الانتخابات التشريعية وواجب التوقير والاحترام للملك

بقلمحميد عسلي (باحث في القانون والعلوم السياسية)

الملك، رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها. بهذه العبارات الدستورية بدأت الفقرة الأولى من الفصل 42 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011، مؤكدة مكانة الملك كعنصر محوري في النظام السياسي المغربي. كما يعزز الفصل 46 هذا المعنى، حين ينص على أن “شخص الملك لا تنتهك حرمته، وللملك واجب التوقير والاحترام”.

ولكن، ماذا يعني مفهوم التوقير والاحترام للملك في السياق المغربي؟

في المغرب، المؤسسة الملكية ليست مجرد مؤسسة حديثة، بل هي امتداد تاريخي يعود إلى عدة قرون خلت، مما يمنحها شرعية تاريخية فريدة عبر العالم. فمنذ تأسيس الدولة المغربية على يد الأدارسة في القرن الثامن الميلادي، ظلت المؤسسة الملكية حجر الزاوية وقطب الرحى في توحيد البلاد وحماية سيادتها. ولطالما شكلت هذه الشرعية عبر التاريخ، دورًا حاسمًا في حماية سيادة المغرب ضد الاستعمار. وقد جسدت قيادة الملك محمد الخامس للكفاح الوطني ضد الاستعمار الفرنسي والإسباني رمزًا لوحدة الشعب المغربي تحت راية الملكية، وتعد قيادة الملك المرحوم محمد الخامس لحركة الاستقلال أبرز مثال على الدور الحاسم للملك في حماية استقلال البلاد وسيادتها.

كذلك، وبقوة كبيرة تأتي الشرعية الدينية التي يتمتع بها الملك في الدولةالمغربية باعتباره أميرا للمؤمنين، كأحد أبرز مظاهر تجدر هذه المؤسسة في وجدان وهوية المغاربة الموحَدين على تواثب المملكة ودينها، فقد جاءت المادة 41 من الدستور لتنص على أن الملك هو “أمير المؤمنين” مما يمنحه شرعية دينية تستند إلى دوره كحامي للإسلام وضامن لحرية ممارسة الشعائر الدينية. ولذلك، فإن تفرد المغرب في حفاضه على مفهوم البيعة وطقوسها باعتبارها عقدا شرعيا وسياسيا يتم بموجبه إعلان الولاء والطاعة للحاكم مقابل التزامه بحماية مصالح الأمة وتحقيق العدل، يندرج كل ذلك تحت غطاء دستوري يمزج بين عقد ديني والتزام سياسي يعكس علاقة متبادلة بين الحاكم والمحكوم.

هناك أيضا الشرعية الاجتماعية، حيث إن المؤسسة الملكية توجد بقلب المجتمع وتتفاعل مع مختلف قضاياه، فالدور الاجتماعي للملك من خلال توجيهاته وتدخلاته في مختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية وكذا رمزيتهباعتباره ملكا للجميع، جعلت من الملكية بالمغرب عاملا موحدا لمختلف الفئات والقبائل على اختلاف مشاربهم وتنوع تقاليدهم وثقافتهم.

وقد جاءت الوثيقة الدستورية لسنة 2011، لتحافظ على هذه الثوابت وتؤطر مختلف ما تتمتع به المؤسسة الملكية من شرعيات تاريخية ودينية واجتماعية ودولية كأسمى تعبير دستوري عليها في إطار شرعية دستورية أصيلة.

ونحن امام محطة الانتخابات التشريعية المقبلة، لا بد وأن نثير كباحثين في الشأن العام مسألة بلورة احترام المؤسسة الملكية من طرف الأحزاب السياسية وذلك من خلال الفعل والتماهي مع الرؤى الملكية بالتطبيق والتنزيل على أرض الواقع، لا من خلال الخطابات الشعبوية والموسمية التي غالبا ما تهدف إلى تحقيق مكاسب سياسوية مؤقتة وظرفية.

أولا، يجب أن تُّبقي الأحزاب السياسية المؤسسة الملكية بعيدة عن حملاتها الانتخابية، ذلك لكون هذه المؤسسة تعتبر ملكا للجميع وهي بمنطوق النص الدستوري الحكم الأسمى بين مؤسسات الدولة. فأي محاولة للزج بالمؤسسة الملكية في الصراعات السياسية الداخلية لا تخدم إلا تقويض الاستقراروالاجماع الوطني، وعلى الأحزاب السياسية بالأغلبية كما في المعارضة، ألا تستعمل المؤسسة الملكية كأداة في الصراع الانتخابي لتحقيق مكاسب ظرفية في الانتخابات التشريعية، غير ذلك قد يسيء إلى مكانتها.

ثانيا، إن توقير الملك واحترامه من طرف المؤسسات الحزبية المغربية لا ينبغي أن يظل مجرد شعارات أو مواقف شكلية، بل يجب أن يتجسد فعليا عبر تقديم برامج سياسية وانتخابية جادة وذات مستوى يليق بمغرب 2026وانتظاراته، برامج تعكس حسا وطنيا ومسؤولية تجاه المغاربة. فهل تقديم مرشحين غير مؤهلين علميا او لهم سوابق أو تهم المال العام يعتبر احتراما للملك؟ بل هل استنساخ البرامج الحزبية أثناء الحملات الانتخابية وكأنها أُّنتجت من طرف جهة واحدة دون تقديم أجوبة دقيقة وبأرقام وميزانيات ومدد إنجاز محددة وغياب تام لمرجعياتها وبصمتها يدخل ضمن نطاق الاحترام والتوقير الواجب لشخص الملك ولرؤيته؟

فاحترام الملك يظهر من خلال الالتزام بمضامين خطبه وتوجيهاته المتعددة التي تؤكد على النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة والدعوة الصادقة إلى خدمة الوطن بتفان وإخلاص عبر تقديم مرشحين نزهاء وأمناء. وعليه، فإن الأحزاب خلال الانتخابات التشريعية لشهر شتنبر 2026 مدعوة إلى ترجمة احترامها وتوقيرها للملك ولتوجيهاته السامية إلى ممارسات ملموسة، قوامها تقديم مرشحين أكفاء ببرامج واقعية وقابلة للتطبيق ونهج طريق الشفافية والتنافس الشريف، إن احترام الملك هو احترام لشعبه ولدولة ضاربة جدورها في التاريخ، والتاريخ يسجّل، فلا تسجلوا مرحلتكم في مزبلته.