عقدت مؤسّسة الفكر العربي ندوة فكرية في الرباط على مدى يومين، تحت عنوان “نحو فكر عربي جديد”، وذلك تحضيراً لمؤتمرها السنوي “فكر17″، بحضور مفكّرين ومثقّفين وأكاديميّين وحشد من الإعلاميين، والقائم بأعمال السفارة السعودية في المغرب عبد المنعم بن ناصر التميمي. وقد شارك في الندوة أكثر من عشرين متحدّثاً من دول المغرب العربي، من مفكّرين وباحثين وأكاديميين ومختصّين، ناقشوا واقع الفكر العربي في ضوء التحدّيات والمتغيّرات التي يشهدها عالمنا العربي، وسبل التطوير والتغيير.
انطلقت الندوة بالنشيد الوطني المغربي، ثم ألقى المدير العامّ لمؤسّسة الفكر العربي البروفسور هنري العَويط كلمة، أكّد فيها أنّ تجديد الفكرِ العربي هي قضيّة تعني العرب كلّهم، في المشرقِ والمغرب، وبسبب طبيعة هذا المشروع الجَماعية، اختارته مؤسّسة الفكر العربي موضوعاً لمؤتمرها السنوي “فكر17″، راميةً من وراء ذلك إلى إعادة الاعتبار للفكر، باعتباره أداةَ التنوير، وقاطرةَ التطوير، ورافعةَ التنمية، وساعيةً إلى إثارة الوعي بخطورة ما يواجهنا على هذا الصعيد من تحدّيات تحتّم تجديد نهجنا ومناهجنا، وحشدَ طاقاتِناـ للاضطّلاعِ بمُهمّةِ الإسهامِ في ولادةِ هذا الفكرِ الجديد، وفي تعزيزهِ ونشره.
وأكّد العَويط أنّ مسؤولية تجديد الفكر العربي تقع بالمَقام الأوّل على عاتق المفكّرين والمثقّفين، وهي بصورة أساسية منوطة بهم، ولذلك بادرت المؤسّسة، في إطار الإعداد لمؤتمرها القادم، إلى تنظيم هذه الندوة هنا بالذات، في قلب المغرب العربي الذي حَفَلَ تاريخه القديم والحديث بكوكبة من الأعلامِ الأفذاذ، مجدّدي الفكر العربي، وروّاد العقل الناقد.
ورأى أنّ مضمون عنوان الندوة إشكالي بامتياز، ويستبطن وراء بساطته الظاهرة سيلاً من الأسئلة، في مقدّمها هل الفكر يمثّل اليومَ قضيّة تندرج في قائمة اهتماماتنا الملحّة، وتحتلّ موقعاً متقدّماً في سُلَّمِ أولويّاتنا؟ وفي خضمِّ ما يعصِف بمِنطقتنا من نزاعات وحروب، تهدّدُ مستقبلَها وديمومتها، ما هي دواعي عقدِ ندوات وتنظيمِ مؤتمراتٍ تدور حول الفكرِ وتوجّهاتِهِ ومناهجه؟ ألا يُخشى أن تُعَدَّ هذه الأنشطةُ ترفاً ذهنيّاً وأن تستغرقَ في تنظيرٍ وتجريدٍ منقطعِ الصلةِ بالواقع؟
واعتبر أنّنا إذا ما سلّمنا بأنّ لموضوعِ الفكرِ أهمّية محوريّة، وبأنّ تناولَ تحدّياتِ تجديده مسألة ضروريّة وحيويّة، فلماذا ننعت هذا الفكرَ بالعربي، وماذا تعني هذه الصفة بالضبط؟ ألا تُحيلنا فوراً إلى ساحاتِ الهويّات المتصارعة، وإلى مِلفّ العلاقات المُلتبسة والشائكة بين الأنا والآخر، وتحديداً بين الشرق والغرب، وهي علاقات تتأرجحُ بين التبعيّة والتغريب من جهة، والقطيعة والعداء من جهةٍ أخرى؟! ورأى أنّه لا بدّ من طرحِ سؤالٍ ثالثٍ أخير، ولكن لعلّه الأوّل في ترتيبِ الأهميّةِ والخطورةِ والتعقيد. هذا الفكرُ العربي الذي ننادي به وندعو إليه، لماذا نريده أن يكون جديداً، وكيف السبيلُ إلى تجديده؟ ما هي عناصرُه ومقوّماتُه؟ وما هي طبيعةُ توجّهاته ومقارباته؟ وهل تعني المناداة بفكرٍ عربي جديد مراجعةً ونقداً وإدانة لما سبقه، ودعوة إلى تجاوزهِ وتغييره بصورة جذريّة وحاسمة، أم تعني الدعوةَ إلى تطويره؟
وختم المدير العامّ كلمته معوّلاً على المتحدثين في جلسات الندوة، والمشاركين في الحوارات والمناقشات التي ستثيرها مداخلاتهم، في الإجابة على الأسئلة التي طرحها وغيرها من الأسئلة المرتبطة بعنوان الندوة ومحاورها.
