ضمن فعاليات الدورة العاشرة لملتقى الثقافة، المنظم بإقليم خريبكة من طرف منتدى الآفاق للثقافة والتنمية، احتضنت إحدى فضاءات الملتقى ورشة تكوينية حول فن الحوار الصحفي مع الشخصيات الثقافية، أطرَتها الصحافية رويدا مروة، التي سلطت الضوء على التحولات التي يشهدها المشهد الإعلامي، والتحديات التي فرضتها مواقع التواصل الاجتماعي وصناعة المحتوى الرقمي على الصحافة التقليدية.
وتناولت المؤطرة، خلال هذه الورشة، التحول الكبير الذي عرفته الممارسة الإعلامية في ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبح الجميع متفاعلا مع الأحداث والقضايا المجتمعية والعالمية، وأضحت إمكانية إنتاج المحتوى ونشره متاحة أمام مختلف الفئات، بما جعل الحدود بين الهواية والممارسة الإعلامية أكثر تداخلا، وطرح تساؤلات جوهرية حول من يمتلك حق الحديث باسم المجتمع، وما الذي يمنح الخطاب الإعلامي قيمته ومصداقيته.
وفي هذا السياق، توقفت رويدا مروة عند المنافسة المتزايدة بين صناع المحتوى والقنوات الفضائية الكبرى، من قبيل العربية والجزيرة وفرانس 24، معتبرة أن بعض التجارب الفردية باتت تحقق انتشارا وتأثيرا واسعين، رغم الفوارق الكبيرة في الإمكانيات والميزانيات. كما أثارت إشكالية الرتابة التي قد تطبع بعض المضامين الإعلامية التقليدية، مقابل السرعة والجاذبية اللتين تميزان المحتوى الرقمي، وما يفرضه ذلك من ضرورة تجديد أدوات الاشتغال والتواصل مع الجمهور.
كما شكل الذكاء الاصطناعي محورا أساسيا في النقاش، من خلال التساؤل عن مستقبل العمل الصحفي، وما الذي سيبقى من أدوار المحاور وضيفه في ظل التطور المتسارع لهذه التقنيات، فضلا عن مكانة الشخصية الثقافية وقيمتها المعرفية في زمن أصبح فيه إنتاج المعلومة وتداولها أكثر سهولة. وأكدت الورشة، في هذا الإطار، أهمية المثقف باعتباره فاعلا في تشكيل الوعي وصناعة هوية المجتمع، وليس مجرد شخصية تستضاف لتقديم مواقف عابرة.
وفي حديثها عن الحوار الصحفي مع الشخصيات الثقافية، شددت المؤطرة على أن جودة الحوار لا تتحقق بمجرد طرح الأسئلة، بل تستند إلى البحث المسبق والإلمام بتجربة الضيف ومساره الفكري والإبداعي، والقدرة على بناء أسئلة دقيقة تفتح آفاقا جديدة للنقاش وتكشف جوانب غير معروفة من تجربته. كما أبرزت أهمية التمييز بين أنماط الأسئلة، واختيار المقاربة المناسبة لكل شخصية، بما يجعل الحوار منتجا للمعرفة وقادرا على خلق الحدث الإعلامي.
وتطرقت رويدا مروة أيضا إلى أهمية التخصص والتجربة في إبراز الموهبة الصحفية وصقلها مع مرور الوقت، في ظل محدودية فرص الممارسة المهنية وتنامي الاعتماد على الفيديوهات القصيرة والمضامين السريعة، التي لا تتيح دائما التعمق في تجارب الشخصيات واستكشاف أبعادها الفكرية والإنسانية. واعتبرت أن الحوار المطول يظل مساحة مهمة لبناء نقاش جاد، يتجاوز حدود الخبر العابر نحو مساءلة الأفكار والتجارب.
واختتمت الورشة التي حضرتها فعاليات إعلامية وثقافيا بفتح باب النقاش أمام الحضور، الذين تفاعلوا مع مختلف القضايا المطروحة، من خلال تبادل الآراء والتساؤلات بشأن مستقبل الصحافة، وعلاقة الإعلام التقليدي بصناع المحتوى، وموقع الحوار الثقافي في المشهد الإعلامي الجديد، في لقاء تكويني سعى إلى إبراز أهمية التكوين والبحث والتخصص في تطوير الممارسة الصحفية.
