الصور الفنية عند الشاعر (محمد حسين آل ياسين)

بقلم الناقد – عبدالباري المالكي 
لايوجد حد فاصل بين اللذة والالم لدى شاعرنا … فهما يقودانه الى الحقيقة ذاتها , وان اختلفت طرقُهما ( فاللذة تولد مع ألم المخاض )1  , فاتنافس الحاد هو ما يجعل  من فكرته الفنية أكثر غناء فيكون قادراً على تحديد وسائل التعبير لهذه الحقيقة فتتّحد هاتان القوتان في لحظة حاسمة ليكتمل بناء المعنى والصورة بما لايمكن الاستعاضة عنهما بمعنى وصورة أخريتين , فهما تشتركان معه برابطة الدم , فلكل قوة خصيصتها الفاعلة في مواقف معينة لديه  . فالتناسق الفني والتناغم الموسيقي يكونان بالمستوى العالي وبذات السمو, في كل قصائده , مع الاخذ بنظر الاعتبار ميكانيكية كل قصيدة وفكرتها ما يجعل كل واحدة منها لوحة تزدوج فيها ذات الشاعر مع صورها , وتلك هي الموهبة الحقيقية التي يتصف بها شاعرنا في تحقيق هدفه , فهي باقة منوعة من القصائد التي تناجي وجدان وروح وفكر المتلقي فيحيلها الى عمق المفردة الحسية الشعرية العميقة, بدلالاتها ورموزها وصورها واستعاراتها وانزياحاتها وحسن نظم قوافيها وخصوبة المخيلة الحسية الشعرية وبنيتها النصية2.    لقد راق لشاعرنا ان يلوذ بأذيال الفرار وان يتعجل به ويصمّ اذنيه عن نداء الروح باصرار يائس على التعلق بقشّة واهية في ظلمات البحر لايريد ان يعترف بهاوية القنوط , فيقول في قصيدته ( فجيعة الشاعر ):

-أوج ما يلقاه في دهـــــــره ِ         ان يفجع الشاعر في شعره ِفانْ شكا من رهقٍ حامـــلٌ                     عاجلَهُ الحمل الى بتـــــــرهِ
-1 الناقد الانكليزي توماس أليوت

2- الشاعر محمد حسين آل ياسين

أوجاع الحياة في (أسرار الحب) /الاستاذ يوسف عبود جويعد  

وفي لقطة أخرى نراه يبوح بسرّه ويجاهر بما عاهد به نفسه على كتمانه حينـــما لا يرى بدّاً من موته وذلك بعد ان فارقته الأماني فلايجد اللـذة الا مع ذلك الألــم فيقول :

-أنا ان متُ فامســحي بيديكِ  

   خافقاً ذاب من صنوٍ عليكِ 

مات مذ فارق الأمانيَ لـكنْ     

        ظل رغم المنون يحيا لديكِ


والفن في نظر شاعرنا …. هو الواقع .والمطلب الاساس عنده ان يكون صادقاً تجاه نفسه وتجاه كل الاغراض والمجالات التي يعيشها بنفسه أو مع مايحوطه من عوالم مختلفة , لأن ذلك الصدق هو مايحرّكه فتنبثق أمامه صور الحب والغضب حيث تتألف منهما أدواته في جوانب مختلفة ومتعددة من قضاياه حيث استخدام الواقعية حيناً , واستخدام الرمزية المطلقة حيناً آخر .فأنماط استعاراته لاتنتهي عند حد معين وذلك لشدتها على النفس ولقوة غريزة الاحساس لديه بالأمل وان يكن ضائعاً, فلا غرابة ان يدهشنا شاعرنا بجودة البيان وسحر البلاغة وفتنة الجمال في قصيدته  (فائدة) حيث المعالجة الفنية باسلوب سلس يعبّرعن العواطف , ويترجم المعاني ويصوغ الافكار في صيغ واشكال فنيــــة مختلفة .فعواطفه وأفكاره باتت خلف النماذج الرائعة التي يؤطرها بأطرٍ بديعة خالصة من الأدران , والتي انشات له عالماً جديداً خيالياً وواقعياً بنفس الوقت , يلتحمان في صور ومعانٍ كأنه التقطها بنفسه لتنشأ عن ذلك بنات خياله الجموح فيشعر بالارتياح والصفاء الباطني الذي يشتهي ان يجني منه قطوفاً من خمائل فنّه ويلوّح به من كمال التركيب بما يعرضه من جمال واتقان مترافقين في الصيغة , حيث اننا نجد قمة الاحساس في ذلك , تستميل اليها النفوس وتستطيب لها الرغبة باسلوب هو التذوق الفني الذي تميز به شاعرنا واصبح انتماء فيه , ففيه صوت اعمق غوراً وأندى جرساً رغم ألمه المكظوم , فأي أمل متأرجح وأية روح معلـــــولة تحدّث بها , أبدمعٍ طال أمَدُه ؟ , أم بجفن تقرّح , ام بنفس احرقتها دنياه التي أقضّت مضجعه غير حاسب لخطاه حساباً ولا عارفاً لها اي مقصد , فلا قدراً يعوّضه  عن تعاسة أصابته ولا عن أضلع احتوتْه , ولا عن صدر هدْهدَه , ولا عن فمٍ قبّله بشغف ولهفة , ولا عن ظلّ ارتاح اليه , ولا عن شبحٍ احتمى به , فهو واثق اشدّ الوثوق انّ الامور تسير على غير مايتمناه .  

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق