قراءة فاحصة لاتفـــاقية معالجة ظاهرة الكلاب والقطط الضالة خطوة محفزة لتبني قانون الحيوانات بالمغرب ​

بقلم – د. جميــلة مرابــط 

غالبا ما ينظر المواطنين إلى الحيوانات الضالة خاصة الكلابوالقطط على أنها مصدر إزعاج، وتشكل خطراً على الصحةوالسلامة العامة، أو تعتبر نجسة من المنظور الديني وسببا مباشرا للقلق، مما يجعلها مستهدف على حد سواء منالجهات الرسمية التي تقودها البلدية، وغير الرسمية )التييقودها المواطنين) بأساليب العشوائية. 

تاريخياً، كانت تدابير الرقابة على الحيوانات الضالة يتم عبر التسميم، أو استخدام الذخيرة، والتي أعطت دليل واضح علىانخفاض أعداد الكلاب الضالة، ولكن في المقابل تسبب معاناةللحيوانات بشكل كبير، وتؤذي البيئة المحيطة والمجموعاتالأخرى المنتشرة في المنطقة، ناهيك عن الخسائر المادية…

عموما، تنحدر الحيوانات الضالة من الحيوانات التي تمالاحتفاظ بها كحيوانات عاملة، أو كحيوانات أليفة التي إماهربت أو تم التخلي عنها، وهي تعتمد على العيش مقربة منالبشر من أجل البقاء. لذا نجدها تنجذب نحو الأماكن التييعيش فيها الناس، الذي يعتبر المصدر الوفير للغذاء، وإلى حدأقل المأوى. وتعتبر النفايات التي تدار بصورة سيئة هي أكبرجاذب للحيوانات الضالة، إذا ما لم يتم التخلص منها بشكلصحيح، فإنها ستجذب حتما الكلاب والقطط، وغيرها منالحيوانات مثل الفئران.

وعلى الرغم من بعض الأدلة على التصرف الكلاب بعدوانية تجاهالناس، إلا أن الكلاب بطبيعتها ليست حيوانات خطرة. وكقاعدةعامة، لن تهاجم الكلاب الناس دون استفزاز. إلا أن المشكل الذي تعاني منه غالبية الساكنة هو الضوضاء والإزعاج الناجمعن نباح الكلاب أو القتال فيما بينها.

لذا من المفترض أن يبادر كل فرد في المجتمع للمساعدة والمساهمة للحد ومكافحة هذه الظاهرة، حيث أن الفشل فيالقيام بهذه المهمة سيؤدي إلى آثار سلبية ستتراكم وستتحملالبلديات والمجالس المحلية والقروية واللجان تكاليف هي عن غنى عنها. 

لذلك من المهم أن تتخذ السياسات والإجراءات لمعالجة هذهالمسألة عبر برنامج التعقيم والتطعيمات الذي عمدته غالبية الدول، وأبان عن نجاعته مقارنة مع الأساليب الأخرى المعمول بها كالقتل والمخالفة لأحكام ديننا الحنيف الذي أمر بالرفق بالحيوان والإحسان إليها”… إرفعوا الأذى عن كل ذي كبد رطب”. وطبيعة الحال فمثل هذه البرامج تسبقه تدابير تكميلية لتوعية المجتمع.

في هذا الإطار، ومن الإجراءات التي اتخذها المغرب، إبرام إتفاقية الإطار للشراكة والتعاون لمعالجة ظاهرة الكلاب والقطط الضالة، وذلك بناءا على التوجيهات ملكية الآخذة في الاعتبار البعد الصحي والوقائي للمواطنين. مبادرة أدخلت أمل لذا غالبية الجمعيات المدافعة عن الحيوانات، لكن في المقابل نجدها تضمنت مساطر يعتريها الكثير من الغموض، إضافة إلى ضعفها البنائي من حيث الجهات المشاركة وأيضا غياب الإطار العام المنظم والمؤطر لحقوق الحيوان. وهو ما دفعنا كفريق fanالمهتم بالشأن البيئي خاصة رعاية الحيوانات وحماية الطبيعة أن نبادر إلى توضيح هذه النقاط وتقديم البديل-مشروع قانون الحقوق الأساسية للحيوان-.1. إتفاقية الإطار لمعالجة ظاهرة الكلاب والقطط المتشردة بين الغموض والعمومية

الإطار العام للاتفاقية جاء للوقاية من بعض الأمراض الفتاكة المتنقلة عبر الكلاب والقطط الضالة(خاصة داء السعار) وأيضا من أجل تفادي ظاهرة التكاثر العشوائي وتحسين محيط الساكنة وتخليصه من الأخطار الناجمة عن هذه الظاهرة. وفق مقاربة جديدة ترتكز على ضوابط علمية، تحترم معايير الرفق بالحيوان، بدل نهج الأساليب التقليدية المتمثلة في القتل رميا بالرصاص أو التسميم داخل النفوذ الترابي للجماعات الترابية.

