السياسة الخارجية المغربية.. ملفات شائكة ورهانات غامضة

محمد الزهراوي، أستاذ العلوم السياسية، جامعة القاضي عياض

ثمة تحولات إقليمية طارئة ومتغيرات دولية معقدة تستدعي التحليل والبحث بغية استشراف خريطة التموقعات والتحالفات بالنسبة للمملكة، لاسيما وأن بعض المناطق الحيوية كالرقعة المغاربية تعيش على إيقاع تجاذبات وتقاطبات سياسية وعسكرية غير مسبوقة.

إن محاولة فهم و تحليل الدوافع والمحددات التي تؤثر في صناعة القرار المغربي على المستوى الخارجي، يستلزم وضع السياسة الخارجية المغربية تحت المجهر خلال السنتين الأخيرتين، وذلك، بالنظر إلى حالتي “الانكماش” و “التردد ” اللذين طبعا تعامل المملكة مع بعض الملفات والقضايا الإقليمية الحساسة التي تمس أمنه القومي وموقعه ومركزه المغاربي والإفريقي وعلى الحوض المتوسطي.

محطات وأحداث ومؤشرات عديدة تؤكد أن ثمة تراجع بطعم الرتابة والتراخي بات ينخر الجسد الدبلوماسي المغربي، خاصة فيما يتعلق بالاختيارات والتموقعات إزاء الملفات الطارئة كالملف الليبي والخليج في ظل بروز نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب.

من الناحية النظرية، يمكن الاستعانة ببعض النظريات التي تهم حقل السياسات الخارجية، باعتباره حقل فرعي ضمن حقل العلاقات الدولية، وذلك من خلال استحضار بعض المقاربات والتفسيرات، سواء التي تعتبر السياسة الخارجية هي نتاج تفاعل بين العوامل الدائمة والمؤقتة و تقلبات البيئة الدولية، أو المقترب الذي يركز على تأثير متغير القيادة السياسية في صنع وتوجيه السياسة الخارجية، وهنا لا يمكن دراسة صنع القرار بمعزل عن الدراسات النفسية و الاجتماعية.

وبالعودة إلى السياسة الخارجية المغربية في السنتين الأخيرتين، يلاحظ أنها اتسمت بثلاث خصائص أساسية، أولا، تراجع على مستوى إيقاع ودينامية اللقاءات والتحركات، ثانيا، الانكماش والانزواء إلى الوراء على المستويين الإقليمي والعربي، ثالثا، التموقع ضمن خانة ” عدم الاصطفاف” مما جعل الرباط تنتج مواقف رمادية غامضة ومتدبدبة إزاء عدة ملفات.

وقبل الخوص في كيفية تعاطي المغرب مع التحولات الإقليمية والدولية، لابد من الإشارة إلى أن محددات التأثير والقوة والقدرة على المناورة في المجال الدبلوماسي، بغية التموقع بشكل جيد على مستوى خريطة التحالفات و التوازنات في ظل المتغيرات الجيوسياسية، ترتبط بشرطين أساسيين :

– الأول، دينامية وحركية قائد الدولة على المسرح الدولي، أجندة اللقاءات، الزيارات، طبيعة وكيفية تصريف المواقف.

– الثاني، مدى قدرة الجهاز الدبلوماسي على خلق هامش للتحرك والفعل والمبادرة ضمن خريطة ومناطق الاشتباك والتنافس والصراع..

وارتباطـا بهذين الشرطين، فالأنشطة واللقاءات والأجندة الملكية التي تشكل دعامة قوية للعمل الدبلوماسي، كانت محدودة سنة 2019 من الناحية الكمية والنوعية مقارنة بالدينامية التي سجلت خلال السنوات السابقة، حيث لم تسجل أية زيارة عمل خارجية للملك، فيما لم يتجاوز مجموع اللقاءات داخل المملكة سبعة استقبالات، فيديريكا موغيرني الممثلة السامية للاتحاد الأوربي، ووزير خارجية روسيا، العاهل الاسباني، الأمير البريطاني هاري وعقيلته، الملك الأردني، البابا فرانسيس، المستشار الأول لترامب جاريد كوشنير.

أما على صعيد تحركات الجهاز الدبلوماسي، فقد سجل أن ثمة حركية ودينامية على مستوى تدبير ملف الوحدة الترابية خاصة فيما يتعلق بالجانب الدعائي والتكتيكي من خلال محاولة تكريس السيادة الإفريقية على الأقاليم الجنوبية عبر فتح قنصليات لدول إفريقيا في اقليمي العيون والداخلة من طرف جزر القمر، غامبيا، الغابون، غينيا، افريقيا الوسطى، ساوتومي، برنسيب، لكن، بالمقابل، عجزت الدبلوماسية المغربية على مجاراة التحولات الجيوسياسية، وبدا جليا وعدم قدرتها على خلق هوامش للفعل و إنتاج مواقف قوية وواضحة تجاه بعض الملفات الحيوية بالنسبة للمغرب.

الملف الليبي.. من التردد إلى التموقع ضمن المنطقة الرمادية

قام المغرب خلال سنتي 2013 و2014 بمجهودات دبلوماسية كبيرة تجاه الملف الليبي توجت سنة 2015 باحتضان المملكة “اتفاق الصخيرات” الذي تم توقيعه تحت رعاية الأمم المتحدة في مدينة الصخيرات بتاريخ 17 ديسمبر 2015 بإشراف المبعوث الأممي مارتن كوبلر لإنهاء الأزمة، حيث بدأ العمل به من طرف مختلف القوى الموافقة عليه في 6 أبريل 2016.

لكن، هذا الاتفاق الذي عوّل عليه مختلف الفرقاء من داخل ليبيا و خارجها، لإخراج ليبيا من أزمتها المتفاقمة، أضحى مع مرور الوقت مجرد حبر على ورق، لاسيما بعد تدخل أطراف دولية وعربية ودعمها للجنرال المتعاقد حفتر. إذ لم يتوقف الدعم عند حدود الاعتراف السياسي بهذا العسكري المتمرد، بل وصل الأمر إلى تقديم كل أشكال الدعم من سلاح وعتاد إلى مليشياته من طرف المحور الروسي/الإماراتي/المصري/السعودي، ومحاولة شرعنة تدخلات تلك المليشيات محليا ودوليا في مواجهة حكومة الوفاق.

وعندما اشتد الصراع والاشتباك العسكري بين حكومة الوفاق المدعومة سياسيا وإعلاميا من طرف عدة قوى إقليمية ودولية كايطاليا وتركيا وقطر والجزائر، وبين ميليشيات حفتر المدعومة سياسيا وعسكريا من طرف المحور الروسي الإماراتي/المصري، اكتفت الرباط بترديد خطابات ومواقف محتشمة مناصرة لحكومة الوفاق باعتبارها من أبرز مخرجات اتفاق الصخيرات.

ويمكن فهم وتفهم الموقف المغربي الرمادي المهادن لكافة الأطراف، وذلك بالنظر إلى التوازنات وصراع مراكز القوى الذي يخاض على الرقعة الإفريقية، لاسيما فيما يتعلق بتوسيع دائرة الحلفاء والمناصرين للوحدة الترابية، إذ شكل الموقف المصري المناصر للوحدة الترابية من خلال عدم عقد الترويكا طيلة السنة التي ترأس فيها السيسي القمة الإفريقية، أحد العