مغرب على خطى ثورة ملكية واقعية

بقلم: عبدالسلام العزوزي

يسجل التاريخ أن المغرب قطع أشواطا كبيرة في ترسيخ قيم الواقعية في تدبير الشأن العام وفي تدبير الأزمات، سواء ما تعلق بالأزمات الطارئة كجائحة كورونا التي مازلنا نعيش تبعاتها الاقتصادية والاجتماعية أو الأزمات التي تحدثها تضارب مصالح الدول وما ينشأ إثرها من أزمات في العلاقات الدبلوماسية فيما بين الدول.

وهذه الأزمات اجتمعت على المغرب في ظرف الأزمة الصحية التي أثبت أنه استطاع أن يخرج منها بأقل الخسائر البشرية والاقتصادية والاجتماعية، وأدار هذه الأزمة بحنكة ملكية واقعية وجريئة، أبهرت الجميع، وبوأت المغرب صدارة الدول التي كانت سباقة إلى تلقي التلقيح المجاني لشعوبها، والمغرب اليوم يخرج معافا مشافا من هذه الأزمة الصحية التي ضربت في العمق الصحي والاقتصادي للعالم بأسره.

ولم يكن سوى الجوار من حاول اختلاق صدامات سياسية ودبلوماسية في العلاقة بين المغرب وهذه الدول التي تجاورنا في الشرق كما في الشمال، فبالنظر إلى العداء التاريخي للنظام الحاكم في الجزائر والذي غالبية قادته ولدوا ودرسوا وتدربوا في المغرب، وبهذا البلد حملوا شعلة الثورة الجزائرية بدعم من أبطال الحركة الوطنية المغربية التي ناضلت بكل قواها من أجل استقلال الجارة الشرقية. 

لم يبرح الاستعمار الفرنسي أن يخرج مهزوما بعد مكوثه جاثما على أنفاس الشعب الجزائري قرنا وثلاثة عقود من الزمن، إلا أن يغرس شوكة ضارة في خصر المغرب الكبير،ليتركه يتألم على مر كل هذه السنين من التصادم بين الجارين المغربي والجزائري، بعدما اقتطع من أرض المغرب جزءا كبيرا ومهما ليلحقه بارض الجزائر، ويتنكر هؤلاء القادة الذين كانوا قبل هذا الوقت في حضن المغرب يخط لهم خطط الثورة الجزائرية المباركة، ويغدق عليهم من خيراته ويدعمهم بكل ما تحتاجه عملية تدبير ثورة من أجل الحرية والاستقلال.

ليس هذا فقط، بل خلف الاستعمار الفرنسي “ثقبا استعماريا” في عقلية النظام الجزائري منه ينفث الحقد والضغينة ويكرس العداء المجاني للمملكة المغربية التي مافتئت تفتح كل أبواب الحوار مع نظام الجارة الشرقية لتلافي الخلافات المصطنعة التي كرستها كأهم محور في أجندة السياسة الخارجية للنظام الجزائري المعاكس للمصالح العليا للمغرب، خصوصا في ملف الأقاليم الصحراوية الجنوبية التي يثبت التاريخ والإنسان المغربي والجغرافيا وتدبير الإدارة بالصحراء المغربية؛ يرجع بالأساس تاريخيا إلى السلاطين المغاربة على مر العصور في ظل الإمبراطورية الشريفة التي كانت تمتد من شمال إفريقيا إلى عمق الساحل والصحراء في القارة الإفريقية. إلا أن “الثقب الاستعماري” الإرث الأهم الذي يشتغل على أجندته قادة النظام الجزائري في علاقتهم بالمغرب، وهو ما عطل قطار المغرب الكبير من أن ينطلق بشكل سلس ومميز بالرغم من بادرة تأسيس اتحاد المغرب العربي في نهاية الثمانينات في مراكش، والتي لاتزال هذه المبادرة الجريئة التي كان الراحل الحسن الثاني رحمه الله، جمع إثرها القادة الخمس للدول المغاربيةمن أجل تحقيق حلم الشعوب المغاربية التي آمنت دائما بالوحدة والتضامن والتكافل والتنمية والرخاء بعد جلاء الاستعمار.

في الجهة الشمالية للمغرب، انتصبت الجارة الاسبانية وبخطط دنيئة مع الجارة الشرقية لتدبير خطة تهريب ابراهيم غالي سرا إلى إحدى المستشفيات الاسبانية قصد العلاج وبهوية مزورة، ما يلزم القانون الدولي لانزال عقوبة تهريب البشر على كلا الدولتين اللتان افتضحتا أمام العالم في “أشهر عملية تهريب” لزعيم انفصالي “مزور”، كانت وراء كشف هذه الخطة الدنيئة الأجهزة الاستخباراتية المغربية التي رصدت تفاصيل بناء الخطة وتنفيذها، وهو ما عرى عن كل ما تدبره الدولتين الجارتين ضد مصالح المغرب على مدى سنوات خلت. وهو الأمر الذي جعل المغرب يقف وبحنكة عالية وبتدبير “ثوري عقلاني” حكيم هذه الأزمة الأخيرة مع الجارة الاسبانية التي خسرت كل دفوعاتها في محاولة يائسة لإقحام الاتحاد الأوروبي في الأزمة المغربية الاسبانية الأخيرة، ودفع البرلمان الأوروبي لاتهام المغرب استغلال هجرة الأطفال في الصراع السياسي بين الجارة الايبيرية والمملكة المغربية، حيث كانت نتائج البرلمان الأوروبي مخيبة لآمال الحكومة الاسبانية، بل عكس ذلك، حيث انقلب السحر على الساحر، حينما ارتفعت أصوات تسخر وتسخط على أسلوب اقحام مؤسسة البرلمان الأوروبي في نزاع دبلوماسي ثنائي بين دولتين جارتين، وجره إلى العداء مع المغرب الذي يعد بحسب المعارضين لقرار البرلمان الأوروبي “الشريك الاستراتيجي الأهم” في شمال إفريقيا. 

ولأن ثورات المغرب لاتنتهي ، ابتدأت منذ عصور خلت، وانبعثت مع “ثورة الملك والشعب”، وتواصلت مع عهد الملك محمد السادس الذي يعد بحق “ملك ثوري” بآليات واقعية وبراغماتية يجعل الإنسان مركزيا في تدبير جلالته لكل الطوارئ والأزمات الطبيعية والاجتماعية والسياسية والدبلوماسية، ذلك أن ما عرفه المغرب من ثورات هادئة خَطَّ لها بوصلتها ملك البلاد منذ عقدين من توليه عرش أسلافه الغر الميامين، رفعت مكانة المغرب إلى مصاف الدول الصاعدة اقتصاديا والمؤمنة بالقيم الكونية الدافعة إلى مزيد من الحقوق والحريات الضامنة لاحترام القانون وفي ظل المسؤولية المقرونة بالمحاسبة.

فكانت ثورة الحد من الهشاشة الاجتماعية والفقر بالمملكة أول ثورة هادئة خاضها ملك البلاد في مستهل تدبيره للحكم، وبموازات مع ذلك انصب اهتمامه على الاسرة التي شهدت تغييرا وتطورا جذريا في الترسانة القانونية من خلال مدونة الأسرة المتقدمة جدا على باقي التجارب العالمية، وفتح المجال للمرأة لتتبوأ المناصب العليا والحساسة في كل دواليب الدولة المغربية، وخط ثورة دبلوماسية “بتوابل مغربية”، يجني المغرب ثمارها في مثل هذه الأزمات الحالية، استطاعت أن تجعل من المغرب رقما قويا في المنظومة الدبلوماسية الدولية، استطاع من خلالها تحقيق انتصارات متوالية في ملفات تخص مصالح البلاد العليا من خلال الدفاع عنها في المحافل الدولية، وأهمها ملف مغربية الصحراء.

