في إطار فعاليات الدورة الـ 31 لـلمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، الذي ينظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، احتضن الرواق المشترك بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، اليوم الثلاثاء 5 ماي 2026، ندوة علمية بعنوان “دور القضاء في تخليق الحياة العامة”، وذلك ضمن برنامج علمي يواكب قضايا الحكامة وتعزيز دولة الحق القانون، ويبرز انخراط المؤسسة القضائية في حماية الأمن القانوني، من خلال مناقشة آليات مكافحة الفساد المالي وتكريس مبادئ الشفافية.
الجرائم المالية… تقنيات البحث المالي الموازي
وفي هذا السياق، أكد السيد خالد كردودي، الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بمراكش، أن الجرائم المالية تعد من أخطر التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني، لما لها من آثار سلبية على المرفق العمومي والسياسات التنموية، مشيرًا إلى انخراط المغرب في جهود دولية ووطنية لمكافحة الفساد، من خلال المصادقة على الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، إضافة إلى تطوير الترسانة القانونية الوطنية، بما يشمل قوانين غسل الأموال وحماية المبلغين وإحداث مؤسسات متخصصة.
وشدد المتدخل على أن فعالية مكافحة الجرائم المالية تقتضي فهم الترابط القائم بين المصادرة والحجز والبحث المالي الموازي، باعتبارها آليات متكاملة وليست منفصلة، وأوضح أن المصادرة، باعتبارها عقوبة مالية عينية، لا يمكن الحكم بها إلا إذا سبقتها إجراءات الحجز، والتي بدورها تعتمد على نتائج البحث المالي الموازي لتحديد الأموال والممتلكات المتحصلة من الجريمة، مضيفا أن المشرع المغربي جعل المصادرة وجوبية في عدد من الجرائم المالية، خاصة تلك المرتبطة باختلاس الأموال العامة وغسل الأموال، وذلك بهدف استرجاع العائدات غير المشروعة لفائدة الدولة، فالغاية الأساسية لم تعد فقط متابعة الأشخاص، بل التركيز على استرجاع الأموال المنهوبة.
وأبرز السيد كردودي أن البحث المالي الموازي يمثل أداة محورية في كشف الامتدادات الخفية للجريمة المالية، من خلال تتبع حركة الأموال وتحليل مصادرها وتحديد المستفيدين الفعليين منها. وأوضح أن هذا النوع من الأبحاث يعتمد على تجميع المعطيات من مصادر متعددة، تشمل المؤسسات المالية، والتصريحات بالاشتباه، والسجلات الرسمية، إضافة إلى المعطيات المتاحة عبر المصادر المفتوحة. كما أشار إلى أن نجاح هذه المقاربة يقتضي تنسيقًا وثيقًا بين مختلف الفاعلين، من نيابة عامة وشرطة قضائية وهيئات مالية، إلى جانب توظيف التقنيات الحديثة والتعاون الدولي، خاصة في ظل الطابع العابر للحدود الذي يميز جرائم غسل الأموال والفساد المالي.
تخليق الممارسة الانتخابية
سلط السيد عبد العزيز الغزاوي، رئيس شعبة القضاء الإداري بقطب القضاء المتخصص بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، الضوء على دور القضاء الإداري في تخليق الممارسة الانتخابية، باعتبارها رهانا دستوريا ومؤسساتيا يعكس مدى الثقة في العملية الديمقراطية، وأبرز أن الانتخابات لم تعد مجرد آلية تقنية لإفراز ممثلين، بقدر ما تشكل منظومة قانونية متكاملة تهدف إلى ضمان التعبير الحر والصادق عن إرادة الناخبين، كما شدد على أن القضاء، بمختلف مكوناته، يضطلع بدور أساسي في حماية هذه الإرادة، من خلال ضبط المسار الانتخابي والتدخل لضمان احترام قواعد النزاهة والشفافية، وهي مقاربة تكتسي أهمية خاصة في ظل الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة، وما تفرضه من تحديات تتعلق بتعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة.
وأكد المتدخل أن خصوصية القضاء الإداري تكمن في كونه لا يقتصر على التدخل بعد وقوع النزاعات، بل يواكب العملية الانتخابية في جميع مراحلها، بدءا من القيد في اللوائح الانتخابية وصولًا إلى إعلان النتائج وما بعدها. وأوضح أن الاجتهاد القضائي، خاصة الصادر عن محكمة النقض، ساهم في إرساء قواعد دقيقة تؤطر هذه المراحل، من خلال ضبط شروط القيد وإثبات الإقامة، وتحديد معايير الأهلية الانتخابية، وكذا تأطير الطعون الانتخابية وحصرها في نطاقها القانوني.
