سقوط الأحاديّة… سقوط الانتظام العالَميّ

أفق – أحمد جابر

انهارت التجربة الاشتراكيّة على النمط الدولتيّ السوفياتيّ، فانهار معها نظام الثنائيّة القطبيّة الدوليّة. كان ذلك إيذاناً بفتح صفحة جديدة من الصراعات العالَميّة بين أطراف التعدّد الدولي الذي كان مُعرَّفاً بمنظومات سياسات وتحالفات، فصارَ معروفاً بأسماء دول تحاول إعادة رسم الخريطة العالَميّة الجديدة، وتُصارِع من أجل مَوقعها “الجيوساسيّ” فوقها، مع ما ينطوي عليه المَوقع من نفوذ وعوائد سياسيّة واقتصاديّة، ومن قدرة على التحكُّم، أو التأثير بشكلٍ حاسم، في مجرى العلاقات الدوليّة ووجهتها.

توزَّعت الدول التي كانت مُجتمعة على اتّفاقات وتفاهُمات وتحالُفات، مثلما توزَّع ما كان اتّحاداً سوفياتيّاً طوعيّاً، بعد أن زال بأس “العقيدة القسريّة”، وبعد أن اهتزَّت روسيا الكبرى كبلدٍ أمٍّ للتجربة الاشتراكيّة التي حاولت “ملكاً” فسقطت ولم “تُعذر”. هذه “الروسيا” انكفأت دوليّاً وانشغلت بلملمة خراب انهيار زعامتها، واكتفت الصين يومها بالمُراقَبة وبمُتابعة مسيرة “رأسماليّة الدولة الشيوعيّة”، وتوجَّست أوروبا مُجتمعة، فمضت مُسرعة إلى شدِّ عصب وحدتها الاقتصاديّة ودفعها في اتّجاه المستويات السياسيّة، وفي اتّجاه إزالة الحدود الجغرافيّة بعد أن مهَّد الاقتصاد الطريق أمام تنقُّل البشر ليصير مُواكِباً لحريّة حركة تنقُّل البضائع.

من ضمن ذلك الحراك العالَمي، تقدَّمت الولايات المتّحدة الأميركيّة لترفع عَلَم انتصارها على أنقاض مرحلة الحرب الباردة، وفوق خرائط القطب السوفياتي المُنافس قيَماً وإيديولوجيا، والمُنضبط قتالاً ودفاعاً، الذي يستطيع التهديد بالقوّة النوويّة الرادعة، عندما يتعلّق الأمر بالدفاع عن كيانه الوطني الفسيح، وعندما تقتضي ضرورات الردّ خارج الكيان هذا، عندما يقرأ الاستراتيجي السوفياتي احتمال خلل في مَوازين القوى العالَميّة.

التصرُّف من مَوقع المُنتصِر قاد الولايات المتّحدة الأميركيّة إلى سياسة القطب الواحد، وإلى سياسات الأمْرَكة والعَولَمة على الطريقة الأميركيّة. وفي هذا السياق الانفرادي سوَّغت السياسة الأميركيّة لذاتها شنَّ سلسلة حروب، تارةً في ظلّ شعارات مُحارَبة الإرهاب، وتارةً أخرى في ركاب منْع انتشار أسلحة الدمار الشامل، ودائماً بعيداً من الرؤى الاستراتيجيّة التي تقتضيها حسابات وسياسات ومُمارسات… كلّ مَن يسعى إلى أن يكون القوّة الأولى عالَميّاً، أي الدولة التي يكون لواء القيادة العامّة دوليّاً معقوداً لها، وفق مقاييس سياسيّة واقتصاديّة، وأخلاقيّة وموضوعيّة. ومن ضمن اتّخاذ وضعيّة القوّة المسؤولة التي تحرص على توليد نظامٍ جديد له صفة النظام، ومن ثمّ تحرص على حشد الحلفاء والأصدقاء والمُستفيدين منه… لحماية ديمومته وصيانة انتظامه.

تجلّيات الأحاديّة الأميركيّة

جاءت حصيلة الانفراد الأميركي بالقيادة مخيِّبة لأهلها، وكانت مدمِّرة على صعيد العلاقات الدوليّة، وفي الديار البعيدة التي كانت ميدان تجربة فاشلة على صعيد العلاقات الدوليّة، وفي الديار البعيدة التي كانت ميدان فعل لتجلّيات الأحاديّة الأميركيّة، بدءاً من جورج بوش الأبّ، إلى بيل كلينتون، إلى جورج بوش الابن، أي في عهود الرؤساء الثلاثة الذين فشلوا في التقاط فرصة الانهيار السوفياتي، وأخفقوا، تأسيساً على ذلك، في بناء فرص القيادة الأميركيّة العالَميّة. في التفاصيل، أدار جورج بوش الأبّ الأزمات وغابت عنه الرؤية الاستراتيجيّة، مع موسكو، كما في العراق، كما في المسألة الفلسطينيّة، واكتفى بيل كلينتون برعاية الخراب العراقي، وأَسهم في سدّ مَنافذ الحلول أمام القضيّة الفلسطينيّة، فانتهى مُنحازاً إلى الرؤية الإسرائيليّة ومتبنّياً لاقتراحاتها. أمّا جورج بوش الإبن، فقد وَصفه المستشار القومي الأميركي بريجنسكي، بأنّه ذو قيادة كارثيّة، هو الذي قادته الأحاديّة الشعاريّة: مُحاربة الإرهاب، فكانت الحرب على هذا الأخير بطاقة المرور إلى السيطرة على منطقة الخليج ودوله، وإلى تعزيز أمن إسرائيل.

لم يفلح مَن جاء من رؤساء أميركيّين بعد أولئك الذين سبق ذكرهم، في نقل ما يُفترض أنّه قيادة أميركيّة عالَميّة خطواتٍ إضافيّة إلى الأمام، بل إنّ ما حصل لاحقاً، وما هو موجود حاليّاً، جعلَ أميركا العظمى مَوضع نفور عالَمي مُتصاعد، وجعلَ النسخة الترامبيّة الحاليّة كناية عن رئيس يفرض الأتاوات على الخصوم وعلى الحلفاء، ويتصرّف بعقليّة جباية الضرائب، في ظلّ الشعار الأثير: أميركا أوّلاً… هذا الشعار الذي يشبه الجملة المتوارثة عربيّاً: “أنا ومن بعدي الطوفان”.

لم تنتبه القيادة الأميركيّة أنّها تفقد عناصر أساسيّة من قيادتها في الوقت الذي تسعى فيه من أجل امتلاكها. عدم الانتباه، الذي هو سياسة انتباه إذا ما قُرئت بنظّارات الواقعيّة السياسيّة، جعلَ صانع القرار السياسي الأميركي قليل الملاحظة لمَن يجاوره ويتحرّك معه في الميدان، مثلما جعله قليل الدراية لمعنى انتداب الولايات المتّحدة الأميركيّة للقيادة عالَميّاً، بالتزامن مع فقدان القدرة على إدارة علاقات القوّة في عالَم يتغيّر تِباعاً، والتقصير في مجال تنمية نِظام عالَميّ أكثر تعاوناً وأكثر انسجاماً، وتعميم النزاعات بديلاً من احتوائها أو إطفاء نيرانها، وإدارة الظهر لحقيقة انعدام المساواة في الشروط الإنسانيّة، ما يقتضي صياغة ردّ مُشترَك على ما يهدِّد خير البشريّة. ما وردَ، يشكّل بحسب زبغنيو بريجنسكي معنى أن تكون قائداً عالَميّاً، لأنّ ما سوى ذلك يحيل “أميركا” إلى شرطي ينقصه الانضباط القانوني، لذلك لا يُمكن الركون إليه لتولّي مهمّة الضبط العامّ.

العناية بالدَّور الأميركي بعد زوال القطب السوفياتي، مصدرها الأهميّة المركزيّة العالَميّة لهذا الدَّور، والإشارة إليه ليست قبولاً بسياسات انفراده وتفرّده، بل هي في سياق مُحاسبته وإلقاء الحمل الأهمّ من وزر المسؤوليّة عليه، بسبب ما ألحقته الفرديّة السياسيّة بالعالَم من أضرار، وفي سياق الإشارة أيضاً إلى الإخفاق في التفرُّد السياسي العالَمي، بدليل ما تشهده خريطة توزّع القوى العالَميّة راهناً، من العالَم الرأسمالي الغربي، إلى الشرق الأقصى الآسيوي، إلى منطقة “الشرق الأوسط الكبير” التي استهدفها المُحافظون الجُدد الأميركيّون “بالدمقرطة الإجباريّة” فمزَّقوا نسيجها الاجتماعي، وهدموا انتظامها السياسي، وأعادوا عدداً من دولها إلى حالة ما قبل الدولة. أفغانستان ليست الشاهد الوحيد على نتائج السلوك الأميركي، واليمن لن يكون الأخير، بعدما أخرجَ العراق وسوريا من مَكانتَيهما الجغرافيّة والسياسيّة التي كانت لهما دَوراً ونفوذاً على تخوم نقاط حسّاسة من نقاط الجغرافيا العربيّة.

