مؤسسة مكة الصحية تعلن انطلاق برنامج للجراحة الروبوتية خلال لقاء علمي بالدار البيضاء

الدار البيضاء – 3 يوليوز 2026

احتضنت مؤسسة مكة الطبية بالدار البيضاء، امس الخميس، لقاءً علمياً خصص لإطلاق برنامجها الجديد للجراحة الروبوتية، وتسليط الضوء على أولى العمليات الجراحية المنجزة باستعمال منصة “da Vinci Xi”، أحدث أنظمة الجراحة الروبوتية من الجيل الرابع، وذلك بحضور نخبة من الأطباء المختصين والخبراء وممثلي وسائل الإعلام.

ويأتي إطلاق هذا البرنامج في سياق الدينامية التي يشهدها قطاع الصحة بالمملكة، انسجاماً مع الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الرامية إلى تحديث المنظومة الصحية الوطنية، والارتقاء بجودة الخدمات العلاجية، وتعزيز الاستثمار في التكنولوجيا الطبية والابتكار، بما يضمن للمواطنين الولوج إلى رعاية صحية حديثة تستجيب لأفضل المعايير الدولية.

وفي هذا الإطار، أعلنت مؤسسة مكة الطبية عن اعتماد هذه المنصة الجراحية المتطورة، لتصبح أول مؤسسة صحية بالقطاع الخاص في المغرب تتجهز بمنصة جراحية روبوتية من الجيل الرابع، في خطوة تعكس التزامها بمواكبة أحدث التطورات العلمية، وتوسيع استفادة المرضى بالمغرب من التقنيات العلاجية المتقدمة.

وأكدت المؤسسة أن هذه المبادرة لا تقتصر على اقتناء تجهيز طبي حديث، بل تتمثل في إطلاق برنامج متكامل للجراحة الروبوتية، يقوم على فريق طبي وشبه طبي مؤهل وفق المعايير الدولية، ومسار علاجي متعدد التخصصات يواكب المريض منذ مرحلة التشخيص، مروراً بالتدخل الجراحي، وصولاً إلى التتبع بعد العملية، بما يضمن أعلى مستويات الجودة والسلامة.

وفي كلمته الافتتاحية، أكد الدكتور مصطفى دتسولي، المدير الطبي لمؤسسة مكة الطبية، أن هذا البرنامج يجسد رؤية المؤسسة الرامية إلى تمكين المرضى بالمغرب من الاستفادة من أحدث التقنيات الجراحية المعتمدة عالمياً، خاصة في علاج الحالات المعقدة، دون الحاجة إلى السفر خارج أرض الوطن.

وشدد الدكتور دتسولي على أن الروبوت لا يعوض الطبيب بأي شكل من الأشكال، موضحاً أن الجراح يظل المسؤول الأول والأخير عن جميع مراحل العملية الجراحية ونتائجها، فيما تقتصر مهمة المنصة الروبوتية على تنفيذ أوامر الجراح بدقة متناهية، بفضل رؤية ثلاثية الأبعاد عالية الوضوح، وأدوات جراحية فائقة المرونة، وتقنيات متطورة لتصفية الاهتزازات الدقيقة، بما يعزز دقة التدخل ويرفع مستوى السلامة لفائدة المرضى.

وأضاف أن نجاح هذا المشروع لا يقاس بامتلاك التكنولوجيا فحسب، بل يعتمد أساساً على كفاءة الموارد البشرية، والتكوين المستمر، والعمل الجماعي متعدد التخصصات، مؤكداً أن الابتكار يظل وسيلة لتعزيز خبرة الطبيب وتحسين جودة التكفل بالمريض، وليس بديلاً عن العنصر البشري.

وأكد أن إطلاق هذا البرنامج ينسجم مع طموح مؤسسة مكة الطبية للمساهمة في تطوير الممارسة الطبية بالمغرب، وتعزيز نقل التكنولوجيا والخبرة، والارتقاء بجودة الرعاية الصحية، بما يواكب التحولات التي يشهدها القطاع الصحي الوطني.

وخلال اللقاء العلمي، قدم الأساتذة المختصون في الجراحة العامة، وجراحة المسالك البولية، وأمراض النساء، عروضاً علمية استعرضوا من خلالها التطور الذي عرفته الممارسة الجراحية عبر العقود الأخيرة، مؤكدين أن الجراحة مرت بثلاث محطات رئيسية، تمثلت في الجراحة المفتوحة، ثم الجراحة بالمنظار، وصولاً إلى الجراحة الروبوتية التي تمثل اليوم أحدث ما توصل إليه الطب في مجال الجراحة طفيفة التوغل.

وأوضح المتدخلون أن هذه المنصة الجراحية المتطورة تمنح الجراح رؤية ثلاثية الأبعاد عالية الدقة ومكبرة، إلى جانب أدوات جراحية تتمتع بسبع درجات من حرية الحركة تتجاوز مرونة معصم اليد البشرية، فضلاً عن تقنية متقدمة لتصفية الاهتزازات الدقيقة، بما يتيح إنجاز تدخلات جراحية بالغة الدقة، خاصة في المناطق التشريحية المعقدة، مع تحسين ظروف اشتغال الجراح وتقليص مدة الاستشفاء في عدد من الحالات.

وأكد الأساتذة أن الدراسات العلمية الدولية أثبتت، بالنسبة للمرضى المؤهلين لهذا النوع من الجراحة، تحقيق فوائد سريرية ملموسة، تتمثل في تقليص حجم الشقوق الجراحية، والحد من فقدان الدم وتقليل الحاجة إلى نقله، وخفض المضاعفات بعد العمليات، والتقليل من الألم، وتسريع التعافي والعودة إلى الحياة اليومية. كما أظهرت أحدث الدراسات، في جراحة سرطان البروستاتا، تحسناً في النتائج الوظيفية واستعادة التحكم البولي في وقت أبكر لدى عدد من المرضى.