وأضاف أن القضاء الإداري ساهم أيضا في تخليق مرحلتي الترشح والحملة الانتخابية، من خلال تأطير شروط الترشح وضبط موانعه، واعتماد قراءة قانونية تضمن تكافؤ الفرص بين المترشحين، وأبرز أن القضاء تعامل مع المخالفات الانتخابية بمنهج متوازن، حيث لا يؤدي كل خرق إلى إلغاء العملية الانتخابية إلا إذا ثبت تأثيره الفعلي على النتائج، خاصة في حالات المناورات التدليسية، ويمتد دور القضاء إلى ما بعد إعلان النتائج، عبر مراقبة سلوك المنتخبين من خلال آليات العزل والتجريد، خصوصا في حالات تنازع المصالح أو الإخلال بواجبات التدبير، بما يهدف إلى حماية المرفق العمومي والحفاظ على ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.
الاختصاصات القضائية وغير القضائية للمحاكم المالية
استعرض السيد شفيق البهوي، رئيس فرع الغرفة الرابعة بالمجلس الأعلى للحسابات، المقاربة المغربية المتميزة في تخليق الحياة العامة، مؤكدا أن مفهوم التخليق يتجاوز مجرد غياب الجريمة المالية ليمس “استقامة الممارسة التدبيرية” التي تجعل المصلحة العامة المحرك الوحيد للقرار الإداري، وأوضح أن الرقابة المالية ترتكز على جناحين متكاملين: جناح قضائي يركز على الردع والجزر ومعاقبة الأخطاء المالية، وجناح غير قضائي يستشرف المستقبل عبر مراقبة التسيير وتقييم الأداء، مما يحول الرقابة من مجرد إجراء تقني إلى صمام أمان يعزز ثقة المواطن في المؤسسات الوطنية.
وفي تفصيله للاختصاصات غير القضائية، أبرز المتدخل دور “مراقبة التسيير” كأداة شمولية لإرساء أخلاقيات النجاعة والتحقق من صدقية العمليات المالية، معتبراً إياها المدخل الرئيسي لاكتشاف الاختلالات التي قد تستوجب متابعات جنائية أو تأديبية. كما توقف عند منظومة “التصريح بالممتلكات” كآلية وقائية وضعت الذمة المالية للمسؤولين والمنتخبين تحت المجهر الرقابي، كاشفاً عن أرقام دالة تعكس حجم الانخراط في هذه المنظومة، حيث تلقت المحاكم المالية أكثر من 556 ألف تصريح منذ دخولها حيز التنفيذ، مع تفعيل مساطر صارمة تصل إلى العزل في حق المخلين بواجب التصريح.
وشدد السيد البهوي على الدور الحاسم للمجلس في “تخليق المال السياسي” عبر تدقيق حسابات الأحزاب ونفقات الحملات الانتخابية، وهو ما مكن المغرب من الحصول على العلامة الكاملة في المؤشرات الدولية ذات الصلة. كما أكد أن عملية “تتبع تنفيذ التوصيات” تعد الحلقة الحيوية التي تضمن عدم الإفلات من الإصلاح البنيوي، حيث انتقل المجلس من دور المحاسب التقني إلى دور “المقوم الأخلاقي” الذي يضمن إدارة المال العام بعقلية تزاوج بين الصرامة القانونية والنزاهة الأخلاقية، بهدف تحقيق خدمة عمومية جيدة وفاءً بالأمانة تجاه دافعي الضرائب.
وفي نفس السياق، أكد السيد جمال حاحو، المحامي العام بالنيابة العامة لدى المجلس الأعلى للحسابات، أن تخليق الحياة العامة يرتكز على علاقة عكسية مع الفساد، فكلما ضعفت الحكامة انحرف القرار التدبيري وتفاقمت الأضرار بالمالية العمومية. وأوضح أن المحاكم المالية تعتمد في كشف الاختلالات على آلية مثلث الاحتيال: “الضغط، الفرص، والمبررات”، حيث يتم رصد الفوارق بين الواقع المادي والإطار المعياري القانوني، معتبرا أن اتساع هذا الفارق، وغياب المصلحة العامة، وتمركز السلطات في يد شخص واحد، تعد إشارات قوية على وجود أخطاء شخصية جسيمة تتجاوز مجرد الهفوات الإدارية لتصل إلى رتبة المخالفات الموجبة للزجر.
