كتبها : أشرف ليمام
كل موسم يتكرر نفس المشهد المؤلم: طالب اجتهد سنتين أو ثلاثا في التكوين المهني الخاص، حصل على دبلوم “تقني متخصص” في الأنظمة والشبكات المعلوماتية، معترف به رسميا من وزارة التشغيل والإدماج المهني التي يقودها السيد يونس السكوري، ثم يكتشف أن هذه الشهادة نفسها لا تفتح له باب سلك مهندس الدولة في المدارس الخاصة المعترف بها من الدولة. التبرير جاهز دائما: “شعبتكم غير علمية”.
المفارقة هنا ليست تقنية، بل بنيوية: كيف يمكن لدولة واحدة أن تمنح بيد دبلوما تعتبره مؤهلا ومعترفا به في سلم الوظائف الوطنية، ثم تغلق به الباب بيدها الأخرى أمام صاحبه حين يطمح لمتابعة مساره الأكاديمي؟ من يملك سلطة تصنيف تخصص بأكمله كـ”غير علمي”، في زمن أصبحت فيه الأنظمة المعلوماتية والشبكات والمحاسبة الرقمية عصب الاقتصاد الحديث؟ الضحية في هذه المعادلة ليست ورقة إدارية، بل مئات الطلبة الذين استثمروا سنوات من حياتهم، وأموال أسرهم، في تكوين مهني معترف به قانونا، ليجدوا أنفسهم عالقين في منطقة رمادية بين وزارتين: وزارة تُخرّجهم وتُشهد بكفاءتهم، ووزارة أخرى ترفض الاعتراف بهذا المسار حين يتعلق الأمر بالولوج إلى الهندسة.
الكرة اليوم في ملعب عز الدين الميداوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، الذي يُنتظر منه أكثر من مجرد تصريحات تعاطف. يجب على معالي الوزير توسيع آفاق شعبة علوم اقتصادية وتدبير محاسباتي في التعليم العالي الخاص المعترف به من طرف الدولة، من أجل تمكين الطلبة الحاصلين على شهادة تقني متخصص في المجالات العلمية والتكنولوجية من الولوج إلى سلك الهندسة والإجازة والماستر والماستر المتخصص. فالمطلوب معايير معادلة صريحة ومساطر انتقالية واضحة “نظام جسور حقيقي”، يعترف رسميا بأن الجمع بين تكوين تقني في الأنظمة والشبكات المعلوماتية وتكوين في علوم اقتصادية وتدبير محاسباتي هو بالضبط الملف الكفء الذي يبحث عنه سوق الشغل اليوم، لا نقصا يستدعي الإقصاء والتهميش.
يبقى السؤال معلقا بلا جواب: هل ستُترجم هذه الإشكالية إلى قرار وزاري صريح يفتح الأبواب، أم ستبقى حبيسة الأدراج والتقارير، بينما يستمر جيل كامل من التقنيين المتخصصين يدفع ثمن تناقض لم يخلقه هو، بل ورثه من منظومة لم تواكب بعد تحولات سوق الشغل؟
