بقلم – المصطفى اسعد :
في كل مرة ترتفع فيها الأصوات المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن استمرار مظاهر العنف ضد الأطفال، تخرج وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة بحملة جديدة، وشعار جديد، ووصلة إشهارية جديدة، وكأن المشكلة تكمن في غياب “الهاشتاغ” وليس في غياب السياسات العمومية الناجعة.
هذه المرة اختارت الوزارة شعار “#منسكتوش”. ونحن بدورنا نقول: نعم، لن نسكت، ولكن لن نسكت عن الفشل المتراكم، ولن نصمت أمام الاكتفاء بالحملات التواصلية التي تتكرر كل سنة، بينما الواقع يؤكد أن الأطفال لا يزالون ضحايا للعنف، والتشرد، والتسول، والاستغلال الجنسي، والعمل القسري.
إذا كانت الوزارة تعلن بنفسها، مستندة إلى معطيات قدمت خلال اللقاء، أن هناك أكثر من 103 آلاف طفل في وضعية عمل، وآلاف حالات زواج القاصرات، واستمرار العنف الرقمي والاستغلال، فأين هي نتائج البرامج التي صرفت عليها ملايين الدراهم خلال السنوات الماضية؟ وأين هي حصيلة الاستراتيجيات السابقة؟ وأين تقييم السياسات العمومية قبل إطلاق حملة جديدة بشعار أكثر جاذبية؟
إن الإعلام الحقيقي لا يمكن أن يتحول إلى منصة لترديد البلاغات الرسمية دون مساءلة.. فمن واجب الصحافة أن تسأل: هل يحتاج الأطفال إلى حملة إشهارية، أم إلى حماية فعلية؟ هل يحتاجون إلى وصلات على مواقع التواصل الاجتماعي، أم إلى مؤسسات قوية، وأطر اجتماعية مؤهلة، وآليات تدخل سريعة، وعدالة ناجزة؟
الوزارة تتحدث عن بناء “مغرب آمن للأطفال”، لكن الشارع المغربي لا يزال يشهد يوميا حالات اعتداء على القاصرين، وانتشار التسول المنظم الذي يستغل الأطفال، وارتفاع مؤشرات الهدر المدرسي، فضلا عن العنف داخل بعض الفضاءات الأسرية والمؤسساتية ، وهذه الوقائع لا تعالجها الشعارات ولا المؤتمرات الصحفية.
ثم إن الحديث عن إحداث عشر وحدات جديدة لحماية الطفولة لا ينبغي أن يحجب حقيقة أن المملكة تضم عشرات الأقاليم والجماعات التي ما زالت تفتقر إلى خدمات اجتماعية أساسية، وأن الإشكال ليس فقط في إحداث الوحدات، بل في توفير الموارد البشرية المؤهلة، والميزانيات الكافية، وآليات التتبع والمحاسبة.
من المؤسف أن بعض القطاعات الحكومية أصبحت تراهن على التسويق الإعلامي أكثر من رهانها على النتائج الميدانية. فكلما ارتفعت حدة الانتقادات، أطلقت حملة جديدة، واستعانت بمنابر محددة ، ونظمت لقاءات رسمية، في محاولة لصناعة صورة إيجابية، بينما المواطن ينتظر أثرا ملموسا على أرض الواقع.
“#منسكتوش” ليست ملكا للوزارة، بل هي حق للمجتمع والإعلام أيضا .. ومن حق الصحافة أن تقول إن الأطفال لا تحميهم الشعارات، وإنما تحميهم السياسات الفعالة، والميزانيات الموجهة في مكانها الصحيح، والمحاسبة الصارمة لكل تقصير.
لن نسكت عن استمرار معاناة آلاف الأطفال وهم خارج المدرسة، ولن نسكت عن استغلالهم في العمل والتسول، ولن نسكت عن العنف الذي يتعرضون له داخل بعض البيوت والمؤسسات، ولن نسكت عن تحويل القضايا الاجتماعية الكبرى إلى حملات تواصلية موسمية تنتهي بانتهاء الميزانية المخصصة للإشهار.
لقد آن الأوان للانتقال من منطق التسويق السياسي إلى منطق النتائج الميدانية. فالأطفال المغاربة لا يحتاجون إلى وسم جديد على منصات التواصل، بل يحتاجون إلى دولة تجعل حماية الطفولة أولوية يومية تقاس بالأرقام والنتائج، لا بعدد الندوات والملصقات والكبسولات الإشهارية.
أما نحن، كإعلام مسؤول، فنعلنها بوضوح: #منسكتوش عن التراجع ، ولن نصمت أمام الفشل، مهما كثرت البلاغات الرسمية، ومهما اشتدت الحملات التواصلية .. فدور الصحافة ليس التصفيق، وإنما الرقابة، والمساءلة، والدفاع عن حق الأطفال في الحماية والكرامة، وعن حق المواطنين في معرفة الحقيقة كاملة.
