الانتخابات المغربية: عندما نطلب من “الصندوق” ما لا يستطيعه

بقلم – المصطفى اسعد :**

مع اقتراب كل استحقاق انتخابي في المغرب، يستعاد النقاش نفسه وكأنه طقس لا مفر منه: هل العيب في صندوق الاقتراع، أم في البيئة السياسية والاجتماعية التي يوضع فيها هذا الصندوق؟
الواقع يخبرنا أن المشكلة ليست في آلية التصويت ذاتها، بل في تحميلها ما لا تحتمل .. الانتخابات لا تصنع الوعي من العدم، ولا تمنح الكفاءة لمن لا يملكها ، فحين تكون مستويات التعليم السياسي متدنية، وتغيب الثقافة السياسية الحقيقية، يتحول الاقتراع إلى مجرد عملية حسابية .. أرقام تدخل الصناديق ومقاعد تخرج منها، دون أن يتغير شيء في جوهر التدبير العمومي.
الحديث هنا ليس زهدا في الديمقراطية، بل مواجهة لواقعها؛ فالصندوق يمنح الشرعية العددية، لكنه لا يضمن جودة القرار ، والجهل السياسي لدى جزء من الناخبين ليس صفة للمواطن، بل هو نتيجة طبيعية لعقود من إضعاف المدرسة، وتهميش الإعلام الرسمي للعمل السياسي، وتراجع أدوار الأحزاب والمجتمع المدني في التأطير والتوعية.

تنسخ المنظومة التشريعية في المغرب قوانينها الانتخابية وتعدلها مع كل دورة؛ تارة بتغيير القاسم الانتخابي، وتارة بتعديل شروط الترشح أو توزيع المقاعد ، لكن هل أنتج هذا التعديل المستمر حياة سياسية أفضل؟
بالطبع لا .. فالتغيير الشكلي للنصوص لا يخلق نخبا جديدة إذا كانت الفلسفة السياسية قائمة على “الركض خلف المقعد” لا تقديم المشروع ، فما نحتاجه ليس هندسة انتخابية جديدة لتوزيع الحصص، بل قوانين تلزم الأحزاب بربط الوعود الانتخابية بآليات محاسبة واضحة ومؤشرات رقمية يمكن قياسها بعد الوصول إلى السلطة.

ما يثير الاشمئزاز حقا أن برامج الأحزاب باتت نسخا مكررة لبعضها؛ الجميع يعد بإصلاح التعليم، وتطوير الصحة، وتوفير الشغل، وحماية القدرة الشرائية ورفع الحد الأدنى للاجور وهذا التقارب ليس دليلاً على إجماع وطني، بل على كسل سياسي تفضل فيه الأحزاب الاختباء خلف العموميات والإجماعات الوطنية بدلا من تقديم حلول ومهل زمنية ومصادر تمويل محددة ، وهنا المواطن لا يحتاج من يخبره بأن التعليم مريض، بل يريد أن يعرف: كيف سيعالج؟ وبأي ميزانية؟ وماذا سنحاسبك عليه بعد خمس سنوات؟
تزداد الصورة تعقيدا مع التحالفات الحكومية الهشة ، في المشهد المغربي المشتت، وتصبح التحالفات ضرورة لتشكيل الأغلبية، لكنها تحولت إلى شماعة مريحة للهروب من المسؤولية؛ فكل حزب يرمي تعثر برنامجه على “عناد” الشريك الحكومي، ليضيع المواطن في المتاهة بين من يقرر ومن ينفذ.

أمام هذا العجز الحزبي في إنتاج نخب تدبيرية قادرة على إدارة القطاعات المعقدة، كان من الطبيعي أن يتعاظم دور “التكنوقراط” ، لأن الاستعانة بالخبرات والتقنوقراط ليست عيبا في حد ذاتها، فالدولة الحديثة تحتاج إلى الكفاءة الفنية ، لكن المشكلة تكمن في تحول هذا الاستثناء إلى أصل، ليصبح التكنوقراطي بديلا دائما عن السياسي المنتخب.
المطلوب ليس نسج صراع وهمي بين “السياسي” و”التكنوقراطي”، بل إنتاج رجل دولة يجمع بين الشرعية الشعبية والقدرة على فهم ملفاته الإدارية والاقتصادية وتدبيرها بفعالية.

ومع ما نراه اليوم من سجال رجعي ، لا تحتاج التجربة المغربية إلى تقليل الانتخابات، بل إلى ترفيع جودتها ، لأن الانتخابات شرط أساسي للشرعية، لكنها ليست العصا السحرية.
لن ننتقل إلى ديمقراطية حقيقية إلا عندما يتحول الناخب من “مستهلك للشعارات” إلى حارس للمحاسبة، وتتحول الأحزاب من “دكاكين انتخابية” موسمية إلى مصانع للأفكار والنخب ، ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا في كل استحقاق ليس: من سيفوز بالمقاعد؟ بل: أي نمط من التدبير والسياسات تنتجه هذه المقاعد؟
والى آن يستيقظ ضمير مسؤولينا نعزي أنفسنا فينا !!

** رئيس المركز المغاربي للإعلام والديمقراطية