ثمّ انطلقت أعمال الجلسة العلمية الأولى تحت عنوان “العرب والمتغيّرات الكبرى في العالم اليوم” أدارها وزير العدل المغربي السابق معالي محمد أوجار، فنوّه باختيار مؤسّسة الفكر العربي مدينة الرباط منطلقاً للتحضير لمؤتمرها السنوي “فكر17″، الذي يُعقد هذا العام تحت عنوان “نحوَ فكر عربي جديد”. وأكّد أوجار أنّ سؤال التحوّل في منطقتنا العربية لا يملك جواباً واضحاً وكذلك سؤال الهويّات التي تتقسم بين نوعين، الأوّل مدعوم من سلطة دينية والثاني من سلطة سياسية. داعياً إلى بناء فكرٍ عربي جديد يخاطب الفكر الآخر أينما كان.
وتحدّث الأكاديمي المغربي الدكتور عبد الرحمن طنكول، فأكّد أنّنا أمام تحدّيين اثنين، الأول يتمثّل بتحدّي ابتكار المستقبل، والثاني بتحدّي الذكاء الاصطناعي، مشدّداً على ضرورة أن تكون لدينا الشجاعة الكفيلة بنقد أدواتنا، وتفكيك أسباب التغيّرات من أجل مواجهة التحدّيات الراهنة، لافتاً إلى أنّ وضعية العالم العربي وضعية تتسم بالتحوّل والتغيّر والتأثّر، وهي مرتبطة بوضعية العلاقة بين القوى العظمى التي تتميّز بالتنافس الحاد على الصعيد الاقتصادي والجيواستراتيجي، معتبراً أنّه حان الوقت للقيام بنهضة فكرية جديدة تنطلق قائمة على كشف التناقضات المكبوتة.
ثم تحدّث مدير عام مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث الأستاذ محمد العاني، فحذّر من خطورة انكشاف المجتمع العربي إلى هذه الدرجة، والهشاشة التي يتّسم بها، وإذ أكّد أنّ الربيع العربي كأضخم حدث غيّر في الوجه السياسي والاجتماعي للمجتمعات العربية، بقدر ما خلع أوراق التوت عنّا وكشف عن التوجّهات العنفية والطائفية لدينا.
وركّز على أهمّية المسألة الثقافية في ما يحصل من تغيّرات، مؤكّداً أنّ المنظومة الثقافية للمجتمعات العربية لا تدعم المطالبة بالحرّيات، وقد أدّت خلخلة الروابط بين السلطة والمجتمع إلى انتشار رقعة الارهاب. وتناول ثلاث مسائل في هذا المجال، الأولى تتمثّل بعدم وجود دراسات شاملة ومعمّقة لأبعاد الربيع العربي، والثانية تتعلّق بضرورة بناء استراتيجية عربية ثقافية من شأنها إعلاء الثقافة والقيم التعدّدية، فيما تدور الثالثة حول الجدّية في القيام بإصلاحات جذرية ترضي الشارع العربي قبل فوات الآوان.
