” كولومبو” يترجل

كتبها – الحبيب الدائم ربي

لن أدعي احتكاري لصداقته لأن الرجل كان صديقا للجميع. صحيح أنه كانت بيننا شبه صداقة قد لا ترتقي إلى الصداقة، لكنها لا تنزل عنها. سيما أنني لم ألتقه قط كما يلتقي الصديق صديقه. مجرد مصافحات خجولة، في ملتقيات كانت تجمعنا معا، قبل أن نتعارف.. وحين غدونا ما غدونا عليه من تقارب…ما تيسرت لنا لقاءات…كان يلح علي أن ازوره في بيته بدار بوعزة_ قرب الدار البيضاء_ وكنت أؤجل الزيارة كما لو أن الحياة قابلة التأجيل. أزعم أن الرجل كان يثق بي..وعلى جلال قدره كان يأخذ برأيي بخصوص ما يكتب…ولعمري فإنه كان يستشير غيري… . لقد كان لي شرف الاطلاع على رواياته وقصصه قبل نشرها…لم أكن مجرد مصحح un négreلما سقط منه سهوا في الإملاء والنحو واللغة ..وإنما كان يأتمنني على أمور جوهرية في بناء النصوص من فضاءات وشخوص ووقائع….يتقبل آرائي بتواضع العارفين…ويعمل بها بامتنان عز نظيره…حصل ذلك في أكثر من مناسبة وأكثر من كتاب…والذي يعود إلى سروده سوف يقف فيها على المتعة والفائدة…لأنه لم يكن معنيا بالتشويق والحبكة فحسب، كما هو الشأن في القصص البوليسي، وإنما كان يولي أهمية بالغة لما هو معرفي فيها كذلك…ولاشك أن الراحل كان واحدا من القلة التي أرست جنس الرواية البوليسية بالمغرب، إلى جانب أحمد عبد السلام البقالي وعبدالاله حمدوشي وغيرهما….. واللافت انه ما ثبت إجماع بالمغرب على ” رجل أمن” سابق كالإجماع على حب ” كولومبو” وهذا لقبه الدال على حزمه وانضباطه في عمله وإخلاصه لوطنه …ولعل الذين عاصروا فترة مزاولته لمهامه الأمنية يتذكرون تفانيه في تطبيق النظام والقانون والحزم في تطهير المدن, التي اشتغل بها, من الخارجين عن القانون…حتى انه كان يقوم لوحده بدوريات ليلية ليعم الأمن وتسود الطمأنينة ..دونما شطط, لكن من غير تهاون، في زمن كان شطط رجال الأمن هو السائد و المعمول به ….. علما بأن خلف هذا الشرطي الصارم كان يتخفى مثقف كبير وأديب وأكاديمي استثنائي..شغوف بالبحث والمعرفة…
قبل أسبوعين من رحيله اتصل بي، وغالبا ما كان الاتصال يتم من طرفه، لمباركة العيد والاطمئنان علي… مع اعتذار جميل..متسائلا أن كنت عاتبا عليه في تقصير ما. ولم يكن بيننا ما يستدعي العتب….خاصة وأن التقصير غالبا كان يتم من جهتي..سألته عن الصحة والأحوال…فأخبرني أنه بخير، وربما لم يكن بخير، وأخبرني ان مجموعة قصصية صدرت له…خاتما المكالمة بأن الكتابة هي قدر نا….
..،يا الأقدار!
والغريب أنني، وأنا أباشر إصلاح الهاتف، عثرت على هذه المكالمة ماتزال مسجلة لدي…
دنيا والله!
رحم الله الراحل العزيز الميلودي الحمدوشي….وإنا لله وانا اليه راجعون…والعزاء العزاء لأسرته وأصدقائه وكل الكتاب والمبدعين.
… …

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 2 = 2