بقلم – منير الهدهودي/حمادي تقوا
“أيها الداخلون إلى هنا، اطرحوا عنكم أي أمل”
دانتي، الجحيم، الكوميديا الإلهية.
قد تُسعفُ الاستعارات التي تتصل بفعل الجر في التخفيف من غرابة العنوان. فالمجرور في هذا السياق يتخذ وضعيةَ التابع؛ إنه المُلحق والهامشُ والذي يأتي بعدَ. ولو توقف الأمر عند هذه المعاني لكان الوقع أخفَّ على المجرور، ذلك أن فعل الجر لا يمكن فصلُه عن الإكراه الذي يرافقه: ليس أمام المجرور اختيار، حركةُ الجارِّ تتحكم في حركته، وليس له إلا الانصياع أمام القوة التي تجره، بل إنه في مقامات معينة يتهيأ لحركة الجر ويتيح نفسه لها.
والتنمية مجرورةٌ بدءاً لأنها نتاجُ “رسالة حضارية” استنفذت ممكنها؛ تلك الرسالة التي بررت بها الليبرالية وحشيتها الكولونيالية. ومجرورةٌ ثانياً لأنها ليست إبداعاً أملته الحاجة، وإنما هي محاولة لجعل الهيمنة تمتد وتَتأبَّد. المشاريع “التنموية”، والحال هاته، ليست أكثر من تعاويذ لدرء لعنة محدقة، إنها شعوذة تسندها الأرقام والمنحنيات والمؤشرات، شعوذة ينهض بها خبراء يباركون الوضع القائم ويجتهدون للإبقاء عليه. إنها باختصار شعوذة عالمة.
التنمية مجرورة أيضا لأنها تخضع لتدفقٍ يستنزف معانيها. على أن هذا التدفق يخطئ منابعه الأصلية حين لا يذهب أبعد من الديمقراطية، حين لا يتقصى المنبعَ الذي منه يرتوي الطموح إلى جعل الرفاه الاجتماعي مجسَّدا على الواقع بمنأى عن الاستيهام. والمنبع الأصلي تدل عليه الخارطة جغرافيا والتجربة تاريخا.
للتنمية المجرورة حفرياتها المتصلة بهذا التأبيد الذي تتكافل من أجله الليبراليةُ والأنظمة التي تخضع لهذا الجر. ففي سنة 1949 انعقد مؤتمر عالمي، تم فيه تعميد مصطلح التخلف في خطاب للرئيس الأمريكي الثالث والثلاثين. بعدها سيكون لهذا الميلاد الرسمي تبعاته على دول الأطراف، لتغدو التنمية تبريرا للتبعية وقبولا بوضع المُلحَق والهامش. وسيشتد عود هذا المولود وتتعدد ألقابه:
التنمية الاقتصادية: هذا اللقب الذي يلغي التقدم كمنظومة يتداخل فيها الاقتصادي بالفكري.
التنمية المستدامة: استدامةً تكشف عن قبول بوضع التابع بشكل أبدي.
والتنمية البشرية: بما هي نسخٌ ومحو لما تحقق، ومحاولة لاستدراك مركزية الإنسان، هذا الذي يشكل منسيَّ الليبرالية حين يلهج سدنتها بالحرية والعدالة والمساواة. ووراء إلغاء الإنسان التفافٌ على الصراعِ، محرِّك كل تقدم.
التنمية مجرورة لأنها جواب جاهز عن سؤال التقدم، وهي بهذا المعنى استسلام واعتراف بالتخلف. مجرورةٌ لأنها نكوص واعتذار عن خوض المعارك. إنها “فانتازم” الذين يخسرون المعركة دون أن يشاركوا فيها.
مجرورةٌ ختاما لأنها تثبيت للوضع وقبول بالتبعية بما هي قدر وحتمية. والطريف في هذا المقام أن تثبيت الوضع يتم عبر جبهتين، عبر رؤيتين تعيقان صيرورةَ فك الارتباط. الأولى تمارس ولعها بالمركزية الأوربية وتستقي من هذا “الولع بالغالب” أجوبتها، أما الثانية فتلتفت صوب “مركزية ماضوية” تستمد منها رؤيتها للحاضر والمستقبل. وبعيدا عنهما يُمارَس التفكير النقدي ويرتكن السؤال لعزلته الباردة.

قم بكتابة اول تعليق