كورونا.. عولَمَةٌ من نوعٍ آخر

لا تُشبه عَوْلَمةُ الكورونا العَوْلَمةَ التي اعتدنا مُساكنتها طوال العقود الماضية. فعَوْلَمةُ الكورونا اجتاحت العالَم كلّه في أقلّ من أربعة أشهر، من دون أن تنأى بنفسها عن أيّ قارّة أو جزيرة نائية أو حامِلة طائرات جاثمة في عرض المحيط، في حين أنّ العَوْلَمة الاقتصاديّة استغرَقت أكثر من قرنٍ من الزمن، زاحفةً زحْفاً بطيئاً مع الأَوْرَبَة، ثمّ زَحْفاً أسرع وتيرة مع الأَمْرَكَة، وصولاً إلى العَوْلَمة المكشوفة والشاملة التي بَلغْناها اليوم.

استعانت العَوْلَمة الاقتصاديّة بخبراتٍ تكنولوجيّة لا تحصى ولا تعدّ، كما بعلوم التسويق وعِلم النفس الاجتماعي والأنتروبولوجيا، ناهيك بالتغلغُل الثقافي والاختراق السياسي؛ أي إنّ مجهوداتٍ إنسانيّة هائلة ومتنوّعة قد جرى بذلها بغية تعميم العَوْلَمة وجعلها نمطاً جديداً للحياة المُعاصِرة. في المقابل، لم يستغرق انتشار عَوْلَمة الكورونا أيّ مجهود إنساني خاصّ، بل اقتصر الأمر على إشراكٍ مجّاني ومفتوح للطبيعة. فتبيَّن أنّ الطبيعة قادرة على قلْب جميع المَقاييس الإنسانيّة، والتغلُّب على جميع المَعارِف والعلوم بلحظة، وهذا أمرٌ كنّا قد تناسيناه، مُعتبرين أنفسنا أرباب السيطرة من دون مُنازِعٍ على الكوكب.. حتّى جاءتنا هذه الصفعة. فقد تسبَّبت هذه الصفعة، غير المحسوب حسابها – بالإطاحة بجبروت العَوْلَمة كما كنّا نتوهّمها، أي كظاهرة غير قابلة للقهر. فأغلقت المطارات وقطعت الحدود وشلّت الحركة الخارجيّة والداخليّة واجتاحَ خوفٌ عضويّ عميق البشريّة كلّها. 

مَلامِح مُستجدّة

زَعْزعَت عَوْلَمة الكورونا الكثير من الأحكام الاجتماعيّة السابقة، ومن أبرزها أنّ الجيرة بين البلدان أمرٌ بنّاء وضروري؛ إذ هرعت الدول إلى إغلاق حدودها في وجه بعضها البعض. فالألمان رفضوا استقبال الفرنسيّين، والفرنسيّون رفضوا استقبال الإيطاليّين، والأميركيّون رفضوا استقبال الأوروبيّين، وهكذا فعلَ الجميع شرقاً وغرباً. وساد الانطواء القومي الشعبوي غير المُعلن لدى الجميع. فتبيَّن كم أنّ دعوات التضامُن الأُممي محدودة التأثير حيث باتَ شعارُ الجميع “نحن ونحن فقط”. 

خَطفت بعض الدول النافذة الأقنعةَ في المطارات، بغير أسلوبٍ، وحوَّلتها عن وجهتها الأساسيّة بأفعالِ قرْصَنة بَدَت مُخالِفة للأعراف الحديثة، ولكنْ من دون أن يَستنكرها أهلوها ولا أن تعتذر الدول المَعنيّة. فانكشفَ زيف شعارات العَوْلَمة الاقتصاديّة أمام وقائع عَوْلَمة الكورونا. طبعاً ستلجأ لاحقاً جميع هذه الدول لتبرير ما حصل ولفْلَفته، لكنّ ما حصل قد حصل ودلالاته الفكريّة غير قابلة للمحو. ومفاد هذه الأخيرة أنّه عند ساعة الحقيقة تنزع الجماعة البشريّة غريزيّاً إلى الانطواء على نفسها ومصالحها المُباشرة بدافعٍ من حسّ البقاء. فتعود سلوكات القطيع البشري الأوّل إلى الظهور وتعتمد قاعدته العتيدة القائلة: “أنا وأخي على ابن عمّي، وأنا وابن عمّي على الغريب”. كما ويُصار إلى اعتماد مُفرداتٍ جديدة، تبدو بريئة للوهلة الأولى، فيما دلالتها كبيرة لكونها ترتدي طابع المفاهيم الخاصّة بالمَعرفة الإنسانيّة العميقة، ككلمة “التباعُد الاجتماعي”. فهذا المفهوم البسيط وغير البريء يُحاكي الهواجس الدفينة لما اعتبره عالِم الاجتماع الألماني أولريخ بك “مجتمع المُخاطَرة” الذي أنشأه النظام الرأسمالي العالَمي الحديث. وكأنّي بالمطلوب منه أن يجعل عَولمته الاقتصاديّة المُستفيد الأوّل من عَوْلَمة الكورونا.

