“حولي اون لاين”

بقلم – عبدالله أطويل

اعتلَت الأكباش منصات التواصل الاجتماعي مع اقتراب العيد، بات الحولي هو المؤثر الأول إذ استحود على بورصات المتابعات ووصل “الطوندوس” وتطايرت حوله اللايكات والايموجات وقلوب الإعجاب. مع الخروف الفيسبوكي تهاوت أسوار “الرحبات” الكلاسيكية، وسقطت فنادق الخروف من التصنيف. غابت طقوس الرحبة من رائحة الغنم ولغة “الشناقة”. وأضحى الكساب صانع محتوى وعارض بضاعة.

يحكي كساب فيسبوكي ينحدر من منطقة “بني مسكين” أحد معاقل سلالة الصردي، حيث يقول في أحد الأشرطة أنه اعتمد مؤخرا عرض أكابشه عبر منصات “السوشل ميديا”، ينشر صور لخرفانه بعد تعديلها وترميم خدوشها بتبييض صوفها، وإضافة خاصيات التلميع والإضاءة، فيبدو الخروف بعد “المونتاج” كبشا أسمنا أقرنا يمشي مرفوع الهامة في سواد، كما ينشر أيضا مقاطع فيديوهات لأكباش على مجموعات فيسبوكية، وعلى “الانستغرام”. لا يخفي هذا الرجل فضل خاصيات السطوري في تلميع الصور وتحويل “حمل وديع” إلى كبش “أقرن أسمن”. الأمر عند هذا الكساب المسكيني أمسى أشبه برحبة شبه مكتملة الأسوار، ما عدا توابل قليلة تنقصها، من نظير لغة الشناقة، والجدال المحشو باللغو المعسل، وغيرها من الطقوس.
حين سُئِل عن سر ولوجه عالم الويب، ذكَّرهم بذكرى لا زالت تُعَمِّر في ذاكرته حين فقدَ الذخيرة والسلاح، في أحد أسواق ليساسفة قبل عامين. فخرج بخفي حنين، بعدما سُلبت منه كسيبته إبان غارة مفاجئة. ففي لحظة سهو انقلب فيها نفر من المتسوقين وعابري السبيل والمؤلفة قلوبهم على رحاب الأكباش، إلى ناهبي خرفان وقطاع أضحيات. كانت تلك نقطة سوداء في مسار هذا الكساب، ينأى الخوض مع الخاضئين في هذا الموضوع، وإن اُجبر على ذلك كان يختم حديثه وهو يقسم بأغلظ الايمان حد تطاير شظايا اللعاب من فمه أن يعتزل الرحبة وما يأتي منها وما يعرج فيها وما يخرج منها. أما عند سؤاله عن مدى منسوب الشفافية في صور خرفان الفيسبوك، فيقول أن الشفافية لا توجد إلا في ملابس النساء.

كثيرون اقتفوا أثر بوشعيب، في ولوج عالم التكنولوجيا من فيسبوك وواتساب وانستغرام، فاِستبدلوا الجلباب والعصا بهاتف ذكي وحسابات اشتراك في مواقع التواصل الاجتماعي. كان لهم السبق في وضع الحجر الأساس لتشييد هده الرحبات الذكية، رحبات تعج بالخرفان من شتى السلالات أضحت بين متناول الأصابع. في هذه الرحبة أكباش افتراضية وفيرة، التنزه واختيار الأكباش أمر من السهولة بما كان، إذ يمكنك التبضع عبر رحبات عدة ومن أمكنة متعددة وأنت متكئ على أريكة أمام تلفاز تتابع مباراة كرة السلة تجري في دبي. تحقيق هذا الأمر لا يتطلب غير الانضمام لأحد المجموعات الفيسبوكية أو منصات البيع والشراء عبر الويب، والنقر بأصابع اليد، على لوحة او هاتف ذكي متصل لا سلكيا بمنبع إنترنت. حين يقع الاختيار على الحولي قد يقترح عليك كسابه الفيسبوكي أيضا خدمة التوصيل والشحن.

وجد كثيرون يقتاتون على أعتاب أسواق الأكباش، وآخرون يمارسون رياضة “الشناقة” وتطويع الكلام، وأصحاب مهن معتلة وأخرى ممنوعة من الصرف، وفئة أخرى إجتمع فيهم ما تفرق في غيرهم. لا مهنة لهم، فظلوا يمارسون كل المهن التي استطاعوا إليها سبيلا. كل اولائك وجدو أنفسهم خارج معترك عمليات هذه السوق النشيطة، بل في حالة تسلل. فصبُّو جام سخطهم على الفيسبوك ورمو الانستغرام بسهام العضب. بل منهم من قال -والعهدة على الراوي- لو كان الفيسبوك رجلاً لقتلته، وفي رواية أخرى لعَطَّلته. على درب هؤلاء حبى الراسخون في علم الأعياد والضالعون في فقه النوازل، حين أبدوا امتعاضهم من الرحبة الافتراضية، معتبرين إياها “رجس من عمل الشيطان”، بل بدعة محدثة، شعارهم الدائم أن الرحبة ركن من أركان “العيد الكبير”، بل هي فرض عين مثل الشرف الرفيع في شعر المتنبي، لا تقوم لها قائمة حتى يراق على جوانبها الدم، وتقرع على أعتابها السواطير.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 1 = 7