الصويرة 28 يونيو 2026 – ومع
اختتمت، مساء أمس السبت بالصويرة، فعاليات الدورة الـ 27 لمهرجان كناوة وموسيقى العالم، بعد ثلاثة أيام من التمازج الفني والحوار الثقافي، عاش خلالها عشاق الموسيقى تجربة فنية وروحية استثنائية، تجاوزت الأنماط الموسيقية والحدود الجغرافية، وجسدت قيم الانفتاح والتلاقح الثقافي التي تميز هذا الموعد السنوي.
واستقطبت هذه الدورة جمهورا واسعا من مختلف أنحاء العالم، استمتع بحفلات مبهرة مزجت بين التقاليد العريقة لموسيقى كناوة والثراء الموسيقي لإيقاعات العالم.
وعلى مدى أيام المهرجان، رسخت الصويرة مكانتها المتفردة كمنصة عالمية للأصالة الموسيقية وملتقى للتنوع الثقافي، وشكلت، بالتوازي، فضاء للحوار وتبادل الأفكار حول قضايا الأجيال الجديدة ورهاناتها في عالم يشهد تحولات عميقة ومتسارعة.
وهكذا، احتضنت منصة مولاي الحسن، خلال السهرة الختامية، أحد أبرز أعلام الفن الكناوي، المعلم حميد القصري، الذي قدم عرضا آسرا، عفويا وعميقا في الآن ذاته، وألهب حماس الجمهور بمزيج فريد جمع بين الطاقة المتدفقة والإحساس المرهف.
ومن خلال كل نغمة وإيقاع، أكد المعلم حميد القصري، بحضوره المميز وتمكنه الفني، مكانته البارزة ضمن رواد موسيقى كناوة في المغرب وخارجه. كما نجح في المزج بين الموروث الكناوي الأصيل والألوان الموسيقية المعاصرة، مبرزا قدرة هذا الفن على التقريب بين الثقافات والشعوب.
وشهدت المنصة ذاتها واحدة من أبرز المحطات الفنية في هذه الدورة، من خلال حفل جمع المعلم حسن بوصو بكل من ألكسندر إيريشون، ومحمد الدرويش، وجاك شفارز-بارت، وشيخ ندوي، وكريم زياد، ومريم عصيد، في تجربة موسيقية جسدت روح الانفتاح والتلاقح الفني التي تميز مهرجان كناوة وموسيقى العالم.
وتميزت الأمسية الختامية أيضا بانصهار موسيقي جريء جمع بين أنغام الكمبري و”القراقب” وإيقاعات “البالافون” والطبول وآلات النفخ، في توليفة أفضت إلى ارتجالات مفعمة بالحيوية والإبداع.
وفي أجواء امتزج فيها عبق التراث الكناوي بدفء الإيقاعات البرازيلية، انخرط الجمهور في حالة من التفاعل الجماعي مع المعلم حميد القصري وكارلينيوس براون. ونجح الفنانان في صناعة لحظة موسيقية خالصة، التقى فيها الصوت العميق للمعلم القصري مع الطاقة الإيقاعية المتدفقة للفنان البرازيلي، لتنبثق إيقاعات كونية أذابت الفواصل بين الخشبة والجمهور، وحولت السهرة إلى احتفال جماعي نابض بالموسيقى والتناغم.
وطيلة أيام المهرجان، تحولت الصويرة إلى ملتقى عالمي للحوار الثقافي عبر الموسيقى، فيما يواصل مهرجان كناوة وموسيقى العالم نسج فضاء استثنائي يتعانق فيه الحفاظ على الموروث الموسيقي مع دينامية التجديد والإبداع.
واستقبلت هذه الدورة 43 معلما كناويا من مختلف جهات المملكة، إلى جانب مئات الفنانين والموسيقيين القادمين من إفريقيا وأوروبا وآسيا وأمريكا والعالم العربي، التأموا في موعد دولي ينتظره عشاق الموسيقى من مختلف أنحاء العالم.
وشكلت الدورة الثالثة عشرة لمنتدى حقوق الإنسان، التي نظمت حول موضوع “شباب العالم: الحرية، الهوية، والمستقبل” محطة أخرى لافتة في برمجة هذه الدورة.
وجمع المنتدى، الذي نظم بشراكة مع مجلس الجالية المغربية بالخارج، باحثين وكتابا وفنانين ومسؤولين وصحافيين وفاعلين من المجتمع المدني من أجل مساءلة التحديات التي تواجهها الأجيال الجديدة في عالم يعرف تحولات عميقة.
كما حرصت هذه التظاهرة الفنية على تعزيز بعدها التكويني من خلال برنامج “بيركلي ضمن مهرجان كناوة وموسيقى العالم”، الذي نظم بشراكة مع معهد بيركلي للموسيقى بالولايات المتحدة، للسنة الثالثة على التوالي، والذي وفر تجربة موسيقية وتكوينية لفائدة شباب موسيقيين من آفاق متعددة.
وفي هذا السياق، واصل المهرجان، خلال هذه الدورة، تعاونه مع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية من خلال “كرسي التحولات” الذي يشرف عليه معهد الدراسات المتقدمة، بهدف تعميق البحث حول الثقافة الكناوية وتقاطعاتها وتعبيراتها المعاصرة، في إطار حوار يجمع بين الفنانين والباحثين والمؤسسات.
وللسنة السابعة والعشرين على التوالي، يؤكد مهرجان كناوة وموسيقى العالم مكانته بين أبرز المواعيد الثقافية الدولية، باعتباره فضاء نادرا تكون فيه الأولوية للإبداع، وتتلاشى فيه الحدود، ويتحول كل حفل إلى تجربة جماعية لا تنسى.
