لم تظل الشخصيات الشريرة أكثر إثارة للاهتمام؟

✍ بقلم: سميرة مسرار

إنّ محاولة فهم صفاتِ أي شخص يساعدُ كثيرًا في التعرّفِ على الطريقة الأمثل للتعامل معه، خاصةً في مجالات التواصل الاجتماعي والعمل والدراسة.
إن لكلِّ واحد منا خاصية تميّزُه عن الآخرين. والجدير بالذكر أن سلوكيات الناس ليست كلها إيجابية ومؤثرة اجتماعيًا بشكل أفضل، ذلك أن البعض منهم يتصفُ بالشر والعدائيّة. إلا أن الشخصية السيكوباتية هي الأخطر في مجتمعنا لما لها من عواقب تدميرية قد تتجاوز حد المعقول. لهذا سأتطرق في هذا المقال إلى إيراد أهم المعلومات التي تتعلق بصفات وأنواع هذه الشخصية في المجتمع.
إننا لنجد في محيطنا كثيرا من الشخصيات ذات حدة طبع تجعل المتتبع يتساءل عن الأسباب التي تدفع بها إلى التعامل مع الغير بشكل عدائي؟! ومما لا شك فيه أن كل تصرف مخالف للسلم الاجتماعي هو سلوك ينم عن عدم رضى الشخص العدائي عن ذاته، لهذا تجده ينتهز الفرص لينفث سمومه في الآخرين! وغالبا ما يكون هذا عبارة عن ردود أفعال تهجمية لا مبرر لها في أخلاقيات التفاعلات العلائقية. فالشخص العدائي كلما تفاعل مع الغير إلا وترك وراءه أثرا يجرح به الآخرين غير عابئ بسلوكه العنيف الذي يعكس نفسيته كشخص يحمل في طياته حقدا داخليا تشكل لديه عبر ماضيه الذي لم يستطع الانفلات منه. والغالب أنه ماض ثقيل بشتى أشكال العنف السيكولوجي : قهر الأب والوسط الأسري، عنف الشارع، سلطة الزوج، القمع السوسيولوجي والإداري، وغيرها. لهذا يظل هذا الشخص أسير ماضيه فيعيد نفس السلوكيات في تعامله مع وسطه، وهنا يفقد كليا الثقة بنفسه ولا يعترف أبدا بأن تصرفاته وليدة العلاقة مع المحيط الأول الذي ما زال السبب في كل هذه الردود وما ترتب عنها من خلل في التوازن النفسي، كما أشار إلى ذلك الطبيب والمحلل الأمريكي ويني كوت ( winnicott ) في كتابه عن طب الأطفال والتحليل النفسي، وكذلك المحلل النفسي بوولبي Bowlby الذي تحدث في هذا الموضوع عن فكرة التعلق، ومفادها أن الفرد إذا كان غير راض عما تلقاه من رعاية من طرف الوالدين فيسحاول طول عمره يطالب بالمزيد من التقدير، وهنا تبرز جدلية الارتباط بالأم التي تحدد شخصية الفرد وتنعكس على علاقته بمحيطه. لهذا نرى ويني هو الآخر يؤكد على دور الأم الطيبة في صناعة وتكوين الفرد الطيب.
مهما يكن من أمر دور الماضي في تشكيل الشخصية، فهل يحق لإنسان كيفما كان وضعه أن يقصي الآخرين ويقلل من قيمتهم ويعنفهم؟ وهل يحق له هذا خاصة إذا كان مسؤولا؟ وهل يحق له ان يحظى باحترام مستخدميه ويدعي أنه مرجعيتهم المهنية وهو غير واعي بأنه السبب في تعطيل السير العام للإدارة؟ وقد تجد من المسؤولين من يتنافس مع معاونيه في حين أنه مطالب بالأخذ بأيديهم وتزكية إنجازاتهم والتعاون معهم لإنجاح برامجهم. لا يمكن لأي مسؤول أن يصل إلى هذا التصرف النبيل دون مساءلة النفس وتخليصها من إحباطات الماضي لتذوق الحاضر وإلا سيمر الزمن ولن يتلذذ لا بالماضي ولا بالحاضر، بل سيظل حبيس فترة فشل الماضي وترسباته النفسية. وماذا يمكن أن يقال بخصوص المسؤول المتسلط سوى أنه مهووس، متوتر من الداخل، منغلق على نفسه في سجن مرحلة لم يصدق انها مرت، فبقيت تسكنه ويسكنها، يدور حولها ولا يحاول الهروب منها وابعادها عنه. إنه يخاف أن يخفت نجمه وتضيع عظمته إذا هو حاول الثورة على مخلفات ماضيه. وهكذا يسقط في حالة هذيان فيتخيل له أن نجاحات الآخرين والمصالحة معهم ستؤثر سلبا عليه. ولكي يقنع نفسه بحسن تصرفاته السيئة الشريرة، فإنه يمضي في دوامة تطاحن دائم مع من حوله، وهذه حالة مرضية تتسم بالعدائية المستمرة.
إنك لتجد في المجتمع أناسا يجعلونك تستحي من طيبوبتهم، متصالحين بشكل دائم مع ذواتهم ومع الغير، وتجد في المقابل أشخاصا شريرين يبعثون في نفسك الغثيان. والغريب في الأمر أن الطيب لا يمتن عليك مهما خدمك بل ويعتذر لك حتى وإن لم يسئ إليك من قريب ولا من بعيد. أما الشرير فيتلذذ بالإساءة إلى الناس، ومتى سنحت له الفرصة أو تقلد منصبا إداريا لم يكن كفؤا له، إلا وتجده يتحايل على من هم تحت سلطته ليحول حياتهم إلى جحيم، وتراه يغضب لأتفه الأسباب، بل ويختلق أجواء من الاختناق ليرضي نفسه الشريرة. هذا النوع من البشر مصاب بداء الشر الذي استحوذ عليه وجعله يقوم العالم حسب منظاره. وإذا رجع إلى بيته في آخر النهار لم يراجع نفسه أو يعترف بخطئه، بل يتمادى فيه. ولكن الأعتى من ذلك أنه يتفنن في الحيل ليوقع من جديد بضحايا الأمس.
وهنا نطرح سؤالا مهما: لماذا يوجد بيننا أشخاص شريرون ؟
ولكن نتساءل في البداية عن معنى كلمة “شر” نفسها؟
لقد قال العلماء بأن للناس “جوهر مظلم” في شخصياتهم يرتقي إلى مستوى “الشر”. وقد قالوا بوجود “العامل المظلم العام” داخل الشخصية، أو ما يطلق عليه بمصطلح (D-factor)، الذي يمكن من خلاله معرفة مدى سمات الفرد المظلمة التي تدفعه إلى السلوك بشكل مريب من الناحيتين الأخلاقية والاجتماعية.
ولأن الشر آفة عظمى، فليس غريبا أن تجد الأديان السماوية وفلاسفة الأخلاق قد انتقدوا بشدة سلوكيات الشرير واستعاذوا منها كما في سورة الناس: “قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إلاه الناس، من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس”. صدق الله العظيم.
إن للشرير صفات تسعة تشكّل ما يعرف باسم (D-factor)، وهذه تعريفاتها:

  • الأنانية: “الاهتمام المفرط بمتعة الفرد، أو مصلحته الخاصة، على حساب رفاهية الآخرين”.
  • الميكافيلية: “التلاعب، وتوظيف المكر والازدواجية في السلوك العام، واعتماد مبدأ الغاية تبرر الوسيلة”.
  • الانفصال الأخلاقي: “التفكير والنظر إلى العالم بطريقة تنتج سلوكيات غير أخلاقية”.
  • النرجسية: “تعزيز الذات، والأنا هو كل ما يهم في الأمر”.
  • الاستحقاقات النفسية: “الإحساس الدائم والمفرط بأن الفرد يستحق أكثر من غيره”.
  • الاعتلال النفسي: “العجز في التأثير الذي ينتج قساوة القلب، وعدم السيطرة على النفس، مما ينتج الاندفاعية الهجومية”.
  • السادية: “الشخص الذين يجد لذة في إهانة وإلحاق الأذى بالنفس أو بالآخرين، من خلال سلوكيات قاسية جدًا، وهذا يشمل الألم والمعاناة النفسية والجنسية والجسدية”.
  • المصلحة الذاتية: “السعي وراء المكاسب في المجالات ذات القيمة الاجتماعية، بما في ذلك الوضع الاجتماعي والإنجاز الأكاديمي أو المهني”.
  • الضغينة: “الإضرار بالآخرين حتى لو انطوى ذلك على الإضرار بالنفس، وهذا يشمل الضرر الاجتماعي والمالي والجسدي”.
    نظرًا لمدى خطورة الاختلاط بهذه الشخصية السيكوباتية ، فقد أجرى مجموعة كبيرة من خبراء علم النفس العديد من الدراسات العلمية حولها حتى توصّلوا إلى أن لهذه الشخصية نوعين لكلّ منهما جوانب سلبية على المجتمع:
    الشخص السيكوباتي العدائي، وهو الذي لا يهتمّ بلآخرين ولا يراعي مشاعرهم أثناء حدوث أي نوع من أنواع الاحتكاك الاجتماعي. ويتصفُ بإصراره للوصول إلى أهدافه مهما كانت نتائجها سلبيّة أم لا. وهو غالبا ما يتميّزُ بذكائه العالي الذي يُيسره في الشر. ويُعرف بأنّه شخص خالٍ من المشاعر والعواطف.
    الشخص السيكوباتي المتقلب: وهو شخص أناني. يهرب من المسؤوليات. وهو كثير الشجار واختلاق المشاكل مع الآخرين. يتصفُ بالدّهاء والمكر لتحقيقِ مآربه.
    لهذا يبقى السؤال مطروحا: كيف يمكننا مواجهة هذه الفئة من الأشخاص الشريرين، خاصة في فضاء الأسرة والشارع والإدارة للقضاء على الشر أو على الأقل التخفيف من حدته على الناس والمجتمع؟

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 3 = 2