بقلم – عبده حقي
إدراج الذكاء الاصطناعي لأول مرة وبشكل صريح في اسم وزارة مغربية لا أحسبه مجرد تعديل تقني في هندسة الحكومة، ولا مجرد موضة لغوية لموجة عالمية أصبحت فيها عبارة «الذكاء الاصطناعي» حاضرة في كل خطاب اقتصادي وسياسي. بالنسبة إلي، نحن أمام إشارة سياسية ومؤسساتية تستحق أن نتوقف عندها طويلًا، لأن انتقال الذكاء الاصطناعي من البرامج والاستراتيجيات والندوات إلى اسم وزارة رسمية يعني، نظريًا على الأقل، أنه أصبح جزءًا من تصور الدولة لمستقبلها، وليس مجرد ملف تكنولوجي هامشي تديره مديرية أو وكالة أو قطاع فرعي.
تعيين أحمد رحو وزيرًا للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة يضعنا أمام تركيبة حكومية شديدة الدلالة. فالذكاء الاصطناعي هنا لم يُفصل عن التحول الرقمي، ولم يُعزل عن إصلاح الإدارة، وهذا في حد ذاته اختيار منطقي. لأن قيمة الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى الدولة لا تكمن في امتلاك روبوتات تتحدث أو منصات تستعرض قدراتها اللغوية، وإنما في قدرته على إعادة تشكيل الإدارة العمومية نفسها: كيف تعالج الملفات؟ كيف تتخذ القرارات؟ كيف تتوقع حاجيات المواطنين؟ كيف تحارب البطء والفساد والبيروقراطية؟ وكيف تتحول الدولة من جهاز ينتظر المواطن أمام الشباك إلى جهاز قادر على تقديم الخدمات قبل أن تتحول الحاجة إليها إلى معاناة يومية؟
من هذه الزاوية، أعتقد أن المغرب اختار عنوانًا مؤسساتيًا طموحًا جدًا. لكن كلما ارتفع سقف الطموح، ارتفع معه سقف المحاسبة. فوجود «وزارة للذكاء الاصطناعي» لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد واجهة حديثة لحكومة تستخدم معاجم القرن الحادي والعشرين بينما تستمر بعض إداراتها بعقلية القرن الماضي. فالمواطن لن يقيس نجاح الوزارة بعدد المؤتمرات ولا بعدد الاتفاقيات ولا بعدد المختبرات التي تُفتتح أمام الكاميرات، بل سيقيسه بسؤال بسيط: هل غيرت وزارة الذكاء الاصطناعي حياته اليومية فعلًا؟
هل أصبح الحصول على وثيقة إدارية أسرع؟ هل تقلصت الطوابير أمام أبواب المكاتب ؟ هل انتهت مطالبة المواطن بالوثيقة نفسها من إدارات مختلفة؟ هل أصبح بإمكان الإدارة اكتشاف الأخطاء قبل أن يتحمل المواطن نتائجها؟ هل أصبحت الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية أكثر دقة وعدلًا؟ هنا يبدأ الاختبار الحقيقي لإحداث وزارة للذكاء الاصطناعي.
فالذكاء الاصطناعي، إذا أحسن استعماله، يمكن أن يكون أحد أكبر أدوات إصلاح الدولة الحديثة. يستطيع تحليل ملايين المعطيات في زمن قياسي حقيقي، واكتشاف مواطن الخلل، والتنبؤ بالضغط على المستشفيات، وتحسين توزيع الموارد، وكشف بعض أشكال الاحتيال، وتوجيه الاستثمارات العمومية، وتبسيط مساطر الضرائب والتعمير والضمان الاجتماعي، وحتى مساعدة القضاة والإدارات القانونية في الوصول السريع إلى المعلومات، مع ضرورة بقاء القرار النهائي بيد الإنسان في المجالات الحساسة.
من سيحاسب الخوارزمية إذا أخطأت؟ ومن سيعرف لماذا رُفض ملف مواطن؟ هل سيملك المواطن حق الاعتراض على قرار آلي؟ وهل ستكون أنظمة الذكاء الاصطناعي الحكومية قابلة للتدقيق؟ وهل سنعرف على أي بيانات تم تدريبها؟ ومن يحتفظ بهذه البيانات؟ وفي أي دولة توجد الخوادم؟ ومن يملك المفاتيح التقنية الحقيقية للأنظمة التي قد تصبح جزءًا من البنية السيادية للمملكة؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل تقع في صميم مفهوم السيادة الوطنية الجديدة. لقد اعتدنا في القرن العشرين الحديث عن السيادة الترابية والاقتصادية والعسكرية، لكن القرن الحادي والعشرين أضاف إليها سيادة أخرى: السيادة الخوارزمية. الدولة التي لا تملك بياناتها ولا بنيتها الحاسوبية ولا كفاءاتها ولا قدرتها على تطوير نماذجها الذكية قد تجد نفسها مستقلة سياسيًا، لكنها تابعة تقنيًا لمن يمتلك الخوارزميات والسحابة ومراكز البيانات.
ومن هنا أرى أن وزارة الذكاء الاصطناعي الجديدة ستواجه أحد أصعب الأسئلة: هل يريد المغرب أن يكون مستهلكًا للذكاء الاصطناعي أم منتجًا له ؟
المغرب يملك أوراقًا استراتيجية مهمة. لديه موقع جغرافي متميز يربط أوروبا وإفريقيا والعالم العربي، وشبكات اتصالات متقدمة جدا، وجامعات ومدارس هندسة ذات كفاءات جيدة، وجالية علمية مغربية كبيرة في الخارج، إضافة إلى استثمارات متزايدة في الرقمنة ومراكز البيانات. لكن هذه المزايا لا تكفي وحدها لصناعة قوة في حقل الذكاء الاصطناعي.
القوة الحقيقية تبدأ من المدرسة الابتدائية والجامعة. فلا يمكن أن نحلم بدولة ذكية إذا بقي جزء من مدارسنا يعاني ضعف التعلمات الأساسية، أو إذا هاجر أفضل المهندسين والباحثين البلاد بحثًا عن مختبرات ورواتب وفرص أفضل. إن وزارة الذكاء الاصطناعي ستكون، بطريقة غير مباشرة، وزارة للتعليم أيضًا، لأن مستقبلها سيُحسم داخل أقسام الرياضيات والمعلوميات والهندسة واللغات والعلوم الإنسانية.
ثمة ملف آخر لا يمكن لوزارة الذكاء الاصطناعي الجديدة أن تتجاهله: اللغة. أغلب النماذج العالمية الكبرى تطورت أساسًا بالإنجليزية، بينما لا تزال اللغة العربية، وخصوصًا الدارجة المغربية والأمازيغية، أقل حضورًا في قواعد البيانات والنماذج المتقدمة. إذا أردنا ذكاء اصطناعيًا يخدم المواطن المغربي فعلًا، فلا بد من الاستثمار في موارد لغوية وطنية مفتوحة وآمنة، وفي نماذج تفهم العربية المغربية والأمازيغية والسياقات الثقافية والقانونية المحلية.
إنني أتصور مثلًا إدارة ذكية يستطيع المواطن مخاطبتها بلغته الطبيعية: يكتب بالدارجة أو العربية أو الأمازيغية أو الفرنسية، فيفهم النظام طلبه ويرشده إلى المسطرة المناسبة ويستخرج له المعلومات التي يحتاجها من دون أن يضطر إلى فهم متاهة المصطلحات الإدارية. هذه واحدة من أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي بساطة من الناحية النظرية، لكنها قد تكون من أكثرها تأثيرًا اجتماعيًا.
إلا أنني أحذر من تحول الرقمنة إلى شكل جديد من أشكال الإقصاء. فالمغرب لا يزال يعرف تفاوتات في الولوج إلى الإنترنت والمهارات الرقمية بين المدن والقرى، وبين الشباب وكبار السن، وبين الشرائح الاجتماعية المختلفة وبين النساء والرجال . فإذا أصبحت الخدمات الأساسية رقمية بالكامل من دون بدائل بشرية، فقد نخلق مواطنًا جديدًا من الدرجة الثانية: المواطن الذي لا يعرف استخدام التطبيقات ولا يمتلك هاتفًا حديثًا ولا يجيد التعامل مع الواجهات الرقمية.
أعتقد أن الوزارة الجديدة تحتاج، منذ بدايتها، إلى ميثاق وطني واضح للذكاء الاصطناعي في سوق الشغل، يقوم على مبدأ بسيط: لا انتقال رقمي من دون انتقال اجتماعي. فلا ينبغي أن تتحول الأرباح الناتجة عن الأتمتة إلى مكاسب للشركات فقط، بينما يتحمل الموظفون والعمال كلفة فقدان وظائفهم.
لا أريد مغربًا ذكيًا لأن شاشاته أكثر حداثة فقط. أريده ذكيًا لأن قراراته أكثر عدلًا، وخدماته أسرع، وموارده تُدار بكفاءة أكبر، ومدرسته أفضل، ومستشفاه أكثر قدرة على توقع حاجات المرضى، ومدنه وقراه أكثر تنظيمًا، وإدارته أقل تبخيسا لحاجة المواطنين.
وإذا كان تعيين السيد أحمد رحو على رأس هذه الوزارة الجديدة يحمل رسالة، فإنني أعتقد أن أهم رسالة يجب أن تصل إلى الرأي العام هي أن نجاح التجربة لن يقاس بحجم المصطلحات التقنية التي ستدخل إلى الخطاب الحكومي، بل بحجم المشاكل القديمة التي ستختفي من حياة المغاربة.
إن وزارة الذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون بداية مرحلة جديدة، لكنها يمكن أيضًا أن تتحول إلى عنوان جذاب فوق البيروقراطية القديمة. الفارق بين الاحتمالين سيصنعه التنفيذ من دون شك.
أجل لدينا الآن وزارة تحمل اسم المستقبل.والسؤال الحقيقي هو: هل ستستطيع أن تجعل الدولة المغربية نفسها أكثر استعدادًا لهذا المستقبل؟
