بقلم : عبده حقي
أعترف اليوم، وأنا أكتب هذه السطور، بأنني لم أعد أنظر إلى أدوات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي باعتبارها مجرد أدوات باردة بلا روح، بل صارت جزءًا من المشهد الإنتاجي الثقافي العالمي الذي يفرض نفسه على الجميع، من الصحفي إلى الروائي، ومن الشاعر إلى الباحث الأكاديمي. ومع ذلك، فإنني كلما تابعت هذا الاندفاع العالمي نحو الذكاء الاصطناعي وبرامج الكتابة التلقائية، ازددت اقتناعًا بحقيقة واحدة لا تتغير: البرامج لن تصنع كاتبًا حقيقيًا.
هذه الأدوات قد تساعد، نعم. قد تختصر الوقت، نعم. قد تُنقذ الكاتب أحيانًا من عطب لغوي أو ارتباك وتعثر في الصياغة، لكنّها تظل عاجزة عن خلق ذلك الكائن الغامض الأنطولوجي الذي يُدعى الكاتب. لأن الكتابة، في جوهرها العميق، ليست عملية تقنية، بل تجربة وجودية شاملة، تتداخل فيها الذاكرة مع الجرح، واللغة مع الحياة، والخوف مع الحلم.
حين أعود إلى بداياتي الأولى مع الكتابة في أواسط سبعينات القرن الماضي ، أتذكر جيدًا أنني لم أتعلم حبكة السرد من شاشة إلكترونية، ولم أكتشف أسرار المقال الصحفي عبر خوارزمية ذكية، بل تعلمت ذلك من الاحتكاك بالحياة نفسها. تعلمته من الأزقة القديمة، من رائحة الكتب المستعملة في مكتبة الحي العامة ، من ارتباكي أمام أول مقال نشرته، ومن تلك الليالي الطويلة التي كنت أمزق فيها الصفحات تلو الصفحات لأن جملة واحدة لم تكن صادقة بما يكفي.
ومما لاشك فيه أن البرامج لا تعيش هذه المعاناة. إنها لا تعرف القلق الذي يسبق كتابة افتتاحية سياسية خطيرة، ولا تشعر بالخوف من الرقابة، ولا ترتجف أصابعها وهي تكتب شهادة شخصية عن الحب أو السجن أو المنفى أو الهزيمة. البرامج لا ذاكرة لها، بينما الكاتب الحقيقي قد ولد من رحم من الذاكرة.
أحيانًا أقرأ نصوصًا مكتوبة بواسطة الذكاء الاصطناعي، فأشعر بأنها تشبه بنايات فاخرة بلا سكان. كل شيء فيها مرتب بعناية: الجمل سليمة، العناوين جذابة، المعلومات متوفرة، وحتى الإيقاع يبدو متماسكًا. لكن شيئًا أساسيًا يغيب عنها: الروح الإنسانية.
النص الحقيقي ليس مجرد ترصيف لغوي جميل، بل أثر إنساني يتركه الكاتب داخل الكلمات. ولذلك أؤمن أن القارئ الذكي يستطيع، بعد أسطر قليلة فقط، أن يميز بين نص كُتب بنكتار الحياة ونص كُتب بالخوارزمية.
لقد تحولت الكتابة اليوم إلى سوق ضخمة للسرعة. الجميع يريد إنتاج عشرات المقالات يوميًا، ومئات المنشورات أسبوعيًا، وآلاف الكلمات بضغطة زر. لكن السرعة ليست دائمًا دليلًا على الجودة. هناك نصوص احتاج أصحابها إلى سنوات كاملة حتى تنضج، بينما تموت آلاف النصوص السريعة بعد ساعات قليلة من نشرها لأنها بلا حرارة داخلية صادقة.
إن الكاتب الحقيقي لا يكتب فقط ليملأ الفراغ الرقمي، بل يكتب لأنه يشعر أن هناك شيئًا يحترق داخله ويجب أن يُقال. وهذه النار الداخلية لا يمكن برمجتها.
إنني لا أهاجم التكنولوجيا ومميزاتها ، بل أرفض فقط تحويلها إلى إله جديد لكوكب الثقافة. لقد استفدت شخصيًا من أدوات كثيرة في التصحيح والترجمة والبحث والتوثيق، وأعترف أن الذكاء الاصطناعي قد فتح أمام الكتّاب آفاقًا واسعة لتطوير مهاراتهم. لكن الخطأ الكبير يبدأ حين يظن البعض أن امتلاك برنامج متطور يكفي لصناعة كاتب أو صحفي أو روائي.
أتأمل أحيانًا مصير الأجيال الجديدة التي تترعرع داخل عالم سريع ومتشبع بالصور والنصوص الجاهزة، فأشعر بشيء من القلق الثقافي الحقيقي. أخشى أن يتحول الكاتب مستقبلاً إلى مجرد “مشغّل برامج”، وأن تضيع تلك العلاقة الحميمة بين الإنسان والورقة، بين الكاتب وعزلته، بين الجملة وصمتها الطويل قبل الولادة.
لقد كان كبار الأدباء يعيشون داخل متاهات النصوص قبل أن يكتبوها. كانوا يحملونها في الشوارع والمقاهي والمنفى والسجون والحروب. أما اليوم، فهناك من يريد كتابة رواية كاملة في دقائق قليلة عبر أوامر تقنية مختصرة. وهذا في نظري يشبه من يريد قطف تفاحة دون أن يزرع شجرتها.
إن الكاتب الحقيقي ليس آلة إنتاج لغوي، بل شاهد على عصره. إنه ذلك الإنسان الذي يرى ما لا يراه الآخرون، ويحول الألم الشخصي إلى معنى جماعي. ولهذا فإن أعظم النصوص في التاريخ خرجت من رحم المعاناة الإنسانية لا من مختبرات البرمجة.
أعرف جيدًا أن العالم يتغير بسرعة هائلة، وأن الذكاء الاصطناعي سيصبح جزءًا دائمًا من المشهد الثقافي والإعلامي، لكنني أؤمن أيضًا أن الإنسان سيظل دائمًا بحاجة إلى صوت بشري حقيقي يكتب له عن الحب والخوف والخذلان والحرية والموت بلغة تشبه دقات القلب لا إشارات الحواسيب.
ربما تستطيع البرامج أن تكتب مقالة مقنعة، أو قصيدة موزونة، أو رواية متماسكة البناء، لكنها لن تستطيع أن تمنح النص ذلك الارتعاش الخفي الذي يولد حين يكتب الإنسان جزءًا من روحه فوق الورق.
لهذا أختم بكل وضوح: البرامج قد تساعد الكاتب، لكنها لن تصنع أبدًا كاتبًا حقيقيًا.
