بقلم – علي سكين
لم تقتحم مسألة ندرة الموارد وقضايا الاستدامة وعي المجتمع الدولي وتتصدر أجنداته السياسية إلا مع حلول سبعينيات القرن العشرين؛ فقبل ذلك التاريخ، ساد نموذج التميز الانساني واعتقاد تقني أعمى يرى في التصنيع والتكنولوجيا أداة سحرية قادرة على تطويع الطبيعة وتدجين موجوداتها دون قيد أو شرط، وكأن كوكب الأرض خزان لا ينضب من المواد الخام.
إلا أن هذا الغرور التكنولوجي اصطدم بواقع مرير فرضته أزمات التلوث المتفاقمة، وبلغت الذروة مع صدمة النفط التي كشفت هشاشة الاقتصاد العالمي القائم على الوقود الأحفوري. وما أغفل في الطرح التقليدي هو أن هذه الأزمات لم تكن مجرد عوائق تقنية، بل كانت مؤشرا على اختلال التوازن الإيكولوجي؛ حيث أدرك العالم فجأة أن النمو الاقتصادي بنموذجه الكلاسيكي يسير في خط تصادمي مع الحدود البيئية، مما قاد الى التفكير نحو بلورة نموذج بيئي جديد، تجاوز اعتبار البيئة مجرد خلفية صامتة لمسرح النشاط البشري إلى كونها نظاما حيويا محدودا يتطلب إدارة عقلانية تضمن حقوق الأجيال القادمة، وهو ما وضع حجر الأساس لمفهوم التنمية المستدامة الذي يوازن بين الاحتياج البشري والقدرة الاستيعابية للطبيعة.
يعرف مفهوم التنمية المستدامة وفقا للتعريف الموحد الصادر عن هيئة الأمم المتحدة كالتالي: التنمية التي تفي باحتياجات الحاضر دون الإضرار بقدرة أجيال المستقبل على الوفاء باحتياجاتها الخاصة (اللجنة العالمية المعنية بالبيئة والتنمية، 1987).
إن قراءة هذا المفهوم ضمن سياق النظام العالمي المعاصر، يكشف عن تراتبية تنموية حادة؛ حيث تنفرد القوى المصنعة والمهيمنة بالسيطرة على أدوات الإنتاج ورأس المال، بينما تحشر الدول المتخلفة صناعيا في خانة المفعول به اقتصاديا، هذا الانقسام البنيوي دفعني لطرح تساؤلين جوهريين حول جدوى التنمية المستدامة في ظل هذا الصراع:
-كيف يمكن للنظام المهيمن الذي يمارس الاستغلال اليوم، بكل ما أوتيت له من إمكانيات ووسائل وبكل شراهة ووحشية أن يدعي الأمانة على مستقبل الأجيال القادمة ؟
– وكيف لنظام يقتات على الاستهلاك المتزايد والنمو اللانهائي أن يتبنى الاستدامة التي تفرض التقنين والاستهلاك المعقلن للموارد؟
داخل الأنظمة الرأسمالية الصناعية تتجلى مفارقة أخلاقية صارخة؛ فهي تطرح نظريات المسؤولية العابرة للأجيال وتتغنى بحقوق أحفادنا في الموارد والبيئة، بينما تمارس في الوقت ذاته استنزافا وحشيا لكرامة وجهد إنسان اليوم. إن هذا التناقض ليس مجرد خطأ في التقدير، بل هو آلية بنيوية تعمل وفق منطق الهروب إلى الأمام، حيث تجد في الوعود المستقبلية مخرجا أخلاقيا؛ فهي تبيع أملا بعيد المدى لتبرير قسوة المدى القصير، حيث تغدو دعوات المسؤولية اتجاه الأجيال القادمة ادعاء زائفا ما دام النظام يسحق الذين يعيشون فيه اليوم.
تبدو لي الموازنة بين التنمية والاستدامة، عبر نحث مفهوم التنمية المستدامة وكأنها محاولة الجمع بين نقيضين، إذ لا يمكن لنظام أن يدعم توجها يؤدي حتما إلى دماره الذاتي؛ فالترويج للمسؤولية العابرة للأجيال من طرف مؤسسات عابرة للأوطان عبر مفاهيم عابرة للتخصصات، بغرض الحفاظ على الموارد للأحفاد مثل التنمية المستدامة أو البصمة الكربونية أو الفقر المتعدد الأبعاد…، ماهي إلا وسيلة للهروب من استحقاقات الحاضر، إذ تعاني الدول المصنعة من انفصام بين الزمن السياسي الضيق، المحكوم بدورات انتخابية وأرباح سنوية تتطلب استغلالا سريعا، وبين الزمن الحيوي الذي يتطلب نفسا طويلا، والنتيجة هي استدامة اقتصادية وليست عدالة إنسانية، والتي لا ترى في إنسان الحاضر سوى مورد للاستنزاف، ولن ترى في إنسان المستقبل سوى رقم في معادلة استهلاك مستقبلي.
