مغربيات على حدود الموت

انجازهند السباعي الإدريسي

مضطرة للعمل في “الديوانة” حتى لو لم يعد هناك عمل تقول زبيدة  وهي إمرأة في عقدها الثالث  جلست تندب حظها بعد أن قرر المغرب توقيف التهريب :  ” لدي ثلاث أبناء صغار بحاجة للأكل والحفاضات بالإضافة للكراء والماء والكهرباء زوجي لا يعمل فهو مدمن مخدرات غالبا ما يكون بالسجن بسبب التعاطي، من سيعيلني أنا وأبنائي؟ لا أحد سيدق بابي فأنا يتيمة الأب والأم ، لقد اغلقوا المصدر الوحيد الذي كنا نسترزق منه”. 

بين الموت دهسا تحت الأقدام و لأثقال أو التدحرج من المنحدر توفيت تسع نساء منذ 2009 هذا العدد فقط للقتلى الموثقين الذين ماتوا على الحدود مباشرة ولا يوجد أي معلومات عن ما بعد الإصابات بالجروح وأزمات التنفس والتعرض للضرب وحالات الإجهاض التي تصاب بها الحمالات أو “البراݣديات” وهو الإسم المحلي الذي يطلق على من تعمل عتالة في “الديوانة”  كما يطلق عليها أهل المنطقة أو بباب سبتة و هو المعبر الحدودي الفاصل بين مدينة سبتة ومدينة الفنيدق.

و بصوت مرهق ممزوج بالحزن توضح زبيدة ” نعم رغم اننا كنا نتعرض لكل ما يمكن تصوره من سب وضرب من قبل رجال السلطة بالحدود من الجانبين،  أوضاع مهينة من تحرش جنسي و المبيت في العراء فالمكان محاذي للبحر البرد يكون شديدا في فصل الشتاء خلال الليل والصباح الباكر، لقد أصبت بالتهاب رئوي أخبرني الطبيب أن أتوقف عن هذا العمل وإلا تضاعفت حالتي الصحية لا أستطيع،  مضطرة الى المبيت بهذه الظروف و الالتزام بالصف  وإلا فقدت مكاني  فعدد الحمالات كان كبيرا جدا، إلا أنني افضل كل هذا على ما أعيشه اليوم من جوع وحاجة أنا وأسرتي”.

الضحايا الذين سقطوا في صفوف العتالات، قتلتهن  لقمة العيش والظروف التي  فرضت عليهن،  فهؤلاء النسوة العتالات  وجدن أنفسهن ضحايا للفقر والعوز والحاجة ثم ضحايا  لقوانين دولية وأباطرة التجارة و التهريب على حدود معبر باب سبتة شمال المغرب بين إقليم تطوان و مدينة سبتة المحتلة  الخاضعة للسلطات الإسبانية. 

يقدر العدد الإجمالي للحمالات حوالي 20000 حمالة على حسب تقرير سابق لمنظمة  برو لحقوق الإنسان الأندلس الإسبانية. تبقى دقة عدد النساء اللاتي يؤدين هذا العمل فقط تقديرية بناء على الدراسات الميدانية في غياب إحصاءات رسمية سواء من قبل السلطات الإسبانية أو المغربية، لعدم وجود ضوابط حسابية ولا حتى ختم لجوازات سفرهن عند عبور الحدود. 

الوضع الجيوسياسي والتشريعي  للمنطقة

تعتبر مدينة سبتة  المتمتعة بالحكم الذاتي،  منذ إصدار النظام الأساسي للحكم الذاتي بقرار البرلمان الإسباني سنة 1995، الى جانب مدينة مليلية من الأقاليم الأوروبية الوحيدة في القارة الأفريقية.  لكن المملكة المغربية لا تعترف ولا تقبل بوجود حدود و تعتبرهما جزء لا يتجزأ من التراب المغربي،  كما أن سكان سبتة ومليلية من أصل مغربي  يتمتعون بكامل الحقوق كمواطنين داخل المغرب.

منذ الموافقة على المرسوم الملكي الإسباني الصادر في 13 يناير 1860، تتمتع سبتة  بامتياز الإعفاء من الرسوم الجمركية على البضائع التي تدخل المدينة المستقلة  التي لا يمكن إدخالها إلا عن طريق البحر عبر ميناء سبتة الحر. تخضع السلع التي تدخل سبتة للضريبة فقط من قبل ضريبة التحصيل البلدية وضريبة الإنتاج والخدمات والاستيراد” IPSI” هي ضريبة معادلة لضريبة القيمة المضافة ، مع اختلاف أن معدل الضريبة فيها أقل من ضريبة القيمة المضافة التي تتراوح بين 0.5٪ و 10٪ كحد أقصى.