تباعُد اجتماعيّ أم تباعُد جسديّ؟

أوَليس المطلوب فعليّاً المزيد من التقارُب الاجتماعي في أزمنة المِحنة ومن تمتين أواصر التعاضُد بين أبناء البنى الاجتماعيّة الواحدة؟ لماذا هذا التشويه الذي أُدخل على نحوٍ مشبوه في مفهوم “الاجتماعي” في جميع لغات العالَم؟ هل إنّ أصحاب القرار و”صانعي السياسات” أضحوا دفعة واحدة جهّالاً وغير مُلمّين بالمضمون الدقيق للمصطلحات التي يستخدمونها، وهُم يعطونها دائماً أبعاداً قانونيّة وسياسيّة؟ 

لماذا توقّفت دقّتهم الأكاديميّة المعهودة في اختيار المفردات المناسبة والمسؤولة؟ لماذا هذا المصطلح غير المسؤول على ألسنة المسؤولين؟ ولماذا يجري اعتماده على نِطاقٍ واسع من قِبَلِ المُنظّمات الدوليّة وفي وسائل الإعلام كافّة؟

في الحقيقة، لا بدّ أن نُشير إلى أنّ عَوْلَمة الكورونا ظاهرةٌ موضوعيّة، غير أنّ ما يُرافقها على المستوى الميديولوجي (على حدّ تعبير ريجيس دوبريه) ظاهرة تُشير إلى تلاعُبٍ إيديولوجي لم تتكشّف بعد أبعادها كلّها. جلّ ما يسعنا ملاحظته حتّى الآن من هذا الانزلاق، هو إرادة غير مُعلَنة من الدول وأنظمة الحُكم عموماً، بالإفادة من توهُّج المَشاعر والمَخاوف بغية المزيد من الإمساك بقيود السلطة.

على ضفّة الحياة الاجتماعيّة الحقيقيّة

في المقابل، ما يُمكن ملاحظته على مستوى الحياة اليوميّة والعَمليّة لعموم الناس في زمن تعولُم الكورونا هو أصفى وأكثر شفافيّة ممّا تبوح به السياسات الحكوميّة عبر العالَم التي أضحت في سوادها الأعظم باطنيّة. هناك موقفان أساسيّان يتقاسمان المَشهد الاجتماعي الشعبي العامّ على الأرض: مزيد من اللّحمة العائليّة والتكافُل الاجتماعي من ناحية، وشعور بالاستهداف الحياتي والخطر على البقاء من ناحية ثانية.

الشعور بالخطر على البقاء بَرَزَ خلال المرحلة الأولى من عَوْلَمة الكورونا، حيث اكتشفنا جميعاً ما تعني كلمة وباء عالَمي. وقد أربكت هذه المفردة النفوس كلّها، بخاصّة أنّها ترافقت مع تغطيةٍ تلفزيونيّة عالَميّة، يوماً بيوم، لمُجريات الأحداث، لدرجة أنّ الناس جميعهم هرعوا إلى المَتاجر الصغيرة والكبرى لشراء المؤن ومُستلزمات البقاء وتخزينها. لكنْ بعد فترة من الإشباع الإعلامي ومُعايَشة الأحداث، تراجَعَ الهلع، ثمّ الخَوف، وتحوَّل التركيز على استمراريّة الحياة بدل الخوف من الموت كأُفقٍ وحيد للوجود.

هنا تبيَّن كم أنّ الإنسان اجتماعيٌّ في أزمنة التباعُد أكثر منه في زمن حياة التقارُب. فالأُسر صارت على تواصلٍ دائم ويومي في ما بينها. وهذا الأمر الذي يبدو لنا عاديّاً جدّاً كشرقيّين، صار نهْجاً غربيّاً وعالَميّاً، رغبة من الناس بإشباع تواصلهم بمَن يُحبّون ويرتبطون بهم بصلاتِ قرابة. 

عادت العائلة محوراً ثابتاً للاهتمام، عِلماً أنّ هذا الشأن لم يكُن ذا قيمة تُذكر في زمن العَوْلَمة الاقتصاديّة. عاد الاهتمام بأفراد العائلة مطلوباً، وعاد القريب قريباً. وبما أنّ المَشاعِر الإنسانيّة اجتماعيّة في تكوينها، كان من الطبيعي أن تفيض على الخارج، فظهرَ اهتمامٌ مُرادف بالجار أو الجارة أو الجيران المُحتاجين، أو المقطوعين، في البناية أو الحيّ أو المدينة. ومَن عاشَر المُجتمعات المدينيّة الغربيّة يعلم تماماً كم أنّ هذا الأمر غير مألوف فيها. فتغيرّت هناك بشهر أمور ما كانت لتتغيّر بدهْر، على حدّ قول المثل الشعبي. 

لقد أَفضت عَوْلَمة الكورونا إلى تبْيِئَةِ المَشاعر الاجتماعيّة كما إلى تجديدها، بعدما جَعلتْها العَوْلَمة الاقتصاديّة وثقافتها الاستهلاكيّة المُفرطة تترهّل باكراً. وغدت مُبادرات التكافُل الاجتماعي، بفضل هذه النقمة، نعمة.

عَوْلَمة الكورونا سمحت لكلّ الناس في العالَم أجمع أن يُدركوا أنّ حُماتهم الحقيقيّين ليسوا لا أهل السياسة ولا معشر العسكر، بل هذا العنصر المَدني المُسالِم الذي يحمل اسم المُمرّضة والطبيب والباحثة في المُختبر والعامل في المستشفى، من الجنسَين، مَلاكه الحارِس في وقت المِحن والشدائد. فالقيمة الاعتباريّة أضحت قيمةً مُضافَة اجتماعيّاً بالنسبة إلى أبناء هذه المِهن وبناتها.

هذا لا يعني أنّنا أصبحنا في نعيمٍ تسودُ فيه الفضيلة وأنّ الجاه السياسيّ سيتنازل عن عرشه في العالَم العربي بعد اليوم، إنّه يعني فقط أنّ أصحاب المِهن الطبيّة قد أضافوا عندنا وعند سوانا على جاههم العِلميّ جاهاً اجتماعيّاً لا يُمحى. 

لا بدّ من الإشارة أخيراً إلى أنّ ظاهرةً إيجابيّة أخرى قد رافقت عَوْلَمة الكورونا، ألا وهي تحرير البيئة من الكوابيس الجاثمة على صدرها حتى الآن. فالأرض ارتاحت وطبقة الأوزون ارتاحت والسماء صفيت والهواء أضحى أنقى والتلوّث، الذي عَجِزْنا عن مُكافحته، جاء مَن يُكافحه أفضل منّا ويغلبه. 

لذلك لا أرى في عَوْلَمة الكورونا مِحنةً بنيويّةً حلّت بالبشريّة بقدر ما أرى فيها امتحاناً عظيماً هزَّنا في الصميم وجَعلنا نعود إلى أساسيّاتٍ حياتيّة واجتماعيّة وبيئيّة كدنا نخالها ثانويّة وقابلة للنفي. ومن هذا المنطلق لن تعود الأمور بالنسبة إلى جيلنا كما كانت من ذي قبل. فنحن جيل عاش زمن الكورونا، وسيُخبر الأجيال اللّاحقة ما أتى به من دروس.

أفقد. فردريك معتوق / أكاديمي وباحث من لبنان

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


67 − = 63