واستُكملت أعمال اليوم الأوّل بانعقاد جلسة علمية ثانية تحت عنوان “الفكر العربي وتحوّلات الفكر في العالم”، قدّم لها الأكاديمي التونسي الدكتور عزّ الدين عناية، وتحدّث فيها كلّ من: المفكّر المغربي الدكتور محمد المعزوز، ورئيس مركز الأبحاث والدراسات العليا في بروكسل الدكتور بدي ابنو المرابطي، ومدير مركز مدى للدراسات الإنسانية الدكتور المختار بن عيد اللاوي.
واختتم اليوم الأوّل بجلسةٍ ثالثة تناولت الفكر العربي وأسئلة التحديث والتنمية، قدّم لها رئيس وزراء موريتانيا السابق الدكتور يحي ولد أحمد الوقف، وتحدّث فيها كلّ من: أستاذ كرسي اليونسكو للفلسفة الدكتور فتحي التريكي، ومديرة المعهد العالي العربي للترجمة الدكتورة إنعام بيّوض، والأمين العامّ للمنتدى المغربي العربي الدكتور عبد الإله بلقزيز.
في ختام الجلسة جرت نقاشات عميقة أكّدت على أهمّية التنوّع في العالَم العربي، والسعي إلى تحقيق الوحدة من خلال التكامل الذي هو أرفع بدرجة من التضامن، وجرى التأكيد على أنّ المغرب العربي هو جزء من الوطن العربي وأنّ المصير واحد على الرغم من هذا التنوّع الغني، وأن الخروج من المأزق الحالي يحتّم على السلطة السياسية الاستعانة بالمثقّف الحقيقي.
وتواصلت فعاليات اليوم الثاني من ندوة “نحو فكر عربي جديد” حيث عُقدت ثلاث جلساتٍ متتالية، تناولت الأولى موضوع “الفكر العربي والإشكاليّات الثقافية الراهنة”، أدارها وزير المالية المغربي السابق معالي الدكتور فتح اللّه والعلو، الذي شدّد على وحدة الطموحات والهموم العربية المشتركة.
واستعرض الكاتب والباحث الموريتاني الدكتور عبد اللّه ولد اباه ثلاثة نماذج مرّ بها الفكر العربي المعاصر: الأوّل هو “التقدم” أو ما سمّي بأدبيّات النهضة بـ”التمدّن”، ويعني الإصلاح الديني والسياسي من جهة، والدخول في التطوّر الكوني من جهة ثانية. النموذج الثاني هو ” الثورة” الذي برز في أربعينيات القرن الماضي ويعني التغيير المجتمعي الجذري. فيما اهتمّ النموذج الثالث بمسألة “التراث” فكان لا بدّ من مقاربة تأويلية له في إطار عمليّة الإصلاح والتغيير.
وأكّد الأكاديمي المغربي الدكتور محمد نور الدين أفاية على وجود صعوبات كبيرة تعترض النخب الثقافية والسياسية في كيفية تخيّل المستقبل، داعياً إلى اندماج الثقافة العصرية في أيّ مشروع تنموي، ورأى أنّ ما شهده العالم العربي من تغيّرات وتحوّلات سياسية وفكرية دفع بالعديد من المثقّفين إلى مراجعة الكثير من المفاهيم، لأنّ أيّ حديث عن الثقافة ينبغي أن يشمل إعادة الاعتبار إلى قيم الحرية والكرامة والاعتراف.
واقترح وزير التعليم الجزائري السابق معالي الدكتور علي بن محمّد عنوان “الفكر العربي المتجدّد” بدلاً من “الفكر العربي الجديد”، معتبراً أنّ أفضل ما في تراثنا هو الذي أنتجته المراحل التاريخية المميّزة بالحوار الفكري السلمي وقبول الآخر، وأسوأ ما في تاريخنا الفكري والحضاري هو فترات الانغلاق والتكفير والاستقواء بالسلطة.
بعد ذلك انطلقت الجلسة الثانية تحت عنوان “الفكر العربي وآفاق المستقبل”، أدارها وزير الصحة المغربي السابق معالي الدكتور محمد الشيخ بيد اللّه، وقدّم خلالها المفكّر المغربي الدكتور عبد السلام بنعبد العالي مداخلة تحت عنوان “من أجل بناء ذاكرة المستقبل”، أكّد فيها أنّ “الحضارة” ليست حضوراً للماضي وليست إحياء وامتلاء واتّصالاً، وإنّما هي غياب وابتعاد وانفصال أيضاً، داعياً إلى الانطلاق من القطيعة المعاصرة الكبرى، وجعل التحوّل الذي نعيشه مركزاً ينتظم تاريخنا الفكري حوله، وبذلك ىسنتكلم عن ماضينا انطلاقاً من لغة الحاضر وتطلّعات المستقبل.
وقدّم الباحث والأكاديمي الجزائري الدكتور محمد شوقي الزين ورقة حول “الإبداع أفقاً من آفاق المستقبل العربي”، أكّد فيها أنّ قيمة الإبداع تتجلّى في القدرة الذكية على حسن استعمال العناصر الموجودة سلفاً، وإعادة تركيبها وفق منهج جديد. وتناول الإبداع الفلسفي، والإبداع الترجمي، ودور الأخير في تجديد اللغة التي نتكلّم بها.
الجلسة الثالثة والأخيرة تمحورت حول عنوان “العرب في الفكر والواقع اليوم: رؤية مغاربية للتجديد”، أدارها الأكاديمي المغربي الدكتور إدريس لكريني، وشارك فيها المفكّر الجزائري الدكتور العروس الزبير، فسأل هل نقصد فكر العالم العربي أو الفكر العربي؟ هل نتكلّم عن فكر الوحدة أو فكر التفرقة؟ ودعا إلى رصد القضايا الأساسية المطروحة كالقضية الفلسطينية، داعياً إلى اعتماد علم الاجتماع لفهم الواقع الذي نعيشه.
وقدّم وزير التربية المغربي السابق معالي الدكتور عبد الله ساعف جملة من النقاط التي يقوم عليها الفكر العربي الجديد، بدءاً من تعزيز الهويّة العربية الإسلامية المنفتحة، وإرساء رؤية جديدة للواقع العربي، وعدم التدخل في شؤون الشعوب واحترام إرادتها الحرّة، داعياً إلى إطلاق ميثاق أخلاقي جديد يركّز على حماية الإنسان العربي والحفاظ على حقوقه.
ودعا وزير التربية التونسي السابق معالي الدكتور عبد اللطيف عبيد إلى تحقيق التكامل العربي في مختلف المجالات، مشدّداً على ضرورة قيام وحدة عربية بعد أن أصبحت غائبة في السنوات القليلة الماضية.
وختم المدير العامّ لمؤسّسة الفكر العربي البروفسور هنري العَويط بكلمة أكّد فيها على ما اتّسمت به الندوة من مميّزات تتلخّص في غنى برنامجها، ومستوى المداخلات الفكري الرفيع، ومراعاة التمثيل الجغرافي من خلال اختيار متحدثين ينتمون إلى دول المغرب العربي، والإجماع على أهمّية الفكر ودوره في عمليات التنوير والتطوير والتنمية، والتشديد على ضرورة تجديد الفكر العربي وتحديثه، فضلاً عن المشاركة الواسعة والرصينة فيها، وأخيراً ضرورة تجسيد هذا المشروع الجماعي الشامل في مختلف الميادين والقطاعات، وهذا ما سيسعى إلى الإضاءة عليه مؤتمر “فكر17” في مطلع شهر ديسمبر المقبل.









قم بكتابة اول تعليق