وفي هذا السياق، أبرز المتدخلون أن أهمية هذه التكنولوجيا تتزايد بالنظر إلى التحديات التي تفرضها الأمراض المعقدة، وفي مقدمتها السرطان. واستعرضوا معطيات صادرة عن المرصد العالمي للسرطان (GLOBOCAN 2022)، تشير إلى تسجيل حوالي 63.609 حالة إصابة جديدة بالسرطان سنوياً بالمغرب، مقابل 36.947 حالة وفاة، فيما يعيش أكثر من 154.884 شخصاً مع المرض خلال خمس سنوات من التشخيص. وأكدوا أن هذه المؤشرات تعكس حجم التحدي الذي يواجه المنظومة الصحية، وتبرز أهمية الاستثمار في أحدث التقنيات العلاجية، ومن بينها الجراحة الروبوتية، بما يساهم في تحسين النتائج الجراحية والارتقاء بجودة التكفل بالمرضى ضمن مقاربة علاجية متعددة التخصصات.

وأشار المتدخلون إلى أن هذه المنصة تستند إلى خبرة سريرية عالمية تمتد لما يقارب ثلاثة عقود، وأصبحت اليوم من أكثر أنظمة الجراحة الروبوتية انتشاراً واعتماداً في العالم، حيث تم تركيب أكثر من 10.700 نظام عبر مختلف القارات، واستفاد منها أزيد من 20 مليون مريض، فيما أُنجزت باستعمالها أكثر من 3,1 ملايين عملية جراحية خلال سنة 2025 وحدها، إلى جانب تكوين ما يقارب 90 ألف جراح حول العالم، وهو ما يعكس نضج هذه التكنولوجيا واعتمادها داخل أكبر المراكز الاستشفائية الدولية.

وانتقل اللقاء بعد ذلك إلى استعراض أولى التجارب السريرية التي احتضنتها مؤسسة مكة الطبية في إطار هذا البرنامج، حيث قدم الفريق الطبي حصيلة أول عمليتين جراحيتين أُنجزتا باستعمال المنصة الجراحية الروبوتية الجديدة، واللتين أكدتا نجاح الانطلاقة الأولى لهذا البرنامج داخل المؤسسة.

فقد همت العملية الأولى مريضة تبلغ من العمر 84 سنة، خضعت لتدخل جراحي لعلاج بقايا المرارة (Moignon vésiculaire)، واستغرقت العملية حوالي ساعتين. وتميزت بتطور إيجابي، حيث غادرت المريضة المؤسسة في اليوم الموالي، وهي تواصل مرحلة التعافي في ظروف صحية جيدة، بما يعكس نجاح التدخل وكفاءة الفريق الطبي في توظيف هذه التكنولوجيا المتقدمة.

أما العملية الثانية، فتعلقت بعلاج فتق جداري بعد عملية جراحية سابقة (Éventration post-opératoire)، واستغرقت حوالي ثلاث ساعات، وغادر المريض المؤسسة في اليوم الثاني بعد الجراحة، وهو يواصل مرحلة التعافي في ظروف جيدة، بما يؤكد جاهزية الفريق الطبي لاعتماد هذا النوع من التدخلات الدقيقة وفق أعلى معايير الجودة والسلامة.

وأكد المتدخلون أن هذه النتائج الأولى لا تمثل سوى بداية لبرنامج يروم توسيع نطاق الاستفادة من الجراحة الروبوتية ليشمل عدداً من التخصصات الجراحية، لاسيما في علاج الأمراض المعقدة، وفي مقدمتها بعض السرطانات، وذلك في إطار مقاربة تقوم على الانتقاء الدقيق للحالات، واحترام البروتوكولات الطبية المعتمدة، والعمل الجماعي متعدد التخصصات، بما يضمن أفضل النتائج العلاجية لكل مريض.

واختُتم اللقاء بالتأكيد على أن إطلاق برنامج الجراحة الروبوتية بمؤسسة مكة الطبية يشكل خطوة نوعية في مسار تحديث العرض الصحي بالمغرب، ويجسد التزام المؤسسة بالمساهمة في تطوير الممارسة الطبية الوطنية، من خلال الجمع بين الكفاءات الطبية المغربية وأحدث التقنيات المعتمدة عالمياً.

كما شدد المتدخلون على أن التطور التكنولوجي، مهما بلغ مستواه، لا يمكن أن يحل محل خبرة الطبيب أو قراره الطبي، مؤكدين أن المنصة الروبوتية ليست سوى أداة متطورة تُمكّن الجراح من العمل بدقة أكبر وفي ظروف تقنية أفضل، بينما يبقى الطبيب المسؤول الأول والأخير عن جميع مراحل التدخل الجراحي ونتائجه.

وأكدت مؤسسة مكة الطبية، في ختام اللقاء، أن هذا البرنامج يندرج ضمن رؤيتها الرامية إلى ترسيخ ثقافة الابتكار الطبي، والاستثمار في التكنولوجيا الحديثة، وتطوير الكفاءات الوطنية، وتمكين المرضى من الاستفادة من أحدث الحلول العلاجية داخل المغرب، بما ينسجم مع الأوراش الوطنية الرامية إلى تحديث المنظومة الصحية، ويعزز مكانة المملكة كوجهة إقليمية واعدة في مجال الطب المتقدم والابتكار الصحي.