المدرسة و”السوايع” تلميذ موقوف التنفيد أم زبون؟

بقلم – عبدالله أطويل

أضحت الساعات الاضافية أو حصص الدعم في مجموعة من المواد الدراسية خلال السلك الثانوي وخصوصا منه السنة الاشهادية، أمرا ذا أولوية بل يمكن القول أنه بات أمر حتمي لدى السواد الأعظم من الأسر المغربية، بحيث أنه مع بداية كل موسم عُدَّ البحث عن التسجيل في حصص الساعات أو ما يعرف بين العامة “بالسوايع” من الأولويات ويمكن أن نقول جازمين أنه أخد له الحيز الأكبر في مفكرة وانشغال الأسر قبل التفكير في اللوازم الدراسية وما إلى ذلك. بدون الحاجة للتأكيد سواء بالمدن والبوادي فإنك تجد تلاميذ الثانوي التأهيلي وخصوصا منهم متمدرسو السنة الثانية باكالوريا، خاصة في الشعب والمسالك العلمية، تجدهم عن بكرة أبيهم يترددون عن الساعات الإضافية الليلية، منهم من فعلا يحتاجها، وفي هذه الحالة يمكن اعتبارها تربويا هي حصص إضافية للدعم، وفئة أخرى قد يكون مستواها جيداً ومع ذلك تقبل على هذه الحصص، هذه حالة يمكن أن نعتبرها تبحث عن التقوية أو التميز. وهناك بعض آخر يمكن أن يكون متميزا لا يحتاج لدعم ولا لدروس تقوية ومع ذلك تجده من أول المنكبين على هذه الحصص.
بهذا المستهل يمكن أن نزعم أن الساعات الإضافية صارت مطلبا للكل، او سلعة يتهافت عليها المتهافتون في سوق نشيطة، ويمكن من هذا المنطلق نعتها بالظاهرة الإجتماعية عوضا عن نعوت أخرى. تاريخيا وعودة بنحو عشرين سنة للوراء، لم تكن المؤسسات التي تختص بهذه الأمور متواجدة بالحدة التي بها الآن، حتى وإن كانت في الماضي القريب فإنها كانت بشكل قليل وزبناؤها هم فئة معينة من التلاميذ. لكن اليوم تغيرت الأمور رأسا على عقب وأضحت هذه الحصص الإضافية (السوايع) ملاذاً لكل الفئات من الضعيف والمتوسط إلى المتميز مرورا بالجيد.

لا يمكن ان يخفى على أحد التواجد الرهيب لمؤسسات ومحلات وأحيانا مجرد “دكاكين” وفضاءات تعرض خدمات متنوعة في هذا المجال، وتنافسَ المتنافسون في الترويج لذلك بصناعة كل الأشكال الإشهارية الممكنة، حينما نتحدث عن ترويج لعرضٍ أو إشهار له، فإننا نكون بنية أو بدونها قد أُقحِمنا أو بالأحرى اقتحمنا عالم الإقتصاد والمال “Marketing” من أرحب أبوابه، والتداول انداك في هذا الموضوع هو تداول بما جادت به قواميس ومعاجم الإقتصاد من مفردات، بهذا تكون جملة من المفاهيم ذات المدلول الاقتصادي حلت مستنبتة بكل ثقلها، محولة معها موضوع الساعات الإضافية من نبل القيم التربوية والمبادئ اللامادية نحو غياهب الإقتصاد والمال والربح، وطبعا هنا يصبح كل شيء له مقابل مادي. وبذلك يصبح مصطلح الزبون هو الأصح عوضاً عن المتعلم أو التلميذ، أما المعرفة المقدمة فلا تغدو أن تكون مجرد سلعة أو بضاعة تم تقييمها بقيمتها المادية. إذا كان عالم الاقتصاد لا يؤمن بالقيم والمبادئ الأخلاقية ولا يراعي في ذلك إلاًّ ولا دِمَّة، فلنا أن نتأمل في تسليع التعليم وحشوه في زي منطق السوق والربح والكساد. فإن لم نجزم في كون هذا الموضوع أمسى تجارة لا يُعْرَف لها كساد، فإننا نجزم حد اليقين أن الساعات الإضافية هي أختها من الرضاعة.
إن راودك شك في هذا فيكفيك زيارة أقرب مركز للساعات الاضافية، والأخد في تبادل الحديث بنِيَّة التسجيل للإستفادة من الدروس الإضافية، ولك أن تسمع بمسامعك من المفردات من قبيل لدينا عرض بالثمن كذا وفيه المادة الدراسية كذا، وهلم جر…..، ولك أن تسمع أيضا أن الحركة تتسم بالركوض، أو أن تسمع أيضا على سبيل المثال لا الحصر أن المنطقة الفلانية أو الحي الفلاني فيه انتعاشة مقارنة بمنطقة أخرى، وهكذا دواليك من التعابير الاقتصادية الصرفة والمتداولة في موضوع تربوي هدفه الأسمى التربية على القيم والتكوين.

