اطلاق وزارة الاسرة والتضامن والتنمية الاجتماعية الحملة الوطنية التحسيسية الأولى حول تعزيز مشاركة النساء في الحياة العامة احتفاء بالأرقام أم تغطية على غياب الانجازات ؟

بقلم – المصطفى اسعد

قبل أن تحقق حملة وزارة الأسرة والتضامن والإدماج الاجتماعي أي أثر يذكر، بدت وكأنها تعاني من أزمة بنيوية في التصور والتواصل والتنسيق ، فالحملات الناجحة لا تقاس بعدد الخرجات بالمنابر المنتقاة والمنشورات الرقمية، بل بقدرتها على خلق نقاش مجتمعي واسع وإيصال رسائلها إلى مختلف فئات المجتمع ، وهو ما لم يظهر بوضوح في هذه المبادرة.

أول ما يثير الانتباه هو أن الحملة الوطنية التحسيسية الأولى حول تعزيز مشاركة النساء في الحياة العامة انطلقت دون أن تسبقها تعبئة إعلامية حقيقية أو إشراك واسع للفاعلين المعنيين بقضايا المرأة والأسرة ، فقد بدا وكأن الوزارة تراهن على نشر بعض المواد البصرية والأرقام الإحصائية على أمل أن تتحول تلقائيا إلى حدث وطني، بينما تؤكد التجارب الناجحة أن التواصل العمومي يحتاج إلى تخطيط دقيق وشبكة واسعة من الشركاء والوسائط والقنوات القادرة على إيصال الرسالة إلى الرأي العام.

كما أن الحملة أعادت إنتاج أحد أوجه الخلل المتكررة في العمل الحكومي: التركيز على الاتصال بدل الفعل ، فالوزارة تعرض أرقاما حول مساهمة المرأة في الاقتصاد والعمل المنزلي والتمثيلية السياسية، لكنها لا تقدم للرأي العام خريطة طريق واضحة أو مشاريع ملموسة مرتبطة بهذه الأرقام ، وكأن الهدف أصبح إقناع المواطنين بوجود المشكلة، لا إقناعهم بوجود حلول حقيقية لها.

الأرقام التي تتحدث عن مئات المليارات من الدراهم الناتجة عن العمل المنزلي غير المؤدى عنه ليست اكتشافاً جديدا ، بل تشخيصا معروفا منذ سنوات .. والسؤال الذي يطرحه المواطن اليوم ليس كم تساهم المرأة المغربية، بل ماذا فعلت الوزارة لتحويل هذا الاعتراف إلى سياسات وبرامج وآليات دعم وحماية اجتماعية؟ هنا تحديداً يبدأ الصمت.

ويبدو أن أحد أكبر نقاط ضعف الحملة هو غياب الربط بين التشخيص والتنفيذ ، فكل الأرقام المعروضة تقود إلى استنتاج واحد: النساء يتحملن أعباء كبيرة ويواجهن تحديات حقيقية .. لكن ما الذي تحقق فعليا على الأرض؟ ما هي المشاريع التي أطلقت؟ ما هي المؤشرات التي تحسنت بفضل تدخلات الوزارة؟ وما هي النتائج القابلة للقياس؟ لا تقدم الحملة إجابات واضحة عن هذه الأسئلة.

الأخطر أن الوزارة تبدو وكأنها وقعت في فخ الاعتقاد بأن الحملات التواصلية يمكن أن تعوض المشاريع الميدانية .. والحقيقة أن التواصل لا يصنع الإنجازات، بل يشرحها فقط ، أما حين يصبح التواصل بديلا عن الإنجاز، فإنه يتحول إلى محاولة لتسويق الحصيلة بدل تطويرها.

إن نجاح أي حملة مؤسساتية يفترض وجود رؤية واضحة، وتنسيق محكم، ورسائل دقيقة، وأهداف قابلة للقياس، ومشاريع قائمة يمكن تقديمها للرأي العام باعتبارها ثمرة للعمل الحكومي ، أما حين تغيب هذه العناصر، فإن الحملة تتحول إلى مجرد عرض للأرقام والشعارات، سرعان ما يفقد تأثيره بمجرد انتهاء النشر على مواقع التواصل الاجتماعي.

لهذا يمكن القول إن مشكلة هذه الحملة لا تكمن في مضمون الأرقام التي تقدمها فقط، بل في الفلسفة التي تقف خلفها ، فهي تعكس منطقاً يعتبر أن إنتاج المحتوى التواصلي إنجاز في حد ذاته، بينما ينتظر المواطنون سياسات عمومية فعالة ومشاريع ملموسة تغير واقع النساء والأسر، لا حملات جديدة تخبرهم بما يعرفونه أصلا .

فالوزارة لا تحتاج إلى المزيد من الملصقات الرقمية، بل إلى المزيد من النتائج على الأرض ، وعندما تصبح المشاريع أقوى من الشعارات، لن تكون هناك حاجة إلى كل هذا الجهد لإقناع الناس بوجود انجازات.

المغاربة لا يحتاجون إلى حملات دعائية تزين الواقع بالألوان والشعارات، بل إلى سياسات فعالة تقاس بنتائج ملموسة ، أما الاكتفاء بعرض الأرقام في الملصقات والمنشورات، فلن يغير حقيقة أساسية: المرأة المغربية ما تزال تتحمل النصيب الأكبر من الأعباء، بينما تحصل على نصيب أقل من السلطة والتمثيل والفرص.

لهذا تبدو هذه الحملة أقرب إلى محاولة لتجميل الحصيلة الحكومية منها إلى تشخيص صادق للواقع.