الأمن الرياضي المغربي: من المقاربة الزجرية إلى التحصين السيادي الاستراتيجي

بقلم : البراق شادي عبد السلام

تجاوز الشغب الرياضي والعنف المرتبط بالملاعب حدود الظاهرة العارضة ليتحول إلى واقع مجتمعي يستلزم من الفاعلين وأصحاب المصلحة مقاربة استراتيجية شاملة، حيث إن تمدد هذه الظاهرة يبرز كنتيجة حتمية لتداخل اختلالات بنيوية غابت معها الضوابط والقيم المؤطرة للفعل الاحتفالي، الأمر الذي أفسح المجال أمام الانزلاقات العنيفة التي لا ينبغي حصرها في نطاق نتائج المباريات أو الحتميات الكروية الضيقة. ومن هذا المنطلق، نجد أننا أمام ظاهرة عابرة للحدود تمس السلم المجتمعي وتضع الأجهزة الأمنية أمام تحديات جسيمة، لاسيما وأن العقد الأخير كشف عن تحول الملاعب إلى ساحات مواجهة تهدد الأمن العمومي وتستهدف البنيات التحتية والممتلكات.

وبناء على ما تقدم، تقتضي معالجة هذا الملف تبني رؤية مجتمعية متكاملة يمثل القانون والجانب الأمني ركيزتها الأساسية، وذلك من خلال التنزيل الفعلي لمقتضيات القانون 30.09 المتعلق بالتربية البدنية، والالتزام الصارم بالخطوط التوجيهية للرسالة الملكية لعام 2008 التي تشكل خارطة طريق للنهوض بالقطاع. كما أن تفعيل العقوبات الواردة في القانون 09.09 وتنشيط اللجان المحلية لمكافحة العنف يمثل ضرورة إجرائية لردع التجاوزات، بالتوازي مع ضرورة إشراك الفاعل المحلي وتحميله مسؤولياته المباشرة بعيدا عن أدوار النقد السلبي، باعتباره شريكا في العائد الاقتصادي ومستفيدا من التمويل العمومي.

ولا يمكن قراءة هذه التحديات بمعزل عن الطفرة الهيكلية والزخم التاريخي الذي تعيشه الكرة المغربية، والذي تكرس بالإنجاز الإعجازي في مونديال قطر 2022 باحتلال المركز الرابع عالميا؛ هذا المنجز الذي لم يكن وليد الصدفة، بل كان انعكاسا لنضج الرؤية الرياضية الوطنية التي أبهرت العالم وحولت المملكة إلى مصدر إلهام كوني بفضل الرؤية الملكية المتبصرة. إن هذا الزخم الاستثنائي وضع المغرب في صلب الخارطة الرياضية الدولية، وهو ما تعزز بتنظيم كأس إفريقيا للأمم 2025 وفق معايير “مونديالية” رفيعة المستوى أبرزت جاهزية البنية التحتية واللوجستية المغربية، لتكون جسرا نحو الرهان الأكبر المتمثل في تنظيم كأس العالم 2030 ضمن ملف مشترك مع إسبانيا والبرتغال. إن هذا الترشح الثلاثي المبتكر لا يمثل وحده حدثا رياضيا، بل هو مشروع استراتيجي يربط القارات ويجسد القوة الصاعدة للمملكة كشريك موثوق في صياغة مستقبل الرياضة العالمية. وفي هذا السياق، تبرز القوة الهادئة للمملكة في حماية مصالحها السيادية، وهو ما تجلى في المعارك القانونية الرصينة التي خاضتها المؤسسات الرياضية المغربية لتكريس أحقيتها في المحافل القارية، مما يجعل من تطهير هذا المسار من شوائب الشغب واجبا وطنيا لتحصين هذه المكتسبات التاريخية التي تضع المغرب في مصاف القوى الرياضية الكبرى.