جاءت الإتفاقية من حيث المنهجية وفق مرحلتين، المرحلة الأولى(إجراءات تحضيرية قبل تنفيذ برنامج التعقيم وتهم حملات تحسيسية وتوعية إضافة) والمرحلة الثانية (التنفيذ وما بعد التنفيذ) وفي هذه المرحلة بالضبط نجد العديد من المساطر المبهمة والتدابير غير الواضحة. فقبل الشروع  في التوضيح لا بد من الإشارة ماذا نقصد ببرنامج التعقيم. هو برنامج ينشدمنه تعقيم الحيوانات الإناث بالاستئصال المبايض، وإزالةالخصي للذكور بالجراحة. وهي من الطرق الإنسانية المعمول بها عالميا، ونتائجها إيجابية على المجتمع من الناحية البيئية والإقتصادية والصحية. ويتم ذلك عبر اصطياد، تعقيم، تطعيمبالطعومات المناسبة وإعادتها إلى المنطقة التي تم القبض عليها.

فيما يخص النواقص التي تعتري الإتفاقية؛ سنبدأ بنصالإتفاقية، حيث إعدادها تم على النهج الإطاري، والذي يكون في الغالب ذات طبيعة عامة تاركا تحديد التفاصيل لاتفاقات مستقلة لاحقة، وهذه المسألة لا يعاب عليها على العكس تماما، لأن تطبيق الميداني للإتفاقية يختلف من جهة إلى جهة، ومن مدينة إلى مدينة. ونسب الوعي لدى الساكنة… وهو ما يتطلبوضع إستراتيجية عمل متكاملة تجمع عدة أطراف، بالإضافة للأطراف المتعاقدة المشار إليهم في المادة الثالثة.

وهذا يجرنا للملاحظة الثانية، بغياب بعض الأطراف تدخل ضمن مجال إختصاصهم، كالمجلس الإقتصادي والإجتماعي والبيئي في إعداد دراسات وأبحاث في ميادين مرتبطة بممارسة صلاحياته خاصة في المجال البيئي، غياب المجلس الوطني للبيئة كمنبر للتنسيق وتنظيم الانشغالات البيئية لكل القطاعات الوزارية، وتتبع الدراسات، وتوعية وتحسيس السكان… وأيضا غياب وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية، وغموض فيما يخص دور وزارة الصحة كطرف رابع في الإتفاقية حيث تم حصره فقط في التحسيس.

كما نلحظ، أن الدور المركزي والمحوري أنيط لوزارة الداخلية(المديرية العامة للجماعات)، خاصة ترأسها للجنة التقنية لتتبع والتقييم وذلك لقربها من الساكنة، مع العلم أن هذا الدور يمكن أن تتقاسمه وتتشاركه مع الطرف المدني(الجمعيات البيئية المهتمة بالحيوانات) لأنها أكثر معرفة بطرق التعامل مع هذه الكائنات والأساليب اللازمة في رعايتها.

أما فيما يخص مسطرة تنفيذ الإتفاقية هي بدورها يلفها الغموض وعدم الدقة:• مسطرة جمع الكلاب والقطط الضالة، جاءت عامة ليس هناك تحديد دقيق لهؤلاء الأشخاص أو الفرق المتخصصة،كطرق تعيينهم، خبرتهم في المجال خاصة أننا نتعامل مع كائنات حية يجب مراعات الرفق بها، مما يفرض تكوين وتدريب يحرص على مهنية وأخلاقية…• مسطرة إجراء العمليات الجراحية لتعقيم الكلاب والقطط الضالة، هناك غياب عدد الجراحات في اليوم، وبالتالي عدد الإجمالي للحيوانات المستهدفة من طرف البرنامج• مسطرة ما بعد الجراحة أي فترة النقاهة، لم يتم تحديد المدة اللازمة للحيوان لمكوثه في المحاجز أو المستوصف الحيونات …• مسطرة تتبع والفحص بعد إطلاق الحيوان وتمييزه بحلاقات أو علامة عن غيره، هناك تقنيات أكثر تطورا تكنولوجيا يمكن أن تساعد في تتبع الحيوان عن بعد، دونما الحاجة لإمساكه من جديد وتعريضه للألم من أجل الفحص الدوري.

كما أشرت سابقا، أن الطابع الإطاري للإتفاقية من بين الأسباب لهذه النواقص، وربما أيضا أن التجربة جديدة مع أن تطبيقها عرفته بعض المدن كالإتفاقية التي جمعت بين مجلس مدينة الرباط وإحدى جمعيات الرفق بالحيوان. إلا أننا يمكن القول أن السبب المباشر هو غياب قانون أو تشريع عام منظم لحقوق الحيوان ويعترف بها ككائن له دوره في المجتمع و في الدورة الإيكولوجية.2. التفعيل الناجع لمشكل الحيوانات في المغرب من منظور fan

يجب أن ننطلق من حقيقة، أن قتل الحيوانات بدون دراسة للموقف بعناية قد يؤدي إلى إلحاق الضرر بالإنسان، صحته وماله وممتلكاته، كما يمكن أن يؤدي أيضا إلى الإخلال بالتوازن البيئي. والأمثلة على ذلك كثيرة عرفتها البشرية عبر العصور إلى درجة انقراض بعض الأصناف من الحيوانات، وأخرى في طريقها للزوال. فمثلا الطاعون الأسود Black plaque، الذي حصد نحواً من ربع إلى ثلث سكان أوروبا بدءاً من عام 1346م، كان بسبب إبادة السكان للقطط التي يعتقدون أنهارمز للشيطان والشر والسحر والهرطقة (المتبادلة بين الكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية) ، فكان في فرنسا، عند إعدام مجرمة ما تحرق معها 14 قطة !!، ومن ثم اختل التوازن الطبيعي، فتزايدت الفئران زيادة رهيبة، حاملة البراغيث التي تنقل هذا المرض الفتاك إلى البشر…!

ومسألة القتل والإبادة دون سبب مشروع أو عذر مقبول، منهي عليه في شريعتنا الإسلامية، فغالبية الفقهاء يرون أن تُرسل هذه الحيوانات إلى جمعيات أو مراكز رعاية الحيوان إن وُجدت لتقوم برعايتها والانتفاع بها…(هناك تفاصيل جد دقيق في هذا الشأن تم تحديدها بالأدلة العلمية والفقهية في كتاب” من أين تستمد الحيوانات حقوقها؟ من المكانة الأدبية للحيوان إلى الحقوق الأساسية” لـــ (د.جميلة مرابط)). ما يمكن استخلاصه أن هذه الشريعة، وصلت إلى القمة في حفظ للحيوان حقوقه المعنوية.  يكفي أن نشير في هذا الإطار إلى البيان الذي صاغه الفقيه الإسلامي عز الدين ابن عبد السلام الذي اشتهر في القرن الثالث عشر ببيان عن حقوق الحيوان، هذا قبل أن يوجد ما يعرف حاليا الإعلان العالمي لحقوق الحيوان سنة 1976.

كما يجب أن نعلم حقيقة ثانية، أن المقاربات التي بنيت عليها غالبية البرامج التنموية، جاءت قائمة على ثلاثة ركائز أساسية(البعد الإقتصادي والإجتماعي ثم البيئي). وعند التطرق للبيئة علينا أن ننطلق من منظور شمولي لا تجزيئي، بمعنى حماية المحيط بما فيه والحفاظ عليه. لأن كل نوع أو صنف من الحيوانات أو أي عنصر من عناصر البيئة جزءا من الذخيرة الوراثية، وليس الواجب فقط الذي يفرض الاعتناء بها، بل المصلحة العامة والمشتركة لدى كافة الأفراد من مسؤولين وصناع القرار وكل شرائح المجتمع  يجب أن يكون لديهم وعي ودراية تامة بكل جزء من أجزاء البيئة.

لكي نصل في الأخير إلى ما يعرف بمتطلبات العيش في إطار بيئة سليمة. وهو ما لم يغفل عنه الدستور المغربي 2011حيث تم التنصيص عليه في الفصل 32 من الدستور “… تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتسيير استفادة المواطنين والمواطنات على قدم المساواة من أسباب التمتع بالحقوق التالية:  العلاج والعناية الصحية… العيش في بيئة سليمة …” بالتالي فمن من المفروض ومن اللازم أن يتم تبني قانونا يعترف بهذه الكائنات بحقوقها الأساسية ومن ضمنها برنامج التعقيم والتطعيمات الذي تمت صياغته في إطار إتفاقية شراكة غير مقننة بشكل دقيق.

لهذا، قمنا بوضع وتجميع هذه الحقوق في الوثيقة التالية كفريق يهتم بالشأن البيئي في بلادنا، ليس فقط من أجل تلميع صورة المغرب، خاصة بعد حادثة آسفي المشينة في حقنا كمسلمين، بل كبلد له مكانته لا يقل عن أي دولة في هذا المجال.

الهوامش:✓ الدستور المغربي لسنة 2011 خاصة المادة 32 الباب الثاني الحريات والحقوق الأساسية✓ إتفاقية إطار للشراكة والتعاون  لمعالجة ظاهرة الكلاب والقطط الضالة بين وزارة الداخلية، المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، وزارة الصحة والهيئة الوطنية للأطباء البياطرة (فبراير 2019).✓ الوثيقة الختامية لمؤتمر قمة الأمم المتحدة لإعتماد خطة التنمية لما بعد عام2015،” تحويل عالمنا: خطة التنمية المستدامة2030″، نيويورك2014,✓ القانون التأسيسي والنظام الداخلي لمؤسسة fan(جمعية لرعاية الحيوانات والحفاظ على الطبيعة)✓ يوسف عبد الله القرضاوي: كتاب “السنّة مصدرا للمعرفة والحضارة” .✓ “بيان حقوق الحيوان” عز الدين عبد السلام، في كتاب ” من روائع حضارتنا”، للدكتور مصطفى السباعي.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 2 = 3