تظهر خطورة المسألة بالنسبة للمغرب.
فاستهداف الوحدة الترابية للمملكة لا ينفصل عن صراع أكبر حول من يملك النفوذ في هذه المنطقة الاستراتيجية.
الجزائر.. الطرف الذي يقف خلف المشروع الانفصالي
لا يمكن الحديث عن البوليساريو خارج السياق الجزائري.
الجبهة نشأت وترعرعت في بيئة احتضان جزائرية، وقيادتها موجودة فوق التراب الجزائري، وتستفيد من الدعم السياسي والعسكري واللوجستي الجزائري.
وبالتالي، فإن أي انتقال للجبهة إلى مرحلة جديدة من التعاون مع قوى خارجية لا يمكن فصله عن الدور الجزائري.
المعادلة هنا واضحة: الجزائر تستخدم البوليساريو للضغط على المغرب وإضعافه إقليمياً، بينما تجد إيران في هذه الجبهة مدخلاً إلى منطقة تعتبرها ذات أهمية استراتيجية.
وبين الطرفين تتحرك البوليساريو باعتبارها أداة لتنفيذ أجندات أكبر منها.
وهذا تحديداً ما يجعل قضية الصحراء المغربية جزءاً من معركة أوسع على مستقبل المنطقة.
إيران تبحث عن موطئ قدم في شمال إفريقيا
إيران لم تعد تتحرك فقط داخل مجالها الإقليمي المباشر.
مشروعها يقوم على بناء شبكة من الحلفاء والأذرع والامتدادات في مناطق مختلفة من العالم، من خلال الجمع بين العمل السياسي والأمني والعسكري والأيديولوجي.
ومن هذا المنظور، فإن الاقتراب من البوليساريو يكتسب أهمية خاصة.
فالجبهة توجد في منطقة استراتيجية، بالقرب من المحيط الأطلسي، وفي محيط جغرافي يفتح الطريق نحو الساحل وغرب إفريقيا.
بالنسبة لطهران، لا يتعلق الأمر بالمغرب وحده.
إنها تبحث عن موقع داخل خريطة النفوذ الإفريقي الجديدة.
لكن بالنسبة للمغرب، فإن المسألة تعني شيئاً آخر تماماً: محاولة تحويل قضية وحدته الترابية إلى منصة لمشروع نفوذ أجنبي.
وهنا تكمن الخطورة.
حزب الله يدخل على خط الصحراء المغربية
الدور المنسوب إلى حزب الله في تدريب عناصر البوليساريو ونقل الخبرات العسكرية إليها يضيف بعداً جديداً إلى القضية.
حزب الله ليس مجرد تنظيم سياسي لبناني.
إنه أحد أبرز أذرع المشروع الإيراني في المنطقة، وراكم خلال السنوات الماضية خبرات واسعة في استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة والعمل العسكري غير التقليدي والشبكات اللوجستية.
ونقل هذه الخبرات إلى البوليساريو يعني أن الجبهة لا تحصل فقط على دعم سياسي، وإنما يمكن أن تتحول إلى جزء من منظومة عسكرية مرتبطة بمحور إقليمي.
وهنا يصبح استهداف المغرب أكثر وضوحاً.
فالمملكة التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى قوة اقتصادية ودبلوماسية وأمنية وازنة في إفريقيا، تجد نفسها في مواجهة محاولات لتطويقها من الجنوب والشرق عبر أدوات انفصالية وشبكات نفوذ إقليمية.
الصحراء المغربية.. ليست مجرد أرض
المشكلة في الخطاب الذي يحاول تقديم قضية الصحراء على أنها مجرد “نزاع” تكمن في أنه يتجاهل جوهر القضية.
بالنسبة للمغرب، الصحراء جزء من ترابه الوطني، وسكان الأقاليم الجنوبية جزء أصيل من الشعب المغربي، والدولة المغربية تمارس سيادتها على هذه الأقاليم وتعمل على تطويرها اقتصادياً واجتماعياً.
ولهذا، فإن محاولة إنشاء كيان انفصالي في هذه المنطقة لا تعني فقط تغيير خريطة سياسية.
إنها تعني ضرب وحدة دولة قائمة، وخلق بؤرة توتر دائمة في منطقة شديدة الحساسية.
والأخطر هو أن تتحول هذه البؤرة إلى نقطة ارتكاز لقوى خارجية.
لماذا تهم الصحراء إيران؟
الإجابة لا تحتاج إلى كثير من التعقيد.
الموقع الجغرافي للمغرب، وصلاته بإفريقيا، وإطلالته الأطلسية، ودوره المتزايد في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، تجعل المملكة رقماً أساسياً في المعادلة الإقليمية.
وكل مشروع يسعى إلى توسيع نفوذه في إفريقيا يحتاج إلى التعامل مع هذا الواقع.