انضمت إسبانيا في 25 حزيران/يونيو 1991 الى اتفاقية “شنغن” وفي التصديق تضمن بروتوكول الاتفاق إعلانا بشأن سبتة ومليلية ، الذي ينص في البند الإضافي ، الجزء الثالث ، المادة 1 (ب) على ما يلي: “نظام الإعفاء من التأشيرة المحدد لحركة المرور الصغيرة عبر الحدود بين سبتة ومليلية ومقاطعتي تطوان المغربية و الناظور (BOE، رقم 81 ، بتاريخ 5 أبريل 1994: 3).

نتيجة تطبيق هذا البند من اتفاقية شنغن فإن مواطني تطوان  و الناظور يحتاجون فقط إلى جواز سفر صادر في ولاية تطوان أو الناظور، و لا يحتاجون إلى تأشيرة لدخول مدن الحكم الذاتي ولكن مع بعض القيود ، لأنه لا يستطيع السفر إلى شبه الجزيرة ولا يمكنه قضاء الليل في المدن. المبرر هو أنه يمكنهم الدخول إلى سبتة أو مليلية  فقط للعمل أو لإجراء عمليات الشراء.

هذا البند لا يخص فقط مرور الأشخاص فحسب ، بل كان أيضًا مشروطًا بشكل خاص بتدفق البضائع بين المنطقتين   ولكن بالإضافة إلى هذا الاتفاق ، هناك شرطان قانونيان من ناحية ، ألا تكون سبتة جزءًا من الاتحاد الجمركي الأوروبي، حيث طلبت غرفة تجارة سبتة عندما دخلت إسبانيا السوق الأوروبية المشتركة (EEC) عدم الاندماج لمواصلة الحفاظ على حالة ميناء سبتة الحر والاحتفاظ بالمزايا الضريبية.

أما من الجانب المغربي يعتبر  مرسوم القانون  رقم 1-77-339 المؤرخ 9 أكتوبر  1977 الذي ينظم دخول البضائع إلى المغرب ، على أنه يمكن للشخص إدخال البضائع إلى إقليمه طالما حملها على جسمه ، دون تحديد الوزن أو الكمية المسموح بها واعتبارها كأمتعة يدوية لا يتم دفع رسوم جمركية عليها. إضافة الى هذا لا يوجد اتفاقيات تجارية  ولا مكتب جمركي بين المغرب وسبتة، لعدم اعتراف المغرب بالسيادة الإسبانية واعتبارها دولة محتلة وبالتالي لا يمكن الاستيراد منها بشكل قانوني.

معبر باب سبتة

عند الوصول الى المعبر الحدودي باب سبتة  وقبل ذلك عند المخرج  الوحيد لمدينة الفنيدق  يبدأ ظهور صفوف طويلة من السيارات كما يوجد صفوف طويلة  أخرى تخص العتالات كل هؤلاء ينتظرون دورهم لعبور الحدود ويمكن أن تصل مدة الانتظار إلى خمس ساعات وربما أكثر أو أقل بالنسبة للسيارات أما العتالات أصبحن يتأملن السماح لهن بالعبور حتى لجلب سلع بسيط رغم أن إمكانية نزعها من قبل الجمارك المغربية عند خروجهن بعد أن قرر المغرب منع التهريب.  

معبر باب سبتة أو “حدود الطرخال” كما تسمى من الجانب الإسباني هي نقطة العبور القانونية الوحيدة المؤهلة لدخول وخروج المركبات و الأشخاص  من مدينة الفنيدق إلى سبتة والعكس.  على حسب تقرير منظمة برو لحقوق الإنسان الأندلس الصادر سنة 2016، و منظمة برو لحقوق الإنسان الأندلس الإسبانية والمعروفة باختصار” APDHA” هي منظمة خاصة غير ربحية تأسست في عام 1990 و ذات منفعة عامة ، تنبني على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أعلنته الأمم المتحدة في عام 1948 .على الرغم من أن نطاق و منطقتها المباشرة للعمل هي الأراضي الأندلسية، نشاطها يمكن  أن يصل لنطاق عالمي .  يقدر” عدد الأشخاص الذين يعيشون من التهريب عبر المعبر ب 45000 شخص ، أما عدد الحمالات  يصل إلى 9000 حمالة  يمثلن تقريبا 45% من الأشخاص يعبرون باب سبتة ، والذين يتراوح عددهم ما بين 20 ألفا و25 ألف شخص، يوميا،فيمايبلغ عدد السيارات التي تعبر يوميا بحوالي 15000 سيارة. لدى حدود الطرخال بنية تحتية سيئة للغاية لاستيعاب الحركة اليومية لعابري الحدود على حد سواء الراجلين أو المركبات. الحدود في حد ذاتها ضيقة، من الجانب المغربي هناك أربع ممرات ضيقة تنقسم إلى قسمين، – واحد للذهاب والآخر للعودة- عند الوصول إلى الجانب الإسباني. بنية تحتية صغيرة وقديمة بالمقارنة مع عدد السيارات التي تعبر يوميا الحدود.