وفصل السيد جمال حاحو في الأدوار الزجرية للمحاكم المالية، مبرزا أن اختصاص التأديب المتعلق بالميزانية يهدف إلى تحقيق الردع العام والخاص عبر حماية قواعد القانون العام المالي، حيث لا يكتفي المجلس بفرض الغرامات، بل يُلزم المدبر العمومي بإرجاع الأموال المطابقة للخسارة التي لحقت بالجهاز، كما توقف عند خطورة التسيير بحكم الواقع، واصفا إياه بالتسيير الخفي وغير الشفاف الذي يخرق مبدأ الفصل بين المهام، ويسمح باستخراج أموال عمومية دون وجه حق عبر نفقات صورية، مما يستوجب مساءلة المتورطين بصفتهم “محاسبين بحكم الواقع” وإلزامهم برد الأموال من ذمتهم الخاصة.
وسلط المتحدث الضوء على الخيط الرفيع الرابط بين المخالفة المالية والجريمة الجنائية، موضحا أن التشابه في الركن المادي والظروف المشددة يجعل من المخالفات المالية الخطيرة، كالإشهاد غير الصحيح على تنفيذ الخدمة، مدخلاً للإحالة على القضاء الجنائي وفق المادة 111 من مدونة المحاكم المالية. وخلص إلى أن القضاء المالي، من خلال تفعيل المتابعات ومحاصرة الإهمال والتقصير، يمثل صمام أمان يضمن إدارة المال العام بعقلية تزاوج بين الصرامة القانونية والنزاهة الأخلاقية، مما يعزز الثقة في المرفق العام ويقطع مع ثقافة الإفلات من العقاب.
تخليق الحياة العامة.. خيار استراتيجي
قال السيد عبد الرحمن الشرقاوي، الأستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط، إن تخليق الحياة العامة في المملكة المغربية يعد خيارا استراتيجي للدولة لا رجعة فيها، مستشهدا بالمرجعية التاريخية لهذا التوجه، موضحا أنه تبلور منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش عام 1999، حيث ركزت الخطابات الملكية المؤسسة على أن الأخلاق هي أساس الدولة، وأن الإصلاح الشامل لا يستقيم إلا بسمو الأخلاق واستقامتها، وهو المسار الذي توج بدستور 2011 الذي ارتقى بالقضاء إلى “سلطة مستقلة” حامية للحقوق والحريات ومؤطرة بمبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما تناول السيد الشرقاوي البناء المؤسساتي القوي الذي شيده المغرب لتعزيز النزاهة، مشيرا إلى الدور الريادي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية عبر استراتيجياته الرامية لتحقيق الأمن القضائي وتخليق المشهد المهني من الداخل، بدءا بإصدار مدونة الأخلاقيات القضائية واعتماد الرقمنة كآلية للشفافية. وأوضح أن هذا البناء يتكامل مع أدوار مؤسساتية أخرى كالمجلس الأعلى للحسابات والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة، مشددا على أن التحول من محكمة العدل الخاصة إلى أقسام الجرائم المالية داخل محاكم الاستئناف كان رسالة قوية نحو قضاء متخصص يكفل المحاكمة العادلة ويحمي المال العام بعيداً عن الاستثناء، مما يعكس نضج التجربة المغربية في ملاءمة القوانين الوطنية مع المعايير الدولية.
وفي ختام مداخلته، طرح السيد الشرقاوي سؤالا جوهريا حول النجاعة في ظل استمرار بعض مظاهر الفساد والمحسوبية رغم قوة النصوص والمؤسسات، مؤكدا أن الحل الجذري لا يكمن فقط في الترسانة القانونية، بل في “إحياء الضمير الوطني”. واستشهد في هذا السياق بطرح المفكر عبد الله العروي حول الأسبقية بين الإصلاح السياسي والأخلاقي، ليخلص إلى أن الرهان الحقيقي اليوم هو “إصلاح أخلاقي” يبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة والاعلام. واعتبر أن مستقبل الوطن رهين بمنظومة تربوية تعيد الاعتبار لضمير المواطنة الصادقة.
