الحاجة إلى تعديل حكومي يتفادى الممنوعات

بقلم : يونس التايب 

رغم كل التقدم الذي عرفته بلادنا على المستوى المؤسساتي و السياسي، و رغم الإرادة السيادية للدولة المغربية في احترام و تثبيت المنهجية الديمقراطية و الخيار التعددي، و الانضباط التام لدستور المملكة و مبادئ دولة الحق و القانون، إلا أنه يتعين الإعتراف بأن ديمقراطيتنا، في بعدها الانتخابي و الحزبي، لا زالت مريضة و تحتاج إلى علاج بالصدمة، حتى تستعيد عافيتها. 
الدلائل على هذا الكلام كثيرة ومتنوعة، لعل أوضحها ما يحفل به الحقل الحزبي من نقائص و “غرائب” وصلت إلى حدود عبثية، اختلطت معها الأوراق بشكل كبير على الناس. فما عاد بعض أصحاب اليمين من اليمين، و لا بقي بعض أصحاب اليسار من اليسار، و لا استطاع بعض دعاة الليبرالية أن يدافعوا عن الليبرالية، و لا صمد بعض خطباء الحداثة و التقدمية في أن يحافظوا على “النقاء” الذي كان يمنح كلامهم التجانس و العقلانية. فكان ما يشاهده الجميع في مواقع التواصل الاجتماعي و في المنتديات، و في الشارع العام، من عزوف و تسفيه، أصبحت معه أغلبية كبيرة من المواطنين تعتقد أن الأحزاب و هيئات الوساطة السياسية، عوض أن تساعد في تطوير البلاد أصبحت تعيق تحقيق إنجازات في مستوى التطلعات، كتلك الأمال الراقية التي حملها خطاب العرش الأخير. 
فلا الأحزاب اهتمت بتحقيق اختراقات مجتمعية على طريق إعادة كسب ثقة المواطنين و تشجيع انخراطهم في الحياة السياسية؛ و لا الأحزاب أنتجت الكفاءات المطلوبة و اختضنتها، أو مكنت لنخب تكون جديدة في تفكيرها و شخوصها، تتماهى مع واقع المرحلة و تتفاعل مع تحدياتها المختلفة، عبر فعل سياسي ناجع و جذاب و منتج لأفكار و برامج تقنع الناس برصانتها. كما أن الأحزاب، باستثناءات قليلة، لم تستطع تطوير الديمقراطية الداخلية في صفوفها بشكل يجعل تناول مسألة عادية، في الأنظمة الديمقراطية، كمسألة تشكيل حكومة أو تعديل حكومة، أمرا عاديا يتم التعاطي معه بالسرعة المطلوبة لتفادي إضاعة وقت المواطنين، و هدر الزمن الذي تحتاجه تنمية الوطن.
و لعل ما يصدر في وسائل الإعلام الوطنية، منذ أسابيع، بخصوص التجاذبات وسط أحزاب الأغلبية الحكومية، و فيما بينها، بشأن التعديل الحكومي المطلوب، يؤكد الأمر بشكل مقلق للغاية. و رغم التطمينات التي حاول السيد رئيس الحكومة تقديمها، و آخرها ما قاله يوم السبت الأخير لدى مشاركته في أشغال الجامعة الصيفية للكونفدرالية العامة لمقاولات المغرب، إلا أنه يبدو أن المنهجية غير مضبوطة و غير واضحة بالنسبة للجميع، و يصعب إنكار وجود تردد و ارتباك، و مزايدات فيما بين الفرقاء الحزبيين المعنيين. و تبقى الخشية الكبرى هي أن يكون الأمر مرتبطا بعدم قدرة “البعض” على استيعاب المطلوب بشكل دقيق. 
و إذا كانت الموضوعية تفرض علينا الإعتراف بأن البعض أبان عن انضباط كبير منع حدوث “البلبلة” التي تعرفها الأحزاب في مثل هذه المحطات، إلا أن الانطباع العام قوى الإحساس لدى المتتبعين بأن ما يجري لا علاقة به بعمق ما طلبه جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، و لا بفلسفة و جوهر التغيير التي نادى بها في خطاب العرش. و لكي تكون الأمور بينة، أذكر هنا بما جاء في الخطاب السامي بشأن التعديل، حيث قال عاهل البلاد : “فالمرحلة الجديدة ستعرف إن شاء الله، جيلا جديدا من المشاريع. ولكنها ستتطلب أيضا نخبة جديدة من الكفاءات، في مختلف المناصب والمسؤوليات، وضخ دماء جديدة، على مستوى المؤسسات والهيآت السياسية والاقتصادية والإدارية، بما فيها الحكومة. وفي هذا الإطار، نكلف رئيس الحكو مة بأن يرفع لنظرنا، في أفق الدخول المقبل، مقترحات لإغناء وتجديد مناصب المسؤولية، الحكومية والإدارية، بكفاءات وطنية عالية المستوى، وذلك على أساس الكفاءة والاستحقاق.”
الخطاب، إذن، كان واضحا و صريحا، و المطلوب فيه هو : – تقديم مقترحات لإغناء و تجديد مناصب المسؤولية الحكومية، من جهة؛ و الإدارية، من جهة أخرى.- اقتراح أسماء لكفاءات وطنية عالية المستوى، يتم اختيارها على أساس الاستحقاق، و ليس شيئا آخر. 
و في رأيي، أن النجاح في عملية اقتراح كفاءات جديدة، يتطلب أثناء الاختيار، عدم السقوط في “ممنوعات” أخلاقية و سياسية، أوجزها كالتالي :
– ممنوع اعتماد “المعيار السحري العجيب” الذي يسمى “ولاء” تلك “الكفاءة” للسيد الأمين العام، أو “وفاء” ذلك “الإطار” لرئيس الحزب أو لكاتبه الأول، و سعيهم للحصول على الرضا و التزكية. إن المطلوب، في المرحلة الجديدة، هو القدرة على تحقيق رضا الله و الوطن و الملك و خدمة الشعب.
– ممنوع استخراج أسماء من “ثلاجة” الأحزاب، لأن الأمر أكبر من أن يستحمل استمرار منطق “أمولى نوبة” أو إكرامية “خليو هذاك راه باقي عمرو ما استافد”. المطلوب هو ما سيستفيده الوطن من عمل مسؤوليه، و ما سيتحقق للمواطنين من فائدة.
– ممنوع اقتراح أسماء أخذت فرصتها سابقا، و لم تحقق شيئا إيجابيا في القطاعات التي سيرتها، يذكره لها التاريخ و تحتفظ به ذاكرة المواطنين، سوى ما لا يسر.
– ممنوع المجازفة باقتراح أسماء، سنضطر للبحث و الغوص مطولا في أرشيف جامعات العالم، لنتأكد من حقيقة قصة “الشواهد الأكاديمية”، و من طبيعة “الكفاءات العلمية” التي يتوفر عليها السيد المسؤول. تأكدوا من الملفات يرحمكم الله، كي لا نحرج أحدا. 
– ممنوع “إبطال العمل الصالح” باقتراح أسماء سبق أن ذكرتها تقارير المجلس الأعلى للحسابات، بصورة سلبية و أدلة موثقة، أو سبق أن تورطت في مخالفات غير مرغوب فيها و لن تكون مقبولة في المرحلة المقبلة. 
– ممنوع اقتراح أسماء ذات “كفاءة عالية” في “القفوزية” و “قصوحية الوجه و السنطيحة”، و الشعبوية و بيع الكلام. تلك “كفاءات” أخذنا منها، و لله الحمد، رصيدا حتى التخمة، سيكفينا لمائة عام قادمة. لا حاجة للمزيد، و لا نفع فيه. 
ولتسهيل الأمور، يستحسن أن يلجأ السيد رئيس الحكومة إلى كفاءات محسوبة على أحزاب الأغلبية، طبعا، و لكن ليست بالضرورة هي نفس الأسماء التي أثبتت تفوقها في “فن الخطابة” و تأطير اللقاءات الحزبية لنهاية الأسبوع. لأن تلك “الكفاءة” لا تعني بالضرورة أن أصحابها يعرفون معنى و دلالات تدبير شؤون الدولة، و لا أنهم يمكنهم احترام مقام المسؤولية العمومية بما يفرضه من انضباط و وقار و جدية، و استماتة في خدمة الوطن.