أنظمة الأمن ومراقبة الحدود لا تستطيع التكيف مع التكنولوجيا الحالية أو حجم الناس والسيارات المارة من حدود طرخال،  في غياب تام للمياه الصالحة للشرب والحمامات العمومية وأماكن الظل والاستراحة لفترات الانتظار الطويلة.  يوضح تقرير الحدود الأكثر تباينا في العالم أن الحدود بين اسبانيا والمغرب تحل المركز السابع، بينما، على سبيل المقارنة، الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك تحتل المركز السابع عشر”.

من الناحية الاقتصادية يعتبر معبر باب سبتة ذات أهمية اقتصادية لمدينة سبتة المتمتعة بالحكم الذاتي. وفي تقرير رسمي إسباني صادر في  2018 من قبل الحكومة المستقلة بمدينة سبتة ويعتبر سابقة،  إذ لأول مرة تقدم معطيات مماثلة تخص التهريب بمعبر باب سبتة “طرخال2” وحسب ما أوردته  صحيفة “elfarodeceuta” ، بلغت “قيمة التجارة الغير نظامية ب 266 أورو، وهو الرقم الذي يعادل 38.2% من عمليات الشراء غير الطاقية من الأسواق الخارج”. إذ تم نقل 27075 طنا من السلع إلى الجانب المغربي بواسطة  2090 حمالة و2538 حمالا في اليوم. بلغ مجموع البضائع التي نقلت بواسطة  الحمالات 12826 طنا إما عبر  ظهورهن أو أيديهن أو بواسطة العربات الحديدة الصغيرة، خلال 133 يوم وهو عدد الأيام التي كان فيها المعبر مفتوحا في وجه التهريب مشيا على الأقدام.  ويضيف التقرير أنعمليات الدخول والخروج من سبتة من قبل ممتهني التهريب بلغت 300 ألف عملية قسمت كما يلي،  النساء استعملن المعبر للولوج والخروج خلال 69 يوما، بينما استعمله الرجال خلال 64 يوما، علما أن الحكومة الإسبانية تخصص يومي الاثنين والأربعاء للنساء والثلاثاء والخميس للرجال.

أما من الجانب المغربي فيقدر المدير العام لإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، نبيل لخضر قيمة البضائع المهربة سنويا من معبر باب سبتة ما بين 600 و800 مليون أورو، ما يكبد الاقتصاد المغربي خسائر تعادل 300 مليون أورو سنويا على شكل ضرائب تخسرها الخزينة العامة المغربية.

سألنا  الباحثة الإسبانية بمنظمة برو لحقوق الإنسان الأندلس الإسبانية (APDHA)  كريستينا فوينتيس لارا عن رأيها في حوادث الوفيات في صفوف الحمالات : “في رأيي، أعتقد أن موت النساء الحمالات يعد جريمة في حقهن. وهي جريمة مقصودة لأن سلطات البلدان المسؤولة والاتحاد الأوروبي على دراية بوضعية النساء الحمالات. الإجراءات السياسية المتعلقة بهيكلة معبر طرخال الحدودي لم تفعل شيئًا سوى تأزيم وضعية الحمالات.

من خلال الحديث  مع “كريم” اسم مستعار وهو رجل متوسط العمر يعمل وسيطا بين تجار سبتة والفنيدق،  وجهنا له سؤال من هم تجار وزبائن مجمع طرخال : “رد بلهجة المنطقة ” بزناسة لكبارين”  و يعني مهربين  كبار  على رأسهم الصين  مدريد إيطاليا وغيرها أي نتحدث عن تجارة دولية  بالإضافة إلى تجار سبتاويون  و تجار مغاربة من الإقليم و من طنجة والدار البيضاء ومدن أخرى والسلع لم تعد توزع فقط في المغرب بل تصل  إلى دول إفريقيا جنوب الصحراء “.