من هنا، فإن الضغط على المغرب عبر بوابة الصحراء يمكن أن يخدم أكثر من هدف في الوقت نفسه: إضعاف الدور المغربي، استنزافه سياسياً وأمنياً، وتعطيل امتداده الإفريقي.
ولهذا فإن الدفاع عن مغربية الصحراء لا يمثل بالنسبة للمغرب قضية حدودية فقط، وإنما دفاعاً عن موقعه ودوره ومستقبله الجيوسياسي.
من تندوف إلى الساحل.. الخطر يتجاوز الحدود
الجانب الأكثر إثارة في المعطيات المرتبطة بالدور الإيراني هو ارتباطها بمنطقة الساحل.
هذه المنطقة تحولت إلى واحدة من أكثر بؤر التنافس الدولي حساسية، بسبب انتشار الجماعات المسلحة وشبكات التهريب وتجارة السلاح، إلى جانب صراع القوى الدولية على الموارد والنفوذ.
ومن خلال موقع البوليساريو، تصبح منطقة تندوف والأقاليم الصحراوية ومحيط الساحل فضاءً متصلاً.
وهذا يفسر لماذا لا يمكن للمغرب أن ينظر إلى قضية الصحراء باعتبارها ملفاً دبلوماسياً فقط.
الأمر يتعلق أيضاً بالأمن القومي المغربي، وبأمن شمال إفريقيا وغرب إفريقيا ككل.
المغرب.. من الدفاع عن الأرض إلى صناعة القوة
في مواجهة هذه التحديات، لم يكتف المغرب بالدفاع السياسي عن وحدته الترابية.
خلال السنوات الماضية، بنى المملكة شبكة واسعة من العلاقات الإفريقية، وعزز حضورها الاقتصادي والدبلوماسي في القارة، وطور شراكات استراتيجية مع دول إفريقية وعربية وأوروبية وأطلسية.
كما جعل من الأقاليم الجنوبية منصة لمشاريع استثمارية وبنيات تحتية كبرى، وربطها برؤية أوسع للتعاون مع إفريقيا.
وهذه الاستراتيجية تحمل رسالة واضحة:
مغربية الصحراء لا تُدافع عنها الخطابات فقط، وإنما تُرسخ أيضاً بالتنمية والاستثمار والحضور الدبلوماسي والارتباط الفعلي بالمجال الإفريقي.
الحقيقة التي تكشفها هذه التطورات
كلما ظهرت معطيات جديدة حول ارتباط البوليساريو بقوى إقليمية خارجية، أصبحت حقيقة أساسية أكثر وضوحاً:
الجبهة ليست مشروع دولة، وإنما أداة في صراع إقليمي على النفوذ.
فالجزائر تستخدمها في مواجهة المغرب، وإيران تجد فيها مدخلاً إلى إفريقيا، وحزب الله يوفر الخبرة والتدريب، بينما تبقى ساكنة مخيمات تندوف هي الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر لهذا المشروع.
وفي المقابل، يواصل المغرب بناء واقعه على الأرض، وتنمية أقاليمه الجنوبية، وتوسيع حضوره الإفريقي، وتعزيز علاقاته الدولية.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى.
بين مشروع يقوم على الانفصال والتوتر وإبقاء الحدود مغلقة، ومشروع مغربي يقوم على التنمية والانفتاح والتعاون الإفريقي.
مغربية الصحراء.. قضية وطنية ومشروع إقليمي
إن المعركة حول الصحراء المغربية لا ينبغي اختزالها في سجال دبلوماسي حول خرائط وحدود.
إنها معركة حول نموذجين مختلفين للمنطقة.
نموذج يريد إبقاء المغرب محاصراً داخل نزاع مفتعل، ويستخدم الانفصال كورقة لإضعاف المملكة وعرقلة امتدادها الإفريقي.
ونموذج مغربي يريد تحويل الصحراء إلى جسر بين المغرب وإفريقيا، وبين الأطلسي والساحل، وبين شمال القارة وغربها.
ولهذا فإن كل محاولة لربط البوليساريو بشبكات إقليمية مسلحة، وكل انكشاف لعلاقاتها مع قوى خارجية، لا يضعف الموقف المغربي، بل يكشف بصورة أكبر طبيعة المشروع الذي تواجهه المملكة منذ عقود.
إن المغرب لا يدافع فقط عن قطعة من الأرض.
إنه يدافع عن وحدة ترابه، وعن استقراره، وعن موقعه الإفريقي، وعن حق أجياله المقبلة في وطن موحد من طنجة إلى الكويرة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا تحتاج إلى تأويل بالنسبة للمغاربة: الصحراء مغربية، وستظل مغربية، وكل المشاريع التي تحاول تحويلها إلى منصة للانفصال أو إلى موطئ قدم لقوى إقليمية لن تغير هذه الحقيقة.