حصيلة الأداء الأميركي الذي لم يستطع إدارة علاقات تعاون دولي مُتوازن، عودة الدَّور الروسي إلى ساحة النفوذ العالَمي تباعاً، وثبات المَوقع الصهيوني في مَناطق نجاحه، بالتعاون مع روسيا ومع عدد من الدول التي لحقَ بها ضرر السياسات الأميركيّة. أوروبا المُستهدَفة بقوانين الإدارة الحاليّة الأميركيّة تدفع ثمن الطلبات الماليّة الأميركيّة، ولا تستطيع صوغ ردٍّ وازن أو ذي تأثير على أرض الواقع السياسي، في صيغة مُبادرات دوليّة جديدة، أو في صيغة اعتراض على المُبادرات الأميركيّة غير المتوازنة، في السياسة وفي الاقتصاد وفي تسهيل شؤون التعاون الدولي على أكثر من صعيد مُشترَك.

خلاصة التوازن العالَمي القائم على الأحاديّة القطبيّة، تمخَّضت عن اللّاتوازن الذي تُشكّل سياسات الولايات المتّحدة الأميركيّة قطبه الأوّل، وبديلاً من الانتظام العَولمي العامّ، وصل الوضع الدولي إلى مُعادلات اللّاانتظام، وفي البحث عن صيغ التحالف والائتلاف، لم يجد العالَم حتّى اللّحظة سوى انفكاك التحالفات جوهريّاً، وما زال يشهد جهوداً متفرّقة تنشد تجمّعاً أو تجميعاً في إطار منظومات، لضبط فرملة الاندفاعة الأميركيّة، وللحدّ من تداعيات نتائجها السلبيّة.

في إزاء هذه اللّوحة المضطّربة عالَميّاً، وغير المستقرّة على مدوَّنة تفاهم تشبه ما كان للوضع الأُممي بعد الحرب العالَميّة الثانية، يجوز وصف الوضع الذي نشأ بعد انهيار الاتّحاد السوفياتي بأنّه حرب عالَميّة أخرى. أدوات هذه الحرب الأسلحة الاقتصاديّة والماليّة بين بلاد “المركز” الأميركي والأوروبي، وبين أميركا أوّلاً وبلاد “المركز” الآسيوي، لكنّ أدوات الحرب تتغيّر في بلاد العالَم المُلحقة، فتصير سلاحاً ناريّاً في البلاد العربيّة، وفي بعض أفريقيا، وحيث تدعو الحاجة في بعض بلاد أميركا اللّاتينيّة. سمة الحرب العالَميّة الجديدة، أو سماتها، تتقدّمها مسألة توزُّع مناطق النفوذ من جديد، وإعادة توزيع حصص الثروة العالَميّة وأسواقها، على غرار ما حصل بعد الحربَين العالَميّتين، الأولى والثانية. لقد انتقلت الحروب التدميريّة إلى المنطقة العربيّة وصارت أرضها وفضاؤها صناديق بريد، وبسبب من تعذُّر الحرب بين “الديمقراطيّين”، أو عدم الرغبة بها، جرى نقلها إلى ديار “المتوحّشين”، ديارنا، ويحصل أنّ أهل هذه الديار يقدّمون لسياسات الحرب الخارجيّ عناصر دعم داخليّة. 

غاب عن أميركا وغيرها من قوى المركز الدولي، ” أنّ الكرامة هي التحدّي المركزي المُصاحب لظاهرة اليقظة السياسيّة التي تعمّ العالَم اليوم، ومن إشارات هذه اليقظة أنّ عصر الإمبراطوريّات التقليديّة قد انتهى وأنّ السيطرة الخرقاء لدولة واحدة لا تدوم تاريخيّاً”. هذا ما خاطبَ به بريجنسكي بلاده، وهذا ما يُخاطب به السودان والجزائر اليوم، العالَم الذي خاطبته سوريا وليبيا والصومال… وفلسطين. 

عالَم اللّاانتظام ندفع تكلفة عشوائيّته عربيّاً اليوم، بعدما دفعنا غالياً ثمن انتظامه… وتستمرّ المأساة.

كاتب من لبنان

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


9 + 1 =