سبق لصحيفة “الباييس” الاسبانية  أن نشرت بموقعها الإلكتروني 20 غشت\أغسطس  2010 مادة بعنوان “مهربون صينيون في سبتة” تشير إلى أن الصين أصبحت من الدول المهمة التي تمتلك بضائع ومخازن بمجمع طرخال.

وتعليقا على الموضوع  يقول الصحفي محمد سعيد السوسي وهو ناشط حقوقي خبير بالشأن المحلي : “طبعا لا يمكن الجزم بأسماء حقيقية لأباطرة التهريب الكبار لأن العملية معقدة يتداخل فيها أكثر من طرف وجهة، غير أن المعروف هو تركيز التحكم في التهريب عبر معبر سبتة في يد بضع أشخاص، الذين يوزعون السلع بدورهم على وسطاء ليقوم الآخرون بتوزيعها على المهربين الصغار الذين يطلق عليهم الحمالات أو الحمالون.  وتختلف جنسيات المتحكمين في التهريب بين الجنسيتين المغربية والإسبانية، غير أن أغلبهم سبتاويون من أصول مغربية.

“عمل العتالات كان دائما أنثويًا”  توضح الباحثة لورا ” وتقليص أيام دخول النساء إلى يومين في الأسبوع – الاثنين والأربعاء – وفرض دخول 2000 امرأة يوميًا، لم يؤدي إلا إلى تأزم ظروف عملهن وإجبارهن على قضاء الليل في محيط المعبر الحدودي منتهكين بشكل كبير حقوقهن الإنسانية. هذه الإجراءات أدت إلى التدافع واستعمال العنف مما تسبب في موت أكثر من سبع نساء منذ فتح معبر طرخال الثاني في 27 فبراير\شباط 2017.”

تجدر الاشارة   إلى أن السلطات الإسبانية وعلى مدى سنوات تقوم ببعض الإجراءات  و الإصلاحات كتخصيص أيام خاصة بالنساء وأخرى بالرجال وفتح ممرات لتحسين الوضع بمعبر “طرخال” كما يحصل حاليا فهناك أشغال جارية  لتوسعة الطريق   وتحسين مدخل مدينة سبتة.

أما  عن ردة فعل الجهات الحكومية والحقوقية الاسبانية عند سقوط ضحايا،  أشارت    الباحثة الاسبانية فوينتيس لارا  : ” المشكلة لا تقتصر فقط في التعامل مع مسألة موت النساء الحمالات، بل الخطورة تكمن في الوكالات الحكومية والمدافعين على حقوق الإنسان الذين يسلطون الضوء ويهتمون بالموضوع فقط عند حدوث هذه الحالات، وفي باقي الأوقات النساء الحمالات لا يكون لهن وجود لا في الأجندة العامة ولا السياسية.” 

نشير أننا حاولنا التواصل عبر مراسلات الكترونية مع جهات مدنية أخرى وحكومية إسبانية للتعليق على الموضوع ولم يصلنا أي رد.

مدينة  الفنيدق التي تقع جنوب المعبر بحوالي 3 كلم،  أو كما يطلق عليها أهل المنطقة “كستي يوخو” وهو إسم إسباني،   يبلغ عدد سكان الفنيدق 60 ألف نسمة حسب المندوبية السامية للإحصاء،  تضم المدينة عشرات الأسواق  و محلات تجارية  تقدر بالآلاف بالإضافة إلى المئات من الباعة المتجولين، لا يعرف عددهم بالضبط لغياب إحصاءات رسمية.  تعتبر  هذه المحلات والأسواق مصدر عيش للعديد من التجار و الأسر المغربية،  فمحلات الفنيدق معظم بضائعها كان مصدرها سبتة بالإضافة إلى البيع بالتقسيط كانتتعتبر نقطة توزيع للبضائع  بالجملة على باقي مدن المغربلكنها اليوم اصبحت شبه خالية من زوارها.  

و بخصوص تدفق عشرات الأطنان من المواد المختلفة خاصة الغذائية على الأسواق المغربية يوضح السوسي: ” بالتأكيد هناك تأثير على الإنتاج المحلي والمقاولات المحلية، فمثلا هناك العديد من المصانع التي اضطرت للإقفال بسبب المنافسة التي تلقاها من طرف السلع المهربة، يمكن زيارة أي سوق في شمال المغرب للوقوف على حجم المعاملات المالية التي تذهب لفائدة السلع المهربة وبالتالي تخسرها الدورة الاقتصادية الوطنية والخزينة العامة وهذا الأمر يمثل خسارة كبرى للاقتصاد المغربي.

