جيل دولوز مُلهِم النقّاد العرب 

أفقد. عماد عبد الرّازق*

يُلاحِظ المتتبّع للنقد الفلسفيّ العربيّ الجديد، اهتمامَ وشغفَ جيلٍ من الباحثين والنقّاد العرب بالمشروع الفلسفيّ للفيلسوف الفرنسيّ جيل دولوز، الذي قرأ لعظماء الفكر الفلسفيّ العالَميّ، وقام بدراسة مشروعاتهم، أمثال باروخ سبينوزا، وإيمانويل كانط، ونيتشه، وميشيل فوكو وآخرين، ليُصبحَ بدَوره فيلسوفَ المفاهيم والأفكار الجديدة، التي شكّلت تركيباً أعلى لفكر الفيلسوف، وقد غطّى إنتاجه الكثيف موضوعاتٍ ومجالات رئيسة من ثقافة النصف الثاني من القرن العشرين. 

ظلَّ جيل دولوز يُعبِّر عن فلسفته عبر قراءاته للفلاسفة الآخرين، وعبر قراءاته للآثار الفنيّة والعلميّة، الأمر الذي جَعَلَهُ مَرتعاً خصباً وأرضاً مُثمرة لدى ثلّة من الدارسين والنقّاد المُشتغلين بالدرس الفلسفي الأكاديمي وغير الأكاديمي، وعلى رأسهم “مطاع الصفدي”، مُترجِم كتاب دولوز “ما هي الفلسفة؟“، الذي ألَّفه دولوز بالاشتراك مع فليكس غتاري، وهو الكتاب الذي سيُعطي للإبداع الفلسفي تعريفاً جديداً، وسيدفع بالتفكير إزاء أُفقٍ معرفي نظري جديد. وفي هذا السياق نشير إلى أنّ تجربة دولوز فريدة ومتفرّدة، لأسبابٍ عديدة منها أنّها تجربة عظيمة في عالَم النقد الذي اعتنى بالفلسفة الحقيقيّة وتغذّى من التأمُّل الطويل، بمعنى ارتباط الفلسفة بالنقد عند دولوز؛ وهو ما أعطى لتجربته تفرُّداً وإبداعاً، وخصوصاً في القضايا التي تتّصل نسبيّاً بالأدب والفنّ. فالفلسفة عند دولوز هي إبداعٌ للمفاهيم، لذا فهي في حاجة إلى شخصيّات مفهوميّة تُسهم في تحديد المفاهيم والتعريف بها، وخلْقها كذلك، وهذا ما قام به جيل دولوز في مشروعه الفلسفي.

لماذا الاهتمام بجيل دولوز؟ 

لعلّ من أبرز أسباب اهتمام النقّاد والباحثين العرب بفلسفة دولوز وفكره هو أنّ هذا الفيلسوف الفرنسي لم يترك إشكاليّةً فلسفيّةً أو رؤيةً فلسفيّة إلّا وعالَجها، إمّا شارحاً وإمّا مُفسِّراً، وإمّا مؤوِّلاً؛ والأهمّ في أطروحاته كلّها أنّه يقف مُتعمّقاً منهجيّاً ومعرفيّاً عند أهمّ عنصر في النظريّات والتصوُّرات والأفكار، ونعني بذلك “إبداع المفهوم” و”الإفهام الفلسفي”، إضافةً إلى انشغاله الملحوظ بإشكاليّة الفلسفة في علاقاتها بالفنون والآداب والعلوم، وقضايا الإنسان الجماليّة والروحيّة. ولعلّ خاصيّة العمق الفلسفي عنده كانت سبباً مباشراً من أسباب نعْتِ مشروعه بالغامض والصعب من طرف فئة لم تَجد ذاتها المعرفيّة في مشروعه. في حين وصفت فئةٌ أخرى المشروعَ الـ “دولوزي” بأوصافٍ عدّة، تصبّ كلّها في ضرورة الاطّلاع على هذا الفكر المُختلف، ولاسيّما لكلّ مَن أراد أن يطوِّر مكوّناته الذاتيّة في التفكير والوعي والمُجادَلة والفهْم وجوديّاً ومَعرفيّاً وحضاريّاً وجماليّاً. من هنا نستطيع القول إنّ إبداع دولوز للمفاهيم كان من الخطوات غير المسبوقة في التفكير الفلسفي، وقد جَعَلَ من مشروعه الفلسفي أيقونة تهافتَ إليها الباحثون في الغرب والشرق. 

مشروع دولوز في مرآة الفكر العربيّ

نشير هنا إلى اهتمام ثلاثة من الباحثين العرب الذين درسوا فكر دولوز الفلسفي والنقدي، وكانت دراساتهم رائدة في هذا المجال، لإلقائها الضوء على فلسفته تحليلاً ونقداً. هؤلاء الدارسون الثلاثة هُم جمال نعيم (لبنان)، وعادل حدجامي (المغرب)، وزهير قوتال (الجزائر)؛ وهُم من نماذج النقد الفلسفي العربي الجديد، الذي اطَّلع على المشروع الـ “دولوزي” اطّلاعاً واسعاً، واقترب منه كثيراً ليقدّمه إلى القارئ العربي أحسن تقديم. فدراسة الدكتور جمال نعيم “جيل دولوز وتجديد الفلسفة” تقف دون منازع عند إفهامه وتجديده، وعند حقب تاريخ الفلسفة وفلاسفتها، وبالخصوص عند فوكوه وهيجل وبرهييه، إضافة إلى ثنائيّة الفَرق (أو الاختلاف) والتكرار وفروعها المعرفيّة والاصطلاحيّة. فمن الخلاصات الفلسفيّة المهمّة التي توصَّل إليها الباحث الفلسفي جمال نعيم، متأثّراً بأفكار أستاذه المفكّر العربي اللّبناني موسى وهبه، هي أنّ تجديد الفلسفة يعني تجديداً في المضمون والأسلوب معاً، وأنّها فنُّ إبداعِ المفاهيم، وهي كانت كذلك على الدوام، لذا لا خوف عليها من الموت والانتهاء. والفلسفة ما زالت حيّة ومُمكنة اليوم، وعلينا أن نشتغل بها إذا أردنا أن نتخلّص من الحماقة، وأن نعيش من دون أوهام. فنحن بحاجةٍ إليها أكثر من أيّ وقتٍ مضى، وما علينا إلّا أن نفهمها بوصفها إبداعاً مُستمرّاً لمفاهيم تتغيّر تبعاً للمسائل المتغيّرة. بينما دراسة الباحث المغربي دكتور عادل حدجامي “فلسفة جيل دولوز عن الوجود والاختلاف”، التي نال عليها “جائزة الشيخ زايد للكتاب” في العام 2012 – 2013، هي دراسة نقديّة فلسفيّة، تمكَّنت من الحفر في المشروع الـ “دولوزي” بلغةٍ عربيّة فلسفيّة عالية، ومن خلال تقريب فلسفة دولوز إلى المعرفة العربيّة وتطوير النقد الفلسفي العربي المُعاصر بطريقة غير مباشرة؛ إذ عالجت أهمّ الإشكاليّات الفلسفيّة والفكريّة المرتبطة بالحياة والرغبة والفكر والنَّفس والحدس عند برجسون وجان فال وهيجل. والغاية من المُعالجة تتجلّى في أنّ تاريخنا ينبغي أن يكون تاريخ إشكاليّات وليس تاريخ حقب، بحيث يكون على كلٍّ منّا أن يَجِدَ توليفته الخاصّة في ما يكتب، أي أن يُحقِّق حاضره بإبداع ماضيه، فيُفكِّك ويُركِّب بالقدر الذي يفعل قوّة وجوده على حدّ تعبير عادل حدجامي. 

أمّا الدراسة الثالثة لمشروع دولوز فهي دراسة الباحث الجزائري زهير قوتال، وقد اهتمّت بالإبداع الفلسفي عموماً، وبالمفهوم خصوصاً، متوسّعة في التحدّيات والتعريفات والمناقشات التي تطرَّق إليها الفيلسوف الفرنسي لإنتاج أنطولوجيا مُغايرة تقوم على فكرة الاختلاف والكثرة، وإنشاء فلسفة جديدة مُبدعة تتمحور حول مسألة الإبداع بعامّة وإبداع الأفاهيم بخاصّة. ومن الاستنتاجات المهمّة التي توصَّل إليها الباحث زهير قوتال هي أنّ الفلسفةَ مدخلٌ لليقظة وطاقةٌ للخروج من حال الابتذال والغفلة وإزالة الغشاوة عن بصر الإنسان، واختلافٌ في الطرح والنَّظر والغاية؛ إنّها المعرفة القائمة على المُفارَقة. وتوصَّلت الدراسة أيضاً إلى نتيجة مهمّة جدّاً هي أنّ النسق الفلسفي عند دولوز شكّل ورشةً معرفيّة متميّزة لدى الجيل الجديد من نقّاد الفلسفة العرب، بحيث أَسهَمَ في تقديم صورة مُغايرة في الفكر العربي المعاصر على مستوى الاهتمام والمرجعيّة والمقصديّة. 

إنّ مجمل المُقاربات النقديّة الفلسفيّة العربيّة، ومنها مُقاربات جمال نعيم وعادل حدجامي وزهير قوتال، كانت تسعى إلى إبداع مرجعيّة فكريّة جديدة تختلف عمّا سبقها من مرجعيّات عند الدّارسين والباحثين العرب والروّاد. فإذا كانت الأجيال السابقة في الفكر العربي المُعاصر قد انشغلت انشغالاً ملحوظاً بالفلاسفة الذين اشتغلوا على الخطاب والفلسفة والمعرفة والوجود والمجتمع، من أمثال ديكارت وسارتر وماركس وروسّل وفتجنشتين، فإنّ الجيل الجديد في النقد الفلسفي غيَّر مجرى اهتمامه إزاء تحديد المفهوم والإبداع والمُثقافة والتداخُل والاختلاف، وهو المجرى الذي كان سبباً مباشراً في الانفتاح على المشروع الفلسفي الـ “دولوزي”، والإعلان بذلك عن بداية فكر نقدي عربي حداثي مُغاير.

صفوة القول: إنّ فلسفة دولوز ومشروعه النقدي كان بمثابة إلهام للكثير من الدارسين العرب، وبخاصّة في فلسفة النقد والنقد بوجهٍ عامّ. وعالَمنا العربي في حاجةٍ ماسّة إلى هذه المساحات المُضيئة في التاريخ الإنساني لا لمجرّد استنساخها بل للبحث عن إمكانات الفكر في تخومٍ عديدة تُعين النخبة المثقّفة على شحذِ آليّاتها الفكريّة وتجاوُز التقليد الأعمى. وذلك يقتضي تطوير المناهج الفكريّة والنظريّات لتستجيب لراهننا الغارق في إشاعة الخطابات السطحيّة، والإسهام في تغليب الخطابات النقديّة الإيجابيّة.

*أكاديمي مصري

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


14 − = 5