في خضم مواصلة التفصيل في هذا الموضوع وما يتسم ظاهره وباطنه من عشوائية جلية، فلو نسينا شيئا فلا ننسى التطرق لكفاءة الأساتذة أو من لف لفهم من عدمها.
كثرت المزاعم و الإدعاءات حول كفاءة هذا في الساعات الإضافية وقدرات خارقة لذى آخر، وثالث يزعم بمزاعم من قبيل أنه بإمكانه تقديم تلاخيص شافية وكافية تغني التلميذ (الزبون) شقاوة تحمل عبئ المقررات والدروس المفصلة، طبعا كل هذا لتلميذ في أغلب أحواله لا يقوى على حمولة البرامج والكم الكبير من المعلومات.
فالحديث عن كفاءة الاساتذة أو المحسوبين على هذه الفئة ومن معهم من لفيف، هو في حد ذاته موضوع متشعب قد تحتاج معالجته وتناول موضوعه لمقالات، وفي ذلك فليدون المدونون، إذا كانت فئة من الأساتذة الممتهنين للساعات الإضافية غير مشكوك في كفايتهم، وهذا أمر جيد ولا ضرر فيه إن لم تكن فيه من الإفادة، فالأدهى والأَمَرُّ، بل الأشد بأساً وتنكيلا، هو انتشار فئة من الممارسين يقدمون أنفسهم أنهم أساتذة متخصصون، في حين أن أغلب هؤلاء لم يسبق له أن خَطَى خطوة واحدة في رحاب جامعة أو أعتاب كلية ومعهد، منهم من بالكاد حاصل على شهادة الباكالوريا، لم يجد شغلا يشغله فامتهن التدريس في الساعات الإضافية، قد يكون من دون أدنى إلمام بالتوجيهات الديداكتيكية الوزارية والأطر المرجعية، طبعا زاده الوحيد هو رصيد تصيده من أعطاب نظام تعليمي يسير على عجلات متقوبة، وخصوصا من أساليب تقويمية متكررة ونمطية حد التلويك تقدس القدرات المعرفية الكمية أكثر من التنمية المهارية. إذن الى جانب المناهج التعليمية الثقيلة من حيث الحمولة المعرفية لا المهارية، فطريقة التقويمات المعتمدة تزيد هذه الحصص الإضافية الليلية استفحالا، وتدقيقا الحديث هنا عن التقويمات الإشهادية الجهوية والوطنية. بحيث أن هذه التقويمات ظلت ومنذ عهد قديم تتسم باختبارات تحتم على المتعلم استحضار معارف ومعلومات كمية، على الرغم من توجه الوزارة الوصية إلى اعتماد بيداغوجيا الكفايات والمقاربة بالمشروع، إلا أن التقويمات ظلت في عمومها كلاسيكية تعتمد تراكم الكفايات المعرفية، ضف على ذلك المناهج التي أصيبت بالترهل، وكترت تجاعيدها نتيجة الشيخوخة.

إذا كان الأستاذ ملزم بالتدريس وفق التوجيهات التربوية العامة والبرامج الخاصة وباعتماد أطر مرجعية، وتلقى في ذلك تكوين، فيضل التدريس في الساعات الإضافية يعتمد على تحضير ميكانيكي أو برمجة شحنية للتلميذ فقط حسب ما يُطلب في الإمتحانات السالفة الوصف وإعداد تلاخيص للدروس، طبعا في تغييبٍ تام لخطة أو استراتيجية تربوية وديداكتيكية. هذه عوامل تجعل التلميذ ينفر أحيانا من الحصص المدرسية الرسمية ويحضرها خشية الغياب، ويفضل حصص الساعات الإضافية الخصوصية، لأنه في هذه الحالة يكون قد وجد ضالته فيها.
إذا ما سلمنا بأمر الساعات الإضافية وحضورها اليومي في أجندة تلميذ الثانوي التأهيلي، وبعملية حسابية بسيطة بجمع ساعات المدرسة نهارا مع الحصص الإضافية الليلية، وقد تمتد حتى يومي السبت والأحد وربما أيام العطل، فسيتبين لنا بالدليل القاطع والبرهان الساطع أنه إجهاز على الوقت الثالث للمتعلم، وما لهذا الوقت من أهمية بالغة في اكتساب وصقل مهارات متعلقة أساسا بأنشطة ثقافية وفنية ورياضية خارج زمن الدراسة، وبهذا قد يصل الأمر حد استنزافٍ للقدرات الذهنية للتلميذ.

بشكل أو بآخر يمكن التأكيد على طرح، مفاده أن هذا التطبيع، بل الإنتشار الرهيب للساعات الإضافية أو الدعم والتقوية، يمكن أن يؤثر بشكل سلبي، ولعل أبرز تجلياته نقصان منسوب الثقة من طرف جل أطياف المجتمع في نظرتهم للمدرسة المغربية. ولعل أن ينسب تفوق متوفق لفضل الساعات الإضافية دون أدنى جميل عرفان بدور المدرسة وما أسدته، لخير مثال على ذلك، فحيث ما انتشرت هذه الفكرة فهي لا محالة تعد إسفين من الأسافين الكثيرة المدقوقة تواليا على نعش الثقة في المدرسة.
بالاختصار المفيد وإذا ما اعتبرنا هذا الموضوع شر لا بد منه حسب منظور البعض، أو فيه منافع للتلميذ من زاوية البعض الآخر، أو رجس من عمل الشيطان حسب زاوية نظر تلة ثالثة، فإن الساعات الإضافية سواء كانت للدعم أو للتقوية أو هما معا، فإنه أصبح من الواجب التفكير في تقنينها، وتنظيم تدبيرها وفق ماهو تربوي وبيداغوجي حتى تكون ثمارها ايجابية على التلميذ ولا تكون بمثابة واو عمرو، أو أخطر من ذلك حين تغدو ورم ينخر الجسم التربوي المحتضر، ووصفة من شأنها تسريع قيادته للهلاك السريري.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


89 − = 84