كانت  مدينة الفنيدق إلى وقت قريب تعرف إقبالا منقطع النظير من قبل السياح المغاربة  من مختلف الطبقات الإجتماعية الذين يحجون إليها  خصوصا في موسم الصيف بحثا عن بضائع أوروبية بأثمنة مناسبة مقارنة مع باقي أسواق المدن الأخرى. وحسب تقرير للمندوبية الإقليمية للسياحة بتطوان لسنة 2018 قضى السياح المغاربة  50 ألفا و 940 ليلة مبيت بعمالة المضيق الفنيدق.

انتهاك حقوق الحمالات

انتهاك حقوق النساء الحمالات لا يقتصر على حمل الأثقال، فهو يبدأ من  استغلال الحالة الاجتماعية والاقتصادية والأسرية المزرية  للحمالات . رحيمو إمرة في الخمسين من عمرها يبدو عليها التعب والإنهاك وهي تحكي عن الأسباب التي دفعتها لتصبح عتالة  :” لقد توفي زوجي و إبني البكر مصاب بالتوحد لا يستطيع مساعدتي فهو يلازم البيت وحالته غير مستقرة، لدي إبنة مطلقة بطفلين زوجها رحل بعد الطلاق لا ينفق على أطفاله حتى أنه لا يسأل عنهم، أنا المعيلة الوحيدة وهذا هو العمل الذي أمارسه منذ وفاة زوجي”. 

خلال الحديث مع العديد من الحمالات ،  تبين أن أغلبهن ينحدرن من وسط اجتماعي فقير فهن المعيلات الرئيسيات لأسرهن إما لأنهن مطلقات أو أرملات أو يرتبطن بأزواج ليس لديهم عمل قار أو مرضى أو مدمنين، كل هذا أمام انعدام فرص العمل بالإضافة إلى أن أ غلبهن أميات أو لم يكملن تعليمهن وهو ما يوافق وضعية نسبة من النساء  في المغرب كما جاء بآخر الإحصائيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط ، التي أكدت  أن أكثر من مليون أسرة مغربية تعيلها نساء فيما سجلت  نسبة البطالة ارتفاعا بصفوف النساء مقابل الرجال.  و أوضحت المندوبية أن واحدة من كل خمس نساء ربات الأسر تعيش بمفردها، و أن نسبة النساء اللواتي يعشن بمفردهن تمثل 20.9 بالمئة من ربات الأسر، مقابل 4.6 بالمئة من  الذكور.

و عن المخاطر التي تواجهها خلال عملها قالت رحيمو” المخاطر كثيرة تبدأ من الخروج  أو العودة في ساعات متأخرة من الليل أو الصباح الباكر قبل الفجر من و إلى  منازلنا  لنصل الى “الديوانة”  نعمل في ظروف صعبة ومذلة من انتظار لساعات طويلة بالمعبر ثم بشاطئ طرخال  و خلال كل هذا الوقت نتعرض لكل أنواع السب  والدفع و الضرب من طرف الشرطة الإسبانية و المغربية. بعدها نصل  الى مجمع طرخال  هنا الشرطة الإسبانية تكون قاسية جدا معنا إذا لم نلتزم بالنظام يستعملون الهراوات لضربنا، نحمل السلع على ظهورنا  ونجر العربات المحملة بحزمات السلع الثقيلة جدا، بالإضافة نقوم بارتداء أكثر من قطعة ملابس  لإخراج بضاعة أكثر،  لنأخذ عمولة إضافية فمتطلبات الحياة مكلفة، هذا يسبب ضغط كبير على الصدر بالإضافة إلى الأثقال على الظهر،  لقد أصبت بالاختناق أكثر من مرة واعتقدت أني سأموت،  هكذا يمتن الحمالات اختناقا عندما يكون التدافع وخاصة عندما تسقطين أرضا لا أحد سيساعدك. 

يتراوح العمر المتوسط للحمالات بين 20 و75 سنة يحملون حزما تبلغ أكثر من 50 كلم ويجرون عربات محملة بأزيد من 90 كلغ من البضائع، ومقابل كل شحنة هناك فوائد مالية تقدر بين 10 و30 أورو تختلف تبعا لوزن الحزمة وقيمة البضاعة المنقولة، بالمقابل يوجد 75% من الحمالات النساء مقابل 30%من الحمالين الرجال كما جاء ب(تقرير APDHA2016)

وتضيف  الحمالة رحيمو بعد تنهيدة عميقة ” إن أصعب شيء نواجهه  بعد الموت عندما تحجز السلع من قبل شرطة الحدود أنه يوم كارثي لأنه علينا دفع نصف ثمن قيمة  ما تم مصادرته أو العمل مجانا لتعويض السلع المحجوزة لإصحابها”.