وحتى تكون ثورة متكاملة محصنة بترسانة قانونية، كان لابد من تجديد وتطوير الدستور المغربي سنة 2011 بشراكة جميع القوى الحية ومختلف المؤسسات وأطياف المجتمع المدني، ليصبح دستورا يضاهي أعتى الدساتير الدولية وأكثرها تقدما وتطورا في تدبير النظام العام للدولة.

وهكذا بدت خطة الثورة تتضح جليا لتكون البنية التحتية وتطوير الاقتصاد وإنشاء مدن ذكية وجلب الاستثمارات العالمية ووضع خطط وبرامج متتالية يحكمها الفعل التشاركي الديمقراطي والانخراط الجماعي في بناء مغرب المستقبل، وقد حصن حدوده البحرية والجوية قانونيا، وحصنها أيضا اقتصاديا، لما استثمر بشكل كبير في المدن الحدودية في الشمال كما في الشرق وفي الغرب كما في الصحراء أيضا.

و حيث أن “الملك محمد السادس تمكن “بأسلوب خاص” من تغيير وجه المغرب في اتجاه نموذج مجتمعي منفتح وحديث، يتماشى مع قيم القرن الحادي والعشرين، ولكن دون التخلي عن تقاليده العريقة.” كما كتبت صحيفة “إيل باييس” الإسبانية في ملحق خاص لها في ال8 من يونيو 2010، وهي تتحدث عن” ثورة الملك الهادئة على طريق الحداثة”.معتبرة “أن الورش الرئيسي الذي أطلقه الملك محمد السادس يهم التنمية الاقتصادية للمملكة وانفتاحها على الاقتصاد العالمي، مبرزة”أن إحداث صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية سنة 2000 يندرج في إطار “عزم الملك إعطاء دينامية للاقتصاد المغربي من خلال إطلاق مشاريع كبرى في جميع القطاعات”. واصفة هذه الدينامية “بالثورة الاقتصادية” التي ارتفع خلالها استهلاك الأسر المغربية إلى مستويات لم يسبق لها مثيل، وأصبح سوق الشغل أكثر دينامية . وأوضح ملحق صحيفة “إل باييس”، أن المملكة تحولت إلى “ورش ضخم” بفضل ارتفاع وتيرة البناء في مجالات الطرق والكهربة والتزويد بالماء الصالح للشرب في جميع المناطق بما فيها النائية ناهيك عن تحديث المطارات والنقل العمومي بشكل بارز.

ويشهد العديد من الخبراء وصناع القرار والسياسيين والإعلاميين المرموقين أن الملك محمد السادس يقود ثورة حقيقية هادئة على شتى المستويات وفي مختلف المجالات، يتطلع من خلالها إلى اصطفاف المغرب ضمن الدول الأكثر تقدما وتطورا. ولذلك كانت رؤية جلالته تتمركز حول العنصر البشري باعتباره الثروة الحقيقية للمغرب، في خطاب وجهه جلالته إلى الأمة بمناسبة الذكرى الـ61 لثورة الملك والشعب، يقول فيه جلالته؛ ” يظل العنصر البشري هو الثروة الحقيقية للمغرب، وأحد المكونات الأساسية للرأسمال غير المادي، الذي دعونا، في خطاب العرش، لقياسه وتثمينه نظرا لمكانته في النهوض بكل الأوراش والإصلاحات، والانخراط في اقتصاد المعرفة، وإن ما حققه المغرب من تقدم، ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج رؤية واضحة، واستراتيجيات مضبوطة” .

وبهذا التوجه الملكي يكون” المغرب قد عرف مند أزيد من عقدين من حكم جلالته تنفيذ سلسلة من الأوراش التنموية المستدامة، شملت مختلف المجالات، كما شكلت هندسة اجتماعية تضامنية شاملة الرؤى تتوخى في جوهرها جعل المواطن ضمن الأولوية الكبرى في مسلسل الإصلاح الشامل،برؤية ملكية تضامنية للمجال الاجتماعي والاقتصادي، إذ اعتمدت احدث النظم والأساليب التدبيرية مع القدرة على التأثير و تحديد دقيق للمؤشرات كل ذلك وفق آلية الحكامة المجالية”. وإحداث المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي ساهمت في تغيير وجه المغرب من خلال مواكبتها لجميع التحولات الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما جعلها تحظى بإشادة المنتظم الدولي، لما لعبته من أدور مهمة و فعالة في خلق آلية للتعاون و التضامن المجتمعي واسعة النطاق . وكان ورش الحماية الاجتماعية الذي أطلقه ملك البلاد مؤخرا بمثابة صمام أمان لمستقبل المغاربة الذين يعيشون هشاشة اجتماعيةراكتهاالسنين الماضية.

 ويعد ورش إصلاح الأسرة “إصلاحا تاريخيا” مكن الأسرة المغربية من الحفاظ على تجانس ووحدة العش الأسري في ظل مدونة الأسرة التي احترمت معايير القيم الكونية واحتفظت أيضا بقيم الإسلام المعتدل، وهو ورش استهدف بناء أسرة قوية بجيل يفكر برؤية مغرب المستقبل. و المغرب الذي يمتح أصله من العمق الإفريقي والعربي أيضا، استطاع أن يكون شريكا دائما في خلق دينامية اقتصادية وفق منظور تضامني مع باقي شعوب القارة السمراء، والمنطقة العربية كذلك. وفي هذا السياق، أكد جلالته في خطاب له “بأبيدجان ” بمناسبة الملتقى الاقتصادي، ” أنه من الأجدر أن “تفيد ثروات بلدان القارة شعوبها بالدرجة الأولى” 

وتنزيلا للرؤية الملكية فيما يتعلق بعلاقة المغرب بأفريقيا، أبرمت المملكة، حوالي ألف (1000)اتفاقية همت مختلف مجالات التعاون. فيما عزز أكثر شراكاته مع الدول العربية، وخصوصا الخليجية منها التي أبدت اهتماما خاصا لأوراش الإصلاح الكبرى التي تشهدها المملكة على مدى عقدين من حكم جلالته.

 وتمكن المغرب من تدبير الأزمة الصحية التي شملت العالم بأسره تدبيرا محكما من خلال استثمار التطور الذي لحق المجال الصناعي ببلادنا، بفضلمخطط تسريع التنمية الصناعية 2014- 2020 الذي يعد امتداداً لمخطط الإقلاع الصناعي لسنة 2005، وللميثاق الوطني للإقلاع الصناعي سنة 2009، وهي مشاريع ساهمت في إرساء صناعة قوية تمكنت من رفع نسبة مساهمة القطاع الصناعي في تدبير أزمة جائحة كورونا. بل أكثر من ذلك،استطاع المغرب أن يصبح مصنعا قاريا للكمامات، بـ 81.9 مليون كمامة مخصصة للاستهلاك المحلي، وصناعة 6.8 مليون كمامة يوميا في 17 مصنعا متخصصا في هذا المجال.

 ويعد المغرب اليوم رائدا في تحديث البنى التحتية للمطارات والموانئ و المنشآت العمومية و شبكة الطرق السيارة التي جعلت مختلف جهات المملكة مرتبطة متعاونة ومتضامنة مع بعضها البعض، كما يصنف المغرب اليوم نموذجا من خلال تشييده لأكبر محطة للطاقة الريحية في إفريقيا، وأكبر محطة للطاقات المتجددة في العالم(محطة نور للطاقة بورزازات).

كل هذه الأوراش تدفع إلى التأكيد على أن المغرب “يتحرك” بشكل جيد وبنبض “وطني” كبير وجاذب للخير و”ضامن” للمستقبل.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 39 = 46