بقلم – عبده حقي
كلما استمعتُ واستمتعت بأغنياتِ عميد الطرب المغربي عبد الوهاب الدكالي، أشعرُ بأنَّ الكلماتِ تتحوَّلُ في داخلي إلى عناديل صغيرةٍ تفتش عن نافذةٍ مشرعة نحوَ قلبي. وكلما قرأتُ قصائدَ الشاعر نزار قباني، أحس أنَّ اللغةَ العربيةَ تخلعُ عن نفسها فستان البلاغةِ الثقيلةِ، وتمشي حافيةً القدمين فوقَ أرصفةِ الحبِّ واليوميِّ والهشاشةِ العاطفية. لذلك كثيرًا ما سألتُ نفسي: ما الذي يمكن أن يجمعَ بين شاعرٍ دمشقيٍّ جعلَ من القصيدةِ بيتًا للعشقِ والتمرُّد، ومطربٍ مغربيٍّ منحَ الأغنيةَ العربيةَ صوتًا دافئًا يشبهُ ضوءَ الشفق فوقَ العواصم العربية العتيقة؟
أعتقدُ أنَّ أولَ ما يجمعُ بين الرجلين العبقريين هو الإيمانُ العميقُ بأنَّ الفنَّ ليس ترفًا عابرًا، بل ضرورةٌ روحيةٌ لإنقاذِ الإنسانِ من قسوةِ العالم والوقت.
لقد كان نزار قباني يكتبُ عن العشق المحظور كما لو أنه يكتبُ سيرةَ أمةٍ عربية كاملةٍ تبحثُ عن حنانها المفقود، بينما كان عبد الوهاب الدكالي يغني عن الوجدان والعاطفةَ بصوتٍ يختلطُ فيه الشجنُ المغربي برهافةِ المشرق. كلاهما لم يكن يهربُ من الواقع، بل كان يحاولُ تطويع قسوتهِ وخساراته بالجمال.
حين أستعيدُ أغنيةَ “مرسول الحب” أو“كان يا مكان”، أشعرُ بأنَّ عبد الوهاب المغربي لم يكن مجرَّدَ مطربٍ يؤدي الكلمات بعمق، بل كان شاعرًا أيضا يكتبُ بالصوتِ بدلَ الحبر. أي تلك القدرةُ على تحويلِ الجملةِ البسيطةِ إلى إحساسٍ طويلِ الأثر تشبهُ كثيرًا ما فعله نزار قباني داخلَ القصيدةِ العربيةِ العنقودية الحديثة. لقد منحَ نزار للكلماتِ جسدًا حيًّا، بينما منحَ الدكالي للألحانِ روحًا تتنفَّسُ داخلَ الذاكرةِ الجماعيةِ للمغاربةِ والعرب قاطبة.
ما يدهشني حقا أنَّ الرجلين العبقريين امتلكا الجرأةَ نفسها في مغازلة الإنسانِ العادي. لم يكن قباني شاعرَ النخبِ المنغلقةِ في صالوناتها البرجوازية المخملية ، بل شاعرَ المرأةِ التي تنتظرُ رسالةَ حبٍّ، والرجلِ الذي يخشى الاعترافَ بمشاعره. وكذلك لم يكن الدكالي فنانَ الصالاتِ الأرستقراطيةِ فقط، بل كان صوتًا يدخلُ البيوتَ الشعبيةَ والمقاهي والحقولَ ومهرجانات المدنِ وأعراس القرى. لقد استطاعا معًا أن يقرِّبا القصيد والأغنية معا من الحياةِ اليوميةِ دون أن يفقدا هيبتَهما الجمالية.
أنا ابنُ جيلٍ عاشَ زمنَ الراديو والأسطواناتِ السوداءِ والكاسيت، أتذكَّرُ جيدًا تلك اللحظاتِ التي كان فيها سماع الأغنيةُ في بيتنا حدثًا عائليًا طافحا بالحب والوئام . كان صوتُ الدكالي في ستينات وسبعينات القرن الماضي يعبرُ الأزقةَ المغربيةَ خفيفا مثلَ نسمةٍ باردة، بينما كانت قصائدُ قباني تُتداولُ بين الطلبةِ والعشاقِ كأنها رسائلُ سريةٌ ضدَّا على القبحِ والكبت العاطفي العربي. كلاهما أعادَ الاعتبارَ للمشاعرِ في زمنٍ عربيٍّ كان يزدادُ كل يوم شراسة وعنفا سياسيا.
هناك أيضًا قاسمٌ آخرُ يجمعُ بين الرجلين، وهو العلاقةُ الخاصةُ باللغةِ. فقباني لم يكن يكتبُ بلغةِ المعاجمِ المتحفيةِ، بل بلغةٍ تتنفَّسُ داخلَ الشارعِ والمقهى ورسائلِ العشاق. والدكالي بدوره لم يكن يغني بطريقةٍ متكلَّفةٍ أو استعراضية، بل بصوتٍ يجعلُ الكلماتِ تبدو قريبةً من نجيع القلبِ مهما بلغتْ شاعريتُها خصوصا في قصائد الشاعر محمد بن يحيى الطنجاوي. لهذا السبب استطاعا أن يعبرا الحدودَ الجغرافيةَ بسهولة؛ فقصائدُ نزار تُقرأُ في الرباطِ كما في بيروت، وأغنياتُ الدكالي تصدح في دمشقَ كما في الدار البيضاء.
وأحيانًا أشعرُ أنَّ قباني والدكالي ينتميانِ إلى دوحة فنيةٍ واحدةٍ، حتى وإن لم يلتقيا كثيرًا داخلَ الأعمالِ الغنائية المشتركة. إنهما مدرسةٌ تؤمنُ بأنَّ الرقةَ ليست ضعفًا، وأنَّ الجمالَ يمكنُ أن يكونَ مقاومةً أيضًا. لقد عاشا في زمنِ الانتكاسات والهزائم العربيةِ الكبرى، لكنهما اختارا أن يدافعا عن الإنسانِ من خلال الحبِّ والفنِّ والحنينِ، لا عبرَ الشعاراتِ والبيانات السياسية الجافة.
ما يجمعُهما كذلك هو تلك المسافةُ الدقيقةُ بين الحزنِ والأمل. فقصائدُ قباني ليست رومانسيةً بريئةً دائمًا؛ إنها تحملُ جروحَ الخيباتِ العربيةِ، وانكساراتِ المدائنِ، ومرارةَ الإحباط. وكذلك أغنياتُ الدكالي تبدو أحيانًا كأنها تبكي في صمتٍ جميل. إنهما يعرفانِ أنَّ الفنَّ الحقيقيَّ لا يولدُ من الفرحِ وحده، بل من الألمِ أيضًا.
لقد كان الدكالي بالنسبةِ لي قسطا وافرا من ذاكرةِ المغربِ العاطفيةِ الحديثة. صوتهُ يشبهُ تلك المدنَ المغربية العتيقةَ التي تخفي وراءَ أسوارها حكاياتٍ طويلةً عن الحبِّ والصبرِ والانتظار. أما قباني فقد كان بالنسبةِ لي شاعرًا علَّمَ جيلي أنَّ اللغةَ الفصحى ليست سجناً للقواعدِ فقط، بل فضاءً للحريةِ الشخصيةِ والبوحِ الإنساني.
وأنا أتأملُ اليومَ بعد رحيل عبدالوهاب الدكالي قبل أسبوع المسافةَ بين دمشقَ والرباط، أكتشفُ أنَّ الفنَّ العربي الحقيقيَّ يستطيعُ أن يبني جسورًا لا تهدمها السياسةُ ولا اختلافاتُ الجغرافيا. لقد استطاع نزار قباني أن يجعلَ القصيدةَ العربيةَ أكثرَ تلقائية ودفئًا وإنسانية، بينما استطاع عبد الوهاب الدكالي أن يمنحَ الأغنيةَ المغربيةَ بعدًا عربيًا واسعًا دون أن تفقدَ هويتَها المحلية.
ربما لهذا السبب ما زلتُ أشعرُ بأنّ الرجلين يلتقيانِ في مكانٍ خفيٍّ داخلَ الوجدانِ العربي. هناك، حيثُ تتحوَّلُ القصائد إلى موسيقى، وتتحوَّلُ الموسيقى إلى قصائد ، وتصبحُ الكلمة أغنيةً، وتصبحُ الأغنيةُ وطنًا صغيرًا نحملهُ معنا أينما ذهبنا.