بالإضافة إلى كل هذا و من الأشياء الحاطة بكرامة هؤلاء النسوة  يتم انتهاك حقوقهن الإنسانية حتى إعلاميا من قبل بعض وسائل الإعلام الإسبانية والغربية بصفة عامة عبر وصفهن ‘mule women’ بالإنجليزية والإسبانية “Las mujeres mulas” وتعني حرفيا باللغة العربية “النساء البغلات” .

إن الوضع السياسي والجغرافي والتشريعي  للمنطقة أدى إلى ازدهار نشاط التهريب واستغلال وانتهاك حقوق الحمالات. بالإضافة إلى الوضع الاقتصادي فمدينة سبتة لا تمتلك لا أنشطة زراعية ولا  تنمية صناعية.  المعدل الإجمالي  للعاطلين عن العمل في سبتة  11.1 ألف شخص 28.83 ٪في الربع الثالث من عام 2019 ،  يبلغ عدد سكان سبتة 85,209 نسمة وفقا لمسح السكان النشط الذي أعده المعهد الوطني الإسباني للإحصاء (INE).

نفس الوضع يعيشه إقليم تطوان فهو إقليم تنعدم فيه المناطق الصناعية وأغلب السكان نشاطهم الرئيسي يتمثل في التجارة التي يكون مصدرها البضائع الإسبانية. يذكر أن جهة تطوان طنجة الحسيمة  بلغت فيها نسبة البطالة 12.6% خلال الفصل الثالث من سنة  2019، وجاءت في المركز الرابع كأكثر جهة تعرف نسبة مرتفعة للبطالة من بين 12 جهة بالمغرب ، يبلغ عدد سكان إقليم تطوان 550347 نسمة وفقا للمندوبية  السامية للتخطيط.

إشكال بدون حل

في تصريح للسيد محمد بن عيسى رئيس “مرصد الشمال لحقوق الإنسان ” ONDH وهو من المطالبين بإلغاء و بشكل نهائي “التهريب المعيشي” وهو الإسم الذي يطلقه الإعلام المغربي على عملية التهريب  والمقصود أن الحمالون يهربون البضائع  من أجل أن يعيشون،  يقول : ” أولا لا يمكن أن نطالب بشرعنة ما لا يمكن شرعنته وهو التهريب كنشاط اقتصادي ممنوع يضر بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للآخرين من أشخاص ومقاولات، وبالتالي سنسقط في تناقض. كما  أنه يتم من أرض مغربية محتلة نطالب باسترجاعها. إذا لا يمكن أن يظل الاحتلال الإسباني يتغذى على مصالحنا ومآسينا من أجل الحفاظ على المدينتين ( سبتة ومليلية ) تحت حكمه. 

لو كان هناك مرحاض لما ماتت فاطمة” هكذا أدانت منظمة برو لحقوق الإنسان موت فاطمة. ب في 18/09/2019  بمحاذاة  معبر طرخال 2 ،  بعد سقوطها من منحدر خلال بحثها عن مكان متواري عن الأنظار لقضاء حاجتها البيولوجية، لغياب مرافق صحية. الراحلة أم لخمسة أطفال، وهي امرأة قروية تنحدر من منطقة أمسا إقليم تطوان.

يقول بنعيسى : “بالإضافة إلى الانتهاكات التي يتعرض لها ممتهنو  و ممتهنات التهريب فهي لا تعد ولا تحصى،  فهناك ما هو نفسي ومعنوي. وإذا ركزنا على ممتهنات التهريب فتبدأ من الاعتداء الجسدي من طرف بعض رجال الأمن المغربي والحرس المدني الإسباني ورجال الجمارك إلى السب والشتم والركل والتحرش وغيرهما … وصولا الى الوضعية اللاإنسانية التي تتمثل في مبيتهم في العراء في ظروف إنسانية مهينة مقابل دريهمات لا تغني ولا تسمن من جوع”.

الرسم البياني للوفيات تم التوصل إليه أثناء التحقيق عبر عدة أبحاث وجمع المعلومات من خلال ما نشر في العشر سنوات

بعد أقل من أسبوعين من وفاة فاطمة و في 4\10\2019 توفي الشاب يوسف. س حمال كان يبلغ من العمر عشرين سنة  فقط،  بعدما ظل في غيبوبة لمدة 48 ساعة إثر سقوطه من منحدر في معبر طرخال  الحدودي،  ليصاب بكسور خطيرة بمختلف أعضاء جسمه لم ينفع معها التدخل الطبي.  الأمر الذي دفع السلطات المغربية والإسبانية  إلى غلق الممرات الحدودية الخاصة بإخراج السلع من مجمع طرخال التجاري. وهذا إجراء يتم اتخاده في كل مرة تسقط فيها أرواح ممتهني التهريب المعيشي. 

