ملاعب عائمة

بقلم – عبدالله أطويل

حسب حزمة من الروايات الشفهية لهواة التحليل في المقاهي، ومحبي الخوض مع الخائضين في أحاديث الكرة، متحدثين بإسهاب عن المباراة العائمة التي أجراها فريق الرجاء الرياضي ضد فريق تونغيت السنغالي، في ليلة ماطرة تحول فيها ملعب محمد الخامس الى برك مائية، وتحول معترك العمليات إلى مستنقع آسن للانزلاقات. قيل حسب زعم هذه الروايات أن الخطط والرسومات التكتيكية التي أعدها المدرب جرفتها المياة، وتقادفتها السيول إلى طريق غير مرمى الفريق السنغالي، فلم يبقى أمامه إلا التكيف، ودعوة لاعبيه إلى التكيف في مكان لم يعتادوا “التكيف” فيه، حين كان فريقه على الماء .

الكل تابع النزال المائي، الذي حضرت فيه كل أنواع السباحات، شاهدنا هذا يغطس هناك باحثا عن كرة أصرَّت أن تسقط سقوط حر على شاكلة الحجر، وآخر يُجَدِّف ملئ دراعيه سباحة ظهر أو فراشة. تبعا للبروتوكون الكوروني، ونحن نتابع من شاشة التلفاز المقابلة، بدا لنا لاعبو الفريقين وكأنهم مصطافون يسبحون، والحكم يجري بينهم كمعلم سباحة “ميتر ناجور”، يزفر في سافرته مندرا محدرا من الغطس في أماكن ممنوعة من الصرف الصحي. ملابسات القوة القاهرة كانت مكتملة الأركان عند الكل، إلا في مخيلة حكم المباراة الذي أسرَّ على إرغام الكل على السباحة حتى النهاية، ولسان حاله يردد، السباحة من أركان الكرة، وعدم إتقانها من مُبطلات المباراة.

انتهت المباراة، تأسف المتأسفون، ضربوا كفا بكف وانفضوا متحصِّرين. انزاحت غمامة النسيان، وتلبدت سماء الذكريات بغيوم النوازل. طفقت ذكرى ملعب تيزرت بإقليم تارودانت، الذي داهمته السيول وجرفته بمن حمل. وتذكَّر آخرون مباراة ملعب مولاي عبد الله، خلال كأس العالم للأندية، التي عُرِفت آنداك بفضيحة “الكراطة والسطل”. قيل تم فتح تحقيق ولم يغلق، استحضر المحقوقون لازمة “النسيان نعمة”. تمت جلسة من الجلسات، وبعد تلاوة البلاغ الختامي، رفع الرافعون أكف الدعاء مرددين “السبولة عطشانة اسقيها مولانا”. وقيل أن هؤلاء على نهجهم سائرون، ترددت لازمة، يسألونك عن الكرة فقل فيها منافع للناس وإثمها أكثر من نفعها، واعتبرها البعض “رجس من عمل الشيطان”.
سيُلقى بقميص عثمان على الحكم، لعدم توقيف المباراة، ومندوب المقابلة وصيفه في الإثم. وسوء الأحوال الجوية مدانة بالتسبب في إقصاء الفريق، وربما مدانة أيضا بانتحال صفة ضبطية والتشهير وفضح المستور من الصفقات المنفوخة، وتسويد بياض سجلات حسن السيرة. وربما قيل أن الفريق حضر بدون معدات سباحة، لتنال الأمطار براءتها كاملة. وعند أول إشراقة شمس، سيخرج “القنديل” لينال حظه من أشعة الشمس لطرد الرطوبة، ثم يتم رش معطر الجو في جميع المقرات والمجالس. ونعمة النسيان تقف إلى جانب صانعي حسن السيرة، ومداد تقارير افتحاص جيوب المسؤولين المفترضين سيتبخر قبل أن يجف على الأوراق.

أمطار المباراة ذَكَّرت المدرب بمباراة شبيهة خاضها قبل ثلاث سنوات على نفس الملعب في نهائي كأس إفريقيا للمحليين، حين أبت الزخات الرعدية والأمطار الغزيرة إلا أن تغيب عن مشاركة المنتخب فرحته بالفوز، واستمرت ترعد وتبرق وتمطر من سافرة البداية إلى ما بعد مراسيم التتويج. لكنه لم يعلم أن الملعب أصبح مصاب بضعف التصفية الكلوي، ويحتاج لحصص “الدياليز”. فالمصاب جلل وفي الليلة الظلماء غاب علال القادوس، وفي رواية أخرى قيل بأن “القادوس”، بات حل من الحلول عندما تذكر الراسخون في علم الحل والعقد، أن آخر الداء الكي. إذا تُلِيَ بلاغ لشركة الصيانة، في أولى أيام أبريل، وقيل فيه أن المركب يحوي نظام وشبكة تصريف هي الأحسن في افريقيا، فلا تقولوا آمين، حتى يُدبر فصل الشتاء إلى حال سبيله. فحبل الكذب قصير كما يقال.

أحدهم تحدث في اتصال هاتفي لأحد المحطات الإذاعية، وهو يقول بأن الفريق لم يستغل بعض الجهات في الملعب، دون أخرى، حيث دعَّم أطروحته بتفاوت منسوب البرك المائية، وذهب إلى أبعد من هذا حين تأسف عن عدم إطفاء إنارة الملعب لإجبار الحكم على الزفير في صافرته لتوقيف المقابلة. قبل إلحاقهم بأكاديميات الفرق، علموا أولادكم السباحة، وركوب أمواج البرك الأسنة، وتسديد ضربات الجزاء تحت الحزام بشبرين أو فوقه بقليل. فيوم السباحة يُعز المرء أو يهان.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


52 + = 61