قراءة في مدونة الأسرة محور مائدة مستديرة لمنتدى الحداثة والديمقراطية بالرباط

نظم المكتب التنفيذي لمنتدى الحداثة والديمقراطية، بشراكة مع منظمة هينروش بول-الرباط والصندوق الأوروبي للديمقراطية، مائدة مستديرة تحت عنوان “قراءة في مدونة الأسرة”، بمشاركة جمعيات من المجتمع المدني وفاعلين مدنيين، وذلك يوم الأحد 21 يوليوزبالرباط. استهلت أشغال اللقاء بكلمة لعبد الله ادنزارعرف من خلالها بأهداف المشروع والخطوات التي قطعها، حيث تم تنظيم عدة لقاءات سابقة في الرباط، طنجة وفاس، بهدف مناقشة مدونة الأسرة، بدءا من الوقوف على المسار التاريخي لإعدادها، ومضامينها، مرورا بالإشكاليات التي طرحتها الحصيلة العملية لتطبيقها، وانتهاء بالمواضيع التي تستدعي التدخل التشريعي لتغييرها ومراجعتها.

وقدم أنس سعدون دكتور في الحقوق وباحث في قانون الأسرة المغربي والمقارن قراءة سريعة في أهم مضامين مدونة الأسرة، متوقفا عن عدة اشكالياتتطرحها الممارسة العملية من قبيل تعدد مساطر الطلاق والتطليق وتداخلها، علما بأن الواقع كشف أنها اختزلت عمليا في نوعين، هما الطلاق الاتفاقي والتطليق للشقاق، واستمرار التمييز القانوني بين النساء والرجال في امكانية مباشرة هذه المساطر، فالتطليق للغيبة مثلا، مسطرة وضعت لفائدة الزوجات، ولا يمكن للأزواج مباشرتها، علما بأن “الواقع العملي كشف عن حالات يصعب فيها على الزوج انهاء علاقته بزوجته، نظرا لغيبتها وعدم وجود محل معروف لها، كما في حالة هجرتها بشكل غير شرعي للخارج”، معتبرا أن “التمييز يمس النساء والرجال على حد سواء، وتوحيد مساطر الطلاق والتطليق سيستفيد منه الطرفان معا، وسيساهم في تسهيل الاجراءات”.

وأشار في نفس السياق للصعوبات العملية التي تحول دون تفعيل دور الخبرة الجينية في اثبات نسب الأطفال في حالة عدم وجود عقد زواج، بحيث يفرض القانون على الأمهات ضرورة اثبات العلاقة الشرعية، قبل اثباتالعلاقة البيولوجية، وهو ما يجعل دور الخبرة الجينية محدودا، عكس الاقرار بالنسب المتاح للآباء بحيث يجوز لهم وفق مسطرة بسيطة الاعتراف بنسب أبنائهم دون حاجة الى اثبات العلاقة الشرعية (عقد زواج)، بل ودون لجوء الى الخبرة الجينية، فالمانع لا يكمن في الاجتهاد القضائي وانما مرده بالأساس نص القانون الذي يقيم تمييزا واضحا بين البنوة الشرعية وغير الشرعية، ويعتبر أن هذه الاخيرة ملغاة بالنسبة للأب.

من جهة أخرى أشار أنس سعدون الى أن التشابه الموجود بين المادتين 16 و156 من مدونة الأسرة، والمتمثل أساسا في وجود أبناء، ووجود سبب أو ظرف قاهر حال دون توثيق عقد الزواج، لا يخفي الاختلاف القائم بين الدعوتين، فالمادة 16 مقيدة بمدة استثنائية، انتهت مؤخرا في انتظار تدخل تشريعي جديد، وقد كانت هذه المادة تسمح باثبات الزواج ونسب الأطفال، أما المادة 156 فإنها تثبت نسب الأطفال، ولا تثبت الزواج، معتبرا ان توقف العمل بالمادة 16 من مدونة الأسرة لا يمنع امكانية حماية نسب الأطفال المزدادين عن علاقة زواج غير موثق، ففي حالة عدم وجود منازعة بين الأبوين يمكن للأب اللجوء الى الاقرار، أما في حالة انكار الأب، فيمكن للأم أن تطالب باثبات النسب اعتمادا على المادة 156 من مدونة الأسرة، وفي هذه الحالة تكون ملزمة باثبات مجموعة من الشروط التي تضمنتها هذه المادة، من قبيل ضرورة وجود خطبة، واشتهارها بين الأسرتين، ووجود ظرف قاهر حال دون توثيق الزواج، واحترام أمد الحمل الذي يحتسب من تاريخ الخطبة.

وقالت سارة سوجار عضوة شابات من أجلالديمقراطية أنه لا بد من الحسم في مرجعية مدونة الأسرة، لأن عدم وضوح المرجعية المعتمدة يؤدي الى التناقض. وأردفت: “ان الاشكاليات التي تطرحها مدونة الأسرة لا تتوقف حدودها داخل التراب الوطني وانماتمتد أيضا الى الخارج، ففي حالات تنازع القوانين تفضل غالبية الأنظمة تطبيق قانونها الوطني واستبعاد القانون الأجنبي معتمدة في ذلك على عدة مبررات من قبيل مخالفة القانون الأجنبي للنظام العام أو للاتفاقية الأوربية لحقوق الانسان، وأردفت أن مدونة الأسرة تكرس التمييز بين الجنسين في الحقوق والواجبات والاجراءات، وبين الأطفال، بل وبين النساء أنفسهم وهو ما يجعل بعض المحاكم الأجنبية تعمل على استبعادها من التطبيق”.

من جهة أخرى أشارت المتدخلة الى ضرورة استحضار القانون الجنائي في علاقته بمدونة الأسرة، فاذا كانت هذه الأخيرة قد اعترفت بنسب الأطفال المزدادين خلال فترة الخطبة، فإن العلاقة الجنسية التي تمت بين الطرفين ما تزال مجرمة في القانون الجنائي الذي يعتبرها تشكل جنحة فساد، وبالتالي فإن الاستمرار في تجريم العلاقات الرضائية بين الراشدين يقف حائلا دون اللجوء الى القضاء قصد الانتصاف أو المطالبة بحقوق الأبناء.

في التمييز بين الجنسين، وعدم احترامها لمبدأ حرية الزواج من خلال 

من جهتها تعرضت المحامية عائشة الحيان عن اتحاد العمل النسائي لمسار صدور مدونة الأسرة التي اعتبرت ثورة هادئة بالنظر الى طريقة اعدادها وصدورها، والمضامين التي احتوت عليها، والتي تكرس من حيث المبدأ للمساواة بين الجنسين، وهو ما يبدو في تعريف الزواج، وجعل الأسرة تحت الرعاية المشتركة للزوجين، وهو ما أدى الى الغاء مبدأ قوامة الزوج على الأسرة، واخضاع جميع أنواع الطلاق والتطليق لرقابة القضاء، وأضافت أن مواد مدونة الأسرة لم تعكس بوضوح لمبدأ المساواة بين الجنسين، وهو ما يظهر من خلال استمرار التمييز بين النساء والرجال في ممارسة الولاية على الأبناء، فولاية الأم تبقى احتياطية، ولا يلجأ لها الا في حالة عدم وجود الأب أو غيابه، كما أن حضانة الأم تصبح مهددة في حالة زواجها، بينما لا يؤدي زواج الأب الحاضن الى سقوط حضانته.

وأضافت المتدخلة أن النساء لا يواجهن فقط التمييز في القانون، بل حتى في الممارسات من خلال سلوك بعض الادارات العمومية التي تصر على تكليفهن بالادلاءبوثائق أو باللجوء الى القضاء للحصول على بعض الحقوق رغم أنها موجودة في صلب القانون، كما أن الاجتهاد القضائي يطرح عدة اشكاليات على مستوى استدلاله ببعض المؤسسات التي أصبحت ملغاة في القانون وفي الواقع، فمحكمة النقض تتحدث عن الحدود، “لا يجتمع حد ونسب”، “الولد للفراش وللعاهر الحجر”، والحال أن القانون الجنائي ألغى العمل بالحدود، ويطبق عقوبات سجنية ومالية، وسيطبق قريبا العقوبات البديلة، كما أن أحكاما قضائية عديدة تشيءالنساء، وهو ما يبدو في حيثيات ملفات النفقة التي تعلل بأن الزوجة في “حوزة الزوج”، وخلصت الى أن مدونة الأسرة ورغم أنها حاولت حذف العبارات التي تهين وتشيء النساء، الا أن القضاء ما يزال يعتمد على نفس هذه العبارات، وهو ما يطرح سؤال المرجعيات التي تؤطر الاجتهاد القضائي.

واعتبر أمين باها مدير مركز المبادرات من أجل حمايةحقوق النساء أن تطبيق مدونة الأسرة يمكن الكشف عنه من خلال العمل الميداني للمنظمات العاملة في الميدان، فمن خلال نماذج للنساء اللواتي تم استقبالهن في مركز مبادرات يلاحظ وجود قواسم مشتركة بينهن تتمثل في تبعيتهن الاقتصادية للمعنف، ومعاناتهن من الفقر والأمية والهشاشة وصعوبة ولوج العدالة لعدم وجود المساعدة القانونية أو القضائية، مؤكدا أن نسبة كبيرة من النساء يتنازلن عن الدعاوى، من جهة بسبب الضغوط التي تمارسها العائلة من أجل الصلح حفاظا على الأسرة، ولو على حساب كرامتهن وسلامتهن الجسدية، أو بسبب ارتفاع تكلفة التقاضي، والتي لا تعني الرسوم القضائية، وانما نفقات الانتقال من محل الاقامة الى مكان تواجد المحكمة، وطول أمد التقاضي، وصعوبة التبليغ وهو ما يؤدي الى ارهاقهن.

وكان مجال التربية والتعليم محور أساسي ضمن أشغال هذه المائدة المستديرة حيث سرد 

أستاذ مادة الفلسفة حكيم سيكوك في مداخلته كيف أن الفلسفة أسهمت في نشر القيم الكونية لحقوق الإنسان بين الطلبة خلال نهاية الستينيات وهي الفترة ذاتها التي أخذت الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة على عاتقها مهمة ترجمة نصوص الحركات النسائية الأجنبية، غير أن ما يعيبه الأستاذ سيكوك على جمعية مدرسي الفلسفة تقوقعها وانحصارها في التنظير دون تطبيق، ومع بداية الجمعية في الاشتغال على ما هو ملموس بالوقوف على طبيعة النسيج المجتمعي والايدولوجيا السائدة لاحظت خلط وتأرجح وتدرج الدولة والمجتمع المدني؛ من جمعيات حداثية والنسائية؛ بين مرجعيتين مختلفين تماما: المرجعية الدينية الإسلامية ومرجعية قيم حقوق الإنسان وليومنا هذا لم تحسم الدولة في مرجعيتها، وفي هذا السياق يشدد حكيم سيكوك على أن مبادئ حقوق الإنسان غير قابلة للتجزيء ولا للفصل حسب ما يتلاءم وأهواء الفاعل السياسي أو الحقوقي، إنما هي قيم كونية وجب الإيمان بها، وبذلك على المجتمع المغربي أن يكون أكثر وضوحا بخصوص المرجعية التي سيتبناها، ويجب التفكير جديا في فصل الدين عن الدولة. 

أشغال المائدة المستديرة تواصلت في الفترة المسائية حيث انقسم المشاركون الى مجموعات انكبت على قراءة وتحليل نصوص مدونة الأسرة، لاستخراج أهم الإشكاليات التي تثيرها موادها، حيث تم الوصول الى عدة مخرجات تلتقي في ضرورة المراجعة الجذرية لنصوص هذا القانون بعد مرور 15 سنة من صدوره، بهدف تحقيق الملاءمة مع دستور 2011، والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


17 − 11 =