و جوابا عن سؤالنا من يتحمل سقوط الضحايا عبر المعبر قال رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان  : ” الجميع يتحمل المسؤولية بمن فيهم السلطات المغربية والإسبانية .  سلطات المغرب لأنها غير قادرة على إيجاد بدائل تضمن حياة وكرامة هؤلاء النساء والرجال ممن تضعهم الحاجة والفقر بين مخالب شبكات التهريب. والسلطات الإسبانية المحتلة لأنها تتاجر في مآسيهم عبر التسويق  أنها تحترم حقوق الانسان وأنها تهتم بهم في حين  أنها تنعش اقتصاد المدينة المحتلة وتحافظ على ” انتعاش اقتصادها ” من وراء مآسيهم.

في كل مرة يتم فيها إغلاق الممرات الحدودية الخاصة بالتهريب تحصل أزمة واحتجاجات من الجانبين المغربي والإسباني لأن الآثار تكون وخيمة على التجار و ممتهني التهريب المعيشي في ظل غياب أي بديل. فمنذ  منتصف شهر أكتوبر\تشرين الأول  المعبر شبه مغلق.

يوم 7 \10\2019  أعلنت السلطات المغربية للوفد الحكومي في سبتة أنها منعت “اللوز” و المنتجات القابلة للتلف ، خاصة التونة ومنتجات الألبان ، تسير أيضًا لتكون محظورة. كما أعرب عن اعتزامه إجراء تعدادا للحمالين حتى يتمكن فقط أولئك المعرضون لخطر الفقر من مواصلة العمل. 

إثر هذه الإجراءات من قبل المغرب، طلب رجال الأعمال في مجمع طرخال، والذين يتم تخزين البضائع المخصصة للتهريب في مستودعاتهم ، من الوفد الحكومي السبتاوي أن يطلب من محاوريهم المغاربة وقفًا مؤقتًا للقرار حتى يتسنى لهم تفريغ مخزوناتهم من المواد الممنوعة. لكن السلطات المغربية رفضت الأمر. ليتخذ تجار مخازن  مجمع طرخال التجاري القرار بغلق المخازن، لأنهم كانوا مقتنعين بأن الاحتجاجات الجماعية للحمالين ستجبر الجمارك المغربية على التراجع عن القرار، وفقًا لمصادر مطلعة على الاتصالات التي أجراها مع وفد الحكومة، وفقا لما نشر في صحيفة elconfidencial.

موت حمالين في فترة وجيزة بالإضافة إلى منع السلطات المغربية لبعض المواد من الدخول، علاوة  على أن نفس الفترة عرفت إجراء الانتخابات  التشريعية الاسبانية التي أجريت في 10\11\2019 و عرفت فوز حزب فوكس الإسباني اليميني المتطرف بالمقعد البرلماني الوحيد في مجلس النواب الإسباني المخصص لمدينة سبتة .

كل الأحداث  السابق ذكرها جعلت سلطات الجانبين تتخذ إجراءات صارمة وشديدة على عملية الولوج والخروج للأشخاص والبضائع عبر معبر باب سبتة الحدودي. والنتيجة احتجاجات واجتماعات وضغط  من قبل  اتحادرجال الأعمال و جمعية التجار على حكومة  سبتة  المستقلة  و مطالبتها بتعويضات عن الخسائر التي تكبدها تجار مجمع طرخال جراء التوقف الشبه تام  لخروج السلع من مخازنهم ومنع السلطات المغربية أنواع معينة من البضائع من العبور.

في حين كشفت المنظمة الحقوقية للدفاع عن حقوق العمال  بسبتة أن المدينة فقدت تقريبا 2000 منصب شغل بسبب التوقف  الشبه تام لخروج البضائع عبر الحدود و الحصيلة مرشحة للارتفاع خلال الأشهر القادمة إذا استمر الأمر.مدينة سبتة لا يتمركز نشاطها  الرئيسي فقط في تصدير السلع إلى  المغرب عبر التجارة الغير نظامية بل أيضا تعتبر سياحة التسوق التي يمثل المغاربة من الطبقة المتوسطة والغنية أهم زبائنها أحد أهم الانشطة الاقتصادية للمدينة، فالتشديد وعرقلت دخول المغاربة والغلق الشبه تام للمعبر أدى إلى أزمة على مستوى الرواج بمراكز التسوق والمطاعم والفنادق. 

أما صحيفة إل بويبلو” الصادرة بمدينة سبتة، اعتبرت توقف عمليات التهريب بمعبر طرخال “بالأزمة” التي ترخي بظلالها على العلاقات بين البلدين الجارين.

من الجانب المغربي أصدرت الكتابة الإقليمية لحزب  العدالة والتنمية بعمالة المضيق الفنيدق بتاريخ 18\11\2019   حول الأوضاع الإجتماعية، من بين ما جاء فيه “ضرورة إيجاد حل وبديل لممتهني التهريب المعيشي، ومعالجة الأمر بشكل تشاركي قبل الإقدام على أي قرار أحادي ينعكس سلبا على الطبقة الهشة من ساكنة العمالة. و ضرورة التفكير في الوضع التجاري بمدينة الفنيدق خصوصا وباقي مدن العمالة والذي يتأثر بشكل كبير بالوضع العام بباب سبتة.”

في ما عرف مدخل معبر باب سبتة  وقفة احتجاجية كبيرة يوم 26\11\2019 لممتهني التهريب من الرجال والنساء بحضور أمني  مكثف،  مطالبين السلطات بإعادة فتح ،  من أجل استئناف عملهم في التهريب باعتباره المصدر الوحيد للدخل . ” لا يمكن الاستمرار بهذا الشكل” تقول فتيحة  بانفعال وهي أحدى العتالات المحتجات التي التقيناها خلال الوقفة ” ماذا يريدون منا؟ ألا يعلمون أن لدينا التزامات هناك فواتير الماء والكهرباء والكراء ومدارس أولادنا ولدينا أشخاص مرضا بحاجة للدواء  نحن بحاجة للأكل والشرب كيف سنعيش؟  الموت ب “الديوانة ” ونحن نعمل أفضل مليون مرة من الموت جوعا”.  

وبنفس التاريخ  وتزامنا مع الاحتجاجات كان  لفريق الاتحاد المغربي للشغل تدخلا بمجلس المستشارين بخصوص ظروف عمل النساء المشتغلات في نقل البضائع بباب سبتة.  وتعليقا على الموضوع موجها  لمصطفى الرميد، وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان، قالت فاطمة الزهراء اليحياوي، مستشارة عن فريق الاتحاد المغربي للشغل : “إغلاق المعبر كان سيصفق له الجميع لو تم اتخاذ إجراءات قبلية لإخراج المنطقة من الفقر والهشاشة و الإقصاء، لكن و للأسف تم في ظل غياب بدائل اقتصادية حقيقية، وفي ظل ركود اقتصادي تعيشه المنطقة، ما يعني و بكل بساطة عطالة وانقطاع مصدر الرزق الوحيد لهذه الفئة، ما سيؤدي إلى نتائج كارثية قد تكون فاتورتها الاجتماعية غالية. مطالبة في الوقت ذاته الحكومة بالتدخل من أجل تسريع التصديق على الاتفاقية 190 بشأن العنف والتحرش في أماكن العمل الصادرة عن منظمة العمل الدولية”.

و تساءلت المستشارة مخاطبة وزير حقوق الإنسان : “أين نحن من المواثيق الدولية المصادق عليها من طرف المغرب . واستنكرت “تعرض هؤلاء النساء لكل أشكال الذل و المهانة من سب وقدف و تحرش، هن نساء يشتغلن في ظروف ترجع بنا إلى عهد السخرة والعبودية، لكونهن يضطررن لكراء ظهورهن لحمل السلع، و تطلق عليهن، أوصاف تجردهن من إنسانيتهن و أدميتهن ، إنها لوصمة عار في جبين الحكومات المتعاقبة، واستمرار لنتائج السياسات العمومية اللاشعبية و اللاجتماعية”.

نفيا لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي و الإعلامين المغربي والإسباني، حول القرار الذي اتخذته السلطات المغربية بالإغلاق النهائي لمعبر باب سبتة “طرخال2  “في وجه التهريب.

أكد الناطق الرسمي باسم الحكومة الحسن عبيابة، خلال مؤتمر صحفي، عقب الاجتماع الأسبوعي لمجلس الحكومة يوم 5\12\2019 أن ”الأمور بالمعبر ستعود إلى نصابها قريبا، وكما كانت عليه سابقا” دون أن يحدد تاريخا معينا لفتح المعبر أو يعطي أي تفاصيل أخرى حول الإجراءات التي ستتخذها الحكومة المغربية لتحسين وضعية الحمالات.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق