بقلم – بنطلحة الدكالي
تقوم الجهوية المتقدمة في المغرب على تصور دستوري يروم إعادة تنظيم الدولة على أساس القرب والنجاعة والعدالة المجالية، حيث نص دستور 2011 على أن التنظيم الترابي للمملكة يقوم على اللامركزية والجهوية المتقدمة، وخصص لها مقتضيات تؤطر اختصاصاتها ومبادئ اشتغالها.
وقد تعزز هذا التوجه بصدور القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية سنة 2015، وعلى رأسها القانون التنظيمي الخاص بالجهات، الذي حدد اختصاصاتها الذاتية والمشتركة والمنقولة، وأرسى قواعد التدبير الحر وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع الحفاظ على دور الدولة في التنسيق وضمان التوازن بين المجالات.
غير أن هذا البناء الدستوري والمؤسساتي، رغم أهميته، ظل يطرح سؤالا جوهريا يتعلق بمدى قدرته على إنتاج أثر فعلي داخل المجالات الترابية. فالتحدي لم يكن فقط في نقل الاختصاصات، بل في كيفية تفعيلها ضمن رؤية تنموية متكاملة قادرة على تقليص الفوارق وتحقيق التنمية المتوازنة.
وقد أظهرت التجربة أن المقاربات القطاعية التقليدية، التي تقوم على تدخلات متفرقة، لا تكفي لتحقيق هذا الهدف، لأنها تنتج مشاريع متجاورة دون أن تخلق دينامية تنموية مندمجة.
في هذا السياق، برزت برامج التنمية الترابية المندمجة كتحول نوعي في منهجية التدبير العمومي، خاصة بعد التوجيهات الملكية السامية الواردة في خطاب العرش لسنة 2025، التي دعت إلى الانتقال من المقاربات التقليدية إلى مقاربة مجالية مندمجة تجعل من العدالة المجالية هدفا مركزيا.
«على مستوى الحكامة، تعكس هذه البرامج تحولا في توزيع الأدوار بين مختلف مستويات القرار، حيث يضطلع المستوى الترابي بدور أساسي في التشخيص والتنفيذ، في حين يعمل المستوى الجهوي على تحقيق الانسجام بين المبادرات، بينما يحتفظ المستوى المركزي بوظيفة التنسيق وضمان وحدة التوجه العام»— محمد بنطلحة الدكالي
وقد شكل هذا التوجيه لحظة مفصلية، لأنه وضع إطارا عمليا لإعادة بناء السياسات العمومية على أساس المجال.
وتقوم هذه البرامج على منطق مختلف يعيد ترتيب العلاقة بين الفعل العمومي والمجال الترابي، حيث لا ينظر إلى التنمية باعتبارها مجموع تدخلات منفصلة، بل باعتبارها بناء متكاملا ينطلق من خصوصيات كل مجال. فبدلا من توزيع المشاريع بشكل مجزأ، يتم اعتماد رؤية موحدة تجعل من المجال وحدة للتخطيط والتدخل، وتربط بين مختلف الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ضمن تصور منسجم.
كما تعتمد هذه المقاربة على منهجية تقوم على التشخيص الترابي الدقيق وإشراك الفاعلين المحليين في بلورة الاختيارات، بما يسمح بتوجيه السياسات نحو الحاجيات الفعلية للسكان. ولم يعد التخطيط يتم بمنطق مركزي صرف، بل أصبح عملية تفاعلية تجمع بين مستويات متعددة (محلي، جهوي، مركزي)، في إطار يسعى إلى تحقيق الالتقائية وتفادي التداخل بين المتدخلين.
وعلى مستوى الحكامة، تعكس هذه البرامج تحولا في توزيع الأدوار بين مختلف مستويات القرار، حيث يضطلع المستوى الترابي بدور أساسي في التشخيص والتنفيذ، في حين يعمل المستوى الجهوي على تحقيق الانسجام بين المبادرات، بينما يحتفظ المستوى المركزي بوظيفة التنسيق وضمان وحدة التوجه العام. ويهدف هذا التنظيم إلى تجاوز منطق التجزئة الذي كان يحد من فعالية السياسات العمومية.
أما من حيث التمويل، فإن التوجه الجديد يقوم على الانتقال من منطق التمويل المجزأ إلى منطق الاستثمار الترابي المهيكل، بما يسمح بتوجيه الموارد بشكل أكثر نجاعة وربطها بالأثر المنتظر داخل المجالات الترابية.
ومع ذلك، فإن هذا الورش يواجه عددا من التحديات، من أبرزها محدودية القدرات الإدارية والتقنية على المستوى المحلي، وصعوبة تحقيق تنسيق فعلي بين المتدخلين، إضافة إلى الحاجة إلى تطوير آليات فعالة للتتبع والتقييم. كما يظل نجاح هذه البرامج رهينا بمدى انخراط الفاعلين المحليين بشكل حقيقي في مختلف مراحل الإعداد والتنفيذ.
ولتجاوز هذه الإكراهات، تبرز أهمية الاستثمار في تقوية القدرات المحلية، وتعزيز أدوات الحكامة، واعتماد آليات حديثة للتتبع والتقييم، إلى جانب ترسيخ ثقافة المشاركة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
في المحصلة، تمثل برامج التنمية الترابية المندمجة خطوة نوعية في مسار تنزيل الجهوية المتقدمة، لأنها تنقل هذا المشروع من مستوى الإطار القانوني إلى مستوى الممارسة الفعلية، وتعيد الاعتبار للمجال كفاعل في إنتاج التنمية، بما يفتح آفاقا جديدة لتحقيق العدالة المجالية والتنمية المستدامة.