إن الاستدامة، في سياقها الراهن، تتحول من ضرورة بيئية إلى أداة سياسية واقتصادية تضمن إعادة إنتاج الهيمنة الغربية، فيتم بذلك تقييد نمو الدول النامية بذريعة المسؤولية الأخلاقية، بينما تستمر الماكينة الرأسمالية في الدوران تحت غطاء أخضر؛ فبعد قرنين من استنزاف القوى الغربية لموارد الكوكب لتحقيق رفاهيتها الصناعية، تطل اليوم بفرض معايير بيئية صارمة على دول إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط بخصوص استخدام الفحم والنفط تحت دريعة إنقاذ الكوكب، إذ لا يبدو في جوهره إلا محاولة لعرقلة المسار التصنيعي للدول النامية، وإبقائها في حالة تبعية تكنولوجية دائمة للغرب الذي تحول من مستنزف للموارد إلى بائع لتقنيات الطاقة البديلة الخضراء. إن هذا الخطاب الأخضر يخفي خلفه تناقضا صارخا؛ فواقع الحال يشير إلى أن النظام الرأسمالي لم يقلص استهلاكه، بل عمد إلى تصدير التلوث عبر نقل مصانعه القذرة إلى الدول النامية، لتستمر في استهلاك ذات المنتجات بضمير مستريح، تاركة التكلفة البيئية والاجتماعية على كاهل الشعوب الفقيرة، في حين تتغنى البرلمانات الغربية بـالمدن الخضراء والهواء النقي.
إن مفهوم الاستدامة، في جوهره السياسي، يبدو مفهوما ملغوما وموجها بدقة نحو الدول المتخلفة صناعيا، إذ أنه يعمل كأداة لـركل السلم؛ حيث تفرض الدول المتقدمة معايير بيئية تعجيزية تمنع الدول النامية من محاكاة المسار الصناعي الذي أوصل الغرب إلى القمة، فبدلا من السماح لهذه للدول ببناء قاعدتها الصناعية التقليدية، يدفع بها نحو تبني الطاقة النظيفة التي يمتلك الغرب براءات اختراعها ومعداتها، مما يعني استبدال التبعية للنفط بتبعية تكنولوجية للمخترعات الخضراء الغربية. إنها عملية تجميل خضراء كبرى؛ يتم من خلالها تصدير الصناعات الملوثة إلى المحيط النامي، في حين يحتفظ المركز بصورة الاستدامة النقية، وتظل الاستدامة الحقيقية غائبة ما دام نمط الإنتاج العالمي محكوما بمنطق الربح لا بمنطق التوازن الحيوي.
وفي هذا السياق، يبدو مفهوم التنمية المستدامة كحل وسط مطاطي صمم لإنقاذ الرأسمالية من أزماتها لا لحماية البيئة والموارد؛ حيث تمت عولمة هذا المصطلح لشرعنة استمرار النمو الاستهلاكي عبر تحويل البيئة نفسها إلى سوق استثماري جديد يضج بتجارة الكربون والسندات الخضراء. وبالنسبة للدول التي لم تصل لمرحلة التصنيع الكامل بعد، تمثل هذه المعايير فخا تنمويا يرفع تكاليف الإنتاج المحلي ويفقدها ميزتها التنافسية، مما يحولها من مشاريع دول منتجة إلى مجرد أسواق استهلاكية للمنتجات الغربية الصديقة للبيئة، علاوة على ذلك تتصادم طموحات التصنيع بجدار الملكية الفكرية؛ فالدول المتقدمة تبيع المنتجات وترفض نقل أسرار التقنية، وكذلك فرض المعايير الدولية للتقنيات الخضراء المحمية ببراءات اختراع باهظة، مما يخندق الدول النامية بين خيارين: إما الإنتاج بوسائل تقليدية توصم بأنها ملوثة، أو الغرق في المديونية الخضراء عبر قروض دولية مشروطة، مما يبقيها كمجرد مراكز للتجميع واليد العاملة الرخيصة، بينما تحتكر الدول الكبرى القيمة المضافة والسيادة التقنية.
وخير مثال لتجسيد هذا التناقض الرأسمالي هي الولايات المتحدة الامريكية؛ فهي التي صاغت أدبيات الاستدامة والحوكمة البيئية للعالم، -كما حدث في بروتوكول كيوتو واتفاق باريس- مما يكشف زيف خطاب المسؤولية الذي تروج له عند أول اختبار لمصالحها؛ إذ سرعان ما ترتد إلى الوقود الأحفوري مع كل أزمة جيوسياسية تأمينا لنمط استهلاكها، بينما تواصل التنصل من مسؤوليتها التاريخية كأكبر ملوث تراكمي برفضها دفع التعويضات المناخية للدول النامية. وفي مفارقة صارخة، توظف المعايير الخضراء كأداة ضغط لعرقلة المنافسين الصاعدين، رغم أنها تستهلك أضعاف ما يستهلكه الآخرون، وهذا يثبت أن أجيال المستقبل ليست سوى ذريعة لتنظيم الأسواق، بينما يظل منطق القوة وتراكم رأس المال هو المحرك الفعلي، على حساب عدالة التنمية وحقوق أجيال الحاضر.
