بقلم – المصطفى اسعد :
مرة أخرى، تنشر الصفحة الرسمية لوزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة خبرا وتسوقه على انه انجاز كبير ، وهذه المرة من إقليم برشيد ، فالزيارة الميدانية التي قامت بها الوزيرة “نعيمة ابن يحيى” لم تخرج عن النمط التقليدي المعهود: قص شريط، تبادل ابتسامات أمام الكاميرات، توقيع اتفاقيات فضفاضة، وتوزيع شواهد الشكر والتقدير ، لكن، إذا ما قشرنا غلاف “البروباغندا” ولغة الخشب المستعملة في البلاغ، فما الذي دشنته الوزارة حقاً؟
إعادة تدوير “النمطية التقليدية” تحت مسمى “الريادة”
يتحدث البلاغ بلغة فضفاضة تعج بمصطلحات براقة مثل “التمكين الاقتصادي”، “الريادة”، و“الاستقلالية المالية”. ولكن الصدمة تأتي عند قراءة التفاصيل التقنية للمركز؛ فالورشات المخصصة للنساء لا تخرج عن الثالوث الكلاسيكي : (الخياطة، الطبخ، والحلاقة والتجميل).
- هل هذه هي “الريادة” التي تطمح إليها نساء المغرب في عام 2026؟
- هل اختزال طموح المرأة القروية وشبه الحضرية في حرف تقليدية تشبع السوق بها نتيجة ضعف المردودية يعد مدخلا لـ “العدالة الاجتماعية الشاملة”؟
إن حصر برامج التمكين في هذه المجالات هو تكريس للفكر الأبوي والنمطي الذي يرى في المرأة مجرد “حرفية منزلية” وليس فاعلة اقتصادية قادرة على ولوج مجالات التكنولوجيا، الرقميات، المقاولة المهيكلة، أو الطاقات المتجددة… وان كانت تلك المهن مهمة بالمجتمع فان الاقتصار عليها فقط هو حيف في حق المرأة المغربية التي يفتخر بها العالم ككل .
أرقام هزيلة لا تستجيب لحجم الخصاص
يتفاخر البلاغ بأن الطاقة الاستيعابية للمركز تبلغ 60 مستفيدة فقط! في إقليم كإقليم برشيد، الذي يضم آلاف النساء اللواتي يعانين من البطالة والفقر والهشاشة (سواء في جماعة الساحل أولاد حريز أو الجماعات المحيطة بها)، هل يمثل مركز يستوعب 60 امرأة “آلية محلية فعالة”؟
إن هذه الأرقام المجهرية تكشف عن هوة سحيقة بين الشعارات الكبرى الرنانة المرفوعة في الرباط، وبين العرض الهزيل المقدم على أرض الواقع ، إنها سياسة “قطرة في بحر” لا تسمن ولا تغني من جوع، بل تُستخدم فقط لتأثيث الأنشطة الوزارية.
خصخصة العمل الاجتماعي والاختباء وراء الجمعيات
يظهر البلاغ بوضوح أن الوزارة أصبحت تلعب دور “المتفرج” أو “المبارك” لجهود المجتمع المدني، حيث تكتفي بزيارة مراكز تابعة لجمعيات ، وتوقيع اتفاقيات مع “التعاون الوطني” الذي يمر أصلا بأزمات عدة وسنقوم بالأيام القادمة بتحليل واقعه ، هذا الارتماء الكامل في أحضان الجمعيات يطرح تساؤلات حول دور الدولة وميزانيتها:
- أين هي المرافق العمومية المستقلة والتابعة مباشرة للقطاع الحكومي؟
- لماذا تحولت الوزارة إلى مجرد “موزع شواهد” في أنشطة جمعوية، بدل أن تكون واضعة لسياسات عمومية مندمجة ذات أثر مالي مباشر؟
الوزارة وغياب المؤشرات الحقيقية
على الوزارة أن تقدم لنا لغة الأرقام والمؤشرات:
- كم من امرأة تخرجت من هذه المراكز ونجحت فعلياً في إنشاء مقاولة مدرة للدخل؟
- ما هي القروض أو التمويلات التي وفرتها الوزارة لهؤلاء النساء خارج منطق “شواهد التقدير”؟
- ما هي نسبة استدامة هذه المشاريع بعد مغادرة الوزيرة لعين المكان؟
إن تدشين مراكز التمكين الاقتصادي ، بالصيغة الحالية ، ليس سوى استمرار لسياسة “الماكياج الاجتماعي”، لأن تمكين النساء الحقيقي يمر عبر إصلاحات بنيوية، وإدماج حقيقي في النسيج الإنتاجي، وتوفير تمويلات حقيقية، وقطع دابر التدشينات الصورية التي تقتات على مآسي الفئات الهشة ، وإلى أن تتغير هذه العقلية، ستبقى “الريادة النسائية” مجرد حبر على ورق البلاغات الوزارية.