وفي سياق متصل، يكشف تتبع المسار التاريخي للعنف الرياضي عن تطور نوعي في أساليب المواجهة، إذ تحولت هذه السلوكات إلى نمط لإبراز القوة والتأثير على مراكز القرار الرياضي، ما أدى إلى تهديد حياة المشجعين السلميين وتقويض المردودية الاقتصادية للمنافسات. وعلى هذا الأساس، أضحى الشغب الرياضي مادة دسمة لمراكز التفكير ومختبرات الدراسات السوسيولوجية والقانونية، بهدف تقديم حلول ناجعة تعتمد مسارين متقاطعين في آن واحد:

▪️المسار الأول: تعزيز الوعي الرياضي كصمام أمان سوسيو-ثقافي

يرتكز هذا المسار على مقاربة استباقية تهدف إلى تحصين “الكتلة الجماهيرية” من الاختراق السلوكي، وذلك عبر تظافر جهود المؤسسات التربوية والإعلامية والأندية لضبط السلوك الجماهيري وحماية المشاريع التنموية للرياضة الوطنية، وتتجلى سبل تعزيزه فيما يلي:

  • صياغة ميثاق وطني للمشجع: يتجاوز الشعارات التقليدية ليرسخ حقوق وواجبات المشجع كشريك في “العلامة الوطنية” (National Branding). إن الوعي الرياضي هنا ليس ترفا فكريا، بل هو ركيزة أساسية لحماية الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية الرياضية، وضمان استدامة إشعاع النموذج المغربي دوليا.
  • الهندسة التربوية للسلوك: عبر إدماج قيم “الروح الرياضية” في المناهج التعليمية وتحويل الملاعب إلى فضاءات للتنشئة الاجتماعية، مما يساهم في تفكيك “سيكولوجية الحشود” التي تميل نحو العنف عند غياب التأطير.
  • الدور البنيوي للأندية: من خلال الانتقال من تدبير “التذاكر” إلى تدبير “العلاقات مع الجماهير”، وذلك بإنشاء خلايا استماع وتواصل دائمة داخل الأندية، تهدف إلى رصد بؤر التوتر قبل انفجارها، وتحويل طاقة المشجعين نحو البناء والتنمية الرياضية.

▪️المسار الثاني: التنسيق المؤسساتي والحكامة الأمنية والقضائية

يتمثل هذا المسار في إرساء دعائم التنسيق المؤسساتي بين جهات إنفاذ القانون والقضاء تحت إشراف الوزارة الوصية، علاوة على التأطير الأكاديمي لجمعيات الأنصار والارتقاء بالإعلام الرياضي نحو المهنية والموضوعية بعيدا عن التحريض، ويمكن تعميق فاعلية هذا المسار عبر:

  • تطوير “الذكاء الأمني الرياضي”: عبر تشبيك جهود مؤسسات إنفاذ القانون لاستخدام التكنولوجيا المتقدمة في الرصد والتحليل الاستباقي للتحركات الجماهيرية، حيث يتجاوز هذا المفهوم المقاربة الميدانية التقليدية نحو إرساء “منظومة يقظة رقمية” تعتمد على البيانات الضخمة (Big Data) والذكاء الاصطناعي للتنبؤ بمخاطر الانزلاقات قبل حدوثها، وتفعيل اللجان المحلية لمكافحة العنف كآليات رقابية دائمة تضمن التطبيق الصارم والحازم لمقتضيات القانون 09.09؛ كما أن هذا التوجه يرمي إلى تعزيز التنسيق العملياتي بين مختلف الأجهزة لضمان انسيابية تدفق المعلومات الأمنية، مما يساهم في تحصين الملاعب من الاختراقات وتجفيف منابع الشغب في مهدها، الأمر الذي يرسخ هيبة الدولة في الفضاء الرياضي ويؤكد قدرة المنظومة الأمنية المغربية على تقديم نموذج رائد في حماية التظاهرات الكبرى وفق معايير الأمن القومي الاستباقي، وبما يخدم تطلعات المملكة السيادية في السياسة الدولية للرياضة.
  • تحصين العمل القضائي الرياضي: من خلال تخصص القضاة في المنازعات الرياضية والجرائم المرتبطة بالملاعب، لضمان سرعة ونجاعة البت في القضايا، وتحويل العقوبة من كونه إجراء زجري إلى “رسالة ردع عام” تحمي الأمن الجماعي ، وبناء عليه، فإن مأسسة “القضاء الرياضي المتخصص” لا تمثل تطويرا إجرائيا بالكامل، بل هي ضرورة استراتيجية تهدف إلى بناء منظومة قضائية تمتلك الأدوات المعرفية والتقنية لفهم سيكولوجية الجريمة الرياضية وسياقاتها الجيوسياسية. إن هذا التخصص يمنح القضاء القدرة على تجاوز المقاربات التقليدية، من خلال صياغة أحكام قضائية تجمع بين الصرامة الزجرية والبعد الإصلاحي، بما يضمن تحويل قاعات المحاكم إلى منصات لترسيخ سيادة القانون في الفضاء العام. إن النجاعة القضائية في هذا الملف تعد ركيزة أساسية لتعزيز الثقة في المؤسسات الوطنية، حيث يساهم الحسم السريع والدقيق في القضايا المرتبطة بالشغب في قطع الطريق أمام أي محاولة لاستغلال هذه الأحداث في سرديات التشكيك أو التحريض، مما يجعل من العمل القضائي صمام أمان يحمي المكتسبات الرياضية للمملكة ويحصن الحرم الرياضي من الاختراقات الإجرامية، تأكيدا على أن الأمن الجماعي هو خط أحمر لا يقبل المهادنة.
  • المهنية الإعلامية كحائط صد: وذلك بتطهير المحتوى الرقمي والرياضي من لغة “الاسترزاق” والتحريض التي تؤجج الصراعات الوهمية، حيث يتجاوز هذا الارتقاء المهني كونه إصلاحا قطاعيا ليصبح ضرورة بنيوية لحماية “الأمن الإعلامي” الوطني عبر صياغة ميثاق أخلاقي يضع حدا لسيادة “إعلام الإثارة” الذي يقتات على تأجيج النعرات الضيقة؛ كما أن مواجهة هذه السلوكيات تقتضي بناء جبهة إعلامية تمتلك القدرة على تفكيك “الأخبار الزائفة” والبروباغندا التحريضية التي تهدف إلى ضرب الاستقرار الداخلي، ومن ثم فإن الانتقال نحو “إعلام رياضي استراتيجي” يفرض على الفاعل الإعلامي أن يكون واعيا بالأبعاد السيادية لمنجزه، مساهما في بناء وعي جماعي يفرق بين النقد البناء والهدم العدمي، ومحولا الفضاء الرقمي من ساحة للتراشق إلى أداة لترويج الصورة الحضارية للمملكة بما يضمن تحصين الرأي العام وتوجيه الحماس الجماهيري ليكون رافعة حقيقية للقوة الناعمة المغربية في المحافل الدولية.
  • مأسسة “الألترات”: عبر خلق قنوات حوار أكاديمية ورسمية مع جمعيات الأنصار، لتحويلها من كيانات هلامية إلى جمعيات مهيكلة وخاضعة لسيادة القانون، بما يضمن انخراطها المسؤول في “التنظيم الذاتي” للمدرجات والمشاركة في تدبير الأزمات الرياضية بروح وطنية عالية؛ إذ إن مأسسة هذا المكون الجماهيري تهدف إلى قطع الطريق أمام محاولات الاستقطاب غير المشروعة أو الاختراقات التي قد تستغل العاطفة الرياضية لتمرير أجندات فوضوية، الأمر الذي يستوجب تحويل هذه الكيانات إلى شريك استراتيجي في حماية المنشآت الرياضية وتعزيز قيم المواطنة، وبذلك يصبح “الإلتراس” جزءا من الحل لا طرفا في الأزمة، وعنصرا فاعلا في إنجاح الرهانات التنظيمية الكبرى للمملكة من خلال الانضباط لضوابط المؤسسات وتكريس هيبة الدولة داخل الفضاءات الرياضية.

وعلى صعيد آخر، يقتضي التحليل الرصين لمسببات التوتر في الملاعب ضرورة فك الارتباط البنيوي بين الفعل الرياضي وبين المعادلات السياسية والانتخابية الضيقة، التي غالبا ما تسعى لتحويل الأندية وجماهيرها إلى خزان انتخابي أو منصة لتصفية الحسابات سياسوية. إن “سيادة الرياضة” تقتضي تحصيد مؤسسات الأندية من التوظيف الحزبي الذي يسعى لاستغلال المشاعر الجماهيرية الجياشة وتوجيهها لخدمة أجندات بعيدة عن الروح التنافسية، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى خلق “حالات شحن” مصطنعة تساهم بشكل مباشر في اندلاع أعمال الشغب. لذا، فإن الارتقاء بالحكامة الرياضية يستوجب وضع جدار عازل يمنع تسلل لغة “الاستقطاب الانتخابي” إلى المدرجات، وتحويل الالتزام الرياضي من أداة للمناورة السياسية إلى رافعة حقيقية للتنمية الوطنية، تماشيا مع الرؤية الملكية التي تضع الرياضة في قلب المشروع التنموي بعيدا عن تجاذبات “التنافس السياسي” التي تضر بسمعة المنتج الرياضي الوطني.

وعليه، فإن النتيجة الاستراتيجية المتوخاة من تقاطع هذه المقاربات تكمن في تحصين “القوة الناعمة” للمملكة المغربية، والارتقاء بالملاعب من كونها فضاءات للتنافس الرياضي إلى منصات دبلوماسية دولية تعكس رقي الذات المغربية، وتبرز كفاءة المؤسسات الوطنية في إدارة الاستحقاقات الكبرى باقتدار ومسؤولية، بما يليق بمكانة المغرب كقوة صاعدة.

ختاما، فإنه في مقابل هذه المنجزات التاريخية والصفحات المشرقة للمسار التنموي الوطني، تبرز ممارسات إجرامية يقودها مارقون يسعون بوعي أو بغير وعي للإضرار بالهوية البصرية والسياسية للمغرب، قاصدين بذلك التشويش على “المكانة السيادية” والريادة التي انتزعتها المملكة في المحافل الدولية بفضل الرؤية الملكية المتبصرة. ومن هذا المنطلق، أضحى استئصال شأفة الشغب الرياضي ضرورة سيادية آنية لا تقبل التأجيل، حماية للسمعة الدولية للمملكة وصيانة لجاذبيتها الاستثمارية في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها القارة. إن السرديات الشعبوية المتآكلة، التي تحاول تبرير التخريب والهمجية بذريعة الظروف السوسيو-اقتصادية أو تقلبات الأسعار، ليست سوى أدوات تضليلية واهية تفتقر للمشروعية، وتهدف في جوهرها إلى شرعنة الجريمة والاعتداء على مقدرات الوطن؛ إذ أن الدولة المغربية، بمؤسساتها الراسخة وعقيدتها الأمنية القوية، لن تسمح لأي فئة مارقة برهن المستقبل الرياضي والجيوسياسي للأمة، أو المساس بالثوابت التي تضمن استقرار ونماء المجتمع. وسيبقى المكان الطبيعي لهؤلاء الخارجين عن القانون هو المساءلة القضائية الصارمة في إطار التفعيل الشامل لسيادة القانون، الذي لا يقتصر دوره على حماية النظام العام وحده، بل يمتد ليشكل الدرع الواقي لـ “الحلم المغربي العالمي” وصمام الأمان لسيادة الدولة على كامل تفاصيل فضاءاتها العمومية.