أما بالنسبة لبعض القطاعات الاقتصادية و الاجتماعية الحساسة، و التي تحتاج لكفاءات دقيقة، ذات تجربة و منفتحة على أنجح التجارب العالمية، سيكون من المفيد أن تتم الإستعانة بأطر من خارج ما تنتجه “القنوات التقليدية” للترقي الحزبي، و عدم التردد في جلب كفاءات تعمل في مستويات تدبير عالي في مؤسسات خاصة، وطنية أو دولية، يكون مشهودا لها بالتميز و القدرة على استيعاب أنماط التسيير الحديث. كفاءات تعرف جيدا ما هو قادم من نتائج الثورة الرقمية، و اكتساح الذكاء الصناعي. كفاءات تدرك ما يستوجبه تحدي أن أكثر من 50 % من “المهن” في أفق عشر سنوات، غير معروفة اليوم. كفاءات مسؤولة تستطيع استيعاب إشكاليات التحول الطاقي، في أبعاده الجيوستراتيجية. كفاءات تفهم خصوصية الفعل الاستباقي في هندسة الفعل الاجتماعي، المدمج للفئات المهمشة في زمن انشطار القيم المجتمعية.

نؤمن بيقين مطلق، أن بلادنا مقبلة على مرحلة جديدة نتمنى أن تعرف إقلاعا شاملا، لتصحيح اختلالات عميقة في تدبير الشأن العام الوطني، و هي لذلك، تحتاج إلى حكومة بهندسة مغايرة، تتيح تجميع أقطاب كبرى في وزارة واحدة، بغية تقليص العدد، و تسهيل الالتقائية، و ترشيد الإنفاق. لكن هذا التحدي يحتاج إلى مسؤولين بعقول عالمة، يمكنها أن تدبر بهدوء و يقين، في وقت الرخاء و وقت الشدة و الأزمة، و تبدع و تساهم في تحريك دواليب الإدارة، و لها قدرة على أن تجتمع بالمواطنين و تتواصل معهم و تحصل على ثقتهم باحترام تام لذكاءهم. مسؤولون لا يجدون حرجا في أن يسيروا في الأسواق، و في الحديث مع البقال و مع حارس مرآب السيارات، و مع الأرملة و الشخص الفقير و ذي الاحتياجات الخاصة، و الذهاب إلى مستعجلات المستشفيات ليلا، و زيارة المدارس العمومية في ضواحي المدن و في القرى النائية لرؤية واقع الحال و تصحيحه، و التواصل مع الشباب العاطل في دروب الأزقة الشعبية، وجعلهم جميعا يبتسمون أملا في غد مشرق و مدمج لهم في وطن يحبهم، و يسعى مسؤولوه لخير الناس. 
و لكي يتم تصحيح بعض الأخطاء السابقة،  يتعين الحرص على أن يكون للأسماء التي سيتم اقتراحها، رصيد من المعرفة العميقة بتاريخ المغرب، و بالهوية الثقافية للمغرب و حضارته، و برجالات المغرب العظماء و ملاحمهم في الحكم و في السياسة و في الفكر و الإبداع و في الدين و الفقه، و في الدفاع عن حمى الوطن و مقاومة الغزاة عبر التاريخ. من الأهمية بمكان أن يعرف المسؤولون الجدد أنهم سيحصلون على شرف ثقة سامية غالية، ليكملوا مسيرة خدمة أمة مغربية عمرها قرون طويلة. ولن يستطيع هؤلاء الإحساس بجسامة المسؤولية إلا إذا كانوا ينحنون، بكل ما في وجدانهم من أحاسيس و انفعالات، أمام تاريخ هذا الوطن و ثوابته، احتراما و تقديرا و ولاء مطلقا. 
من الآن، لمن ستتوفر فيهم الشروط التي تحتاجها المرحلة، خالص التهاني و التمنيات بالتوفيق. و حيا على العمل، حيا على الفلاح، بشرط الوطنية الحقة، و الكفاءة و الاستحقاق، و المعقول و ربط المسؤولية بالمحاسبة، و عشق تامغربيت بكل تجلياتها. تلك هي المداخل الأساسية لرفع أداء التدبير العمومي، فلا تضيعوا وقتكم بالبحث عن أشياء غير ذلك  لأن محطة 2021 اقتربت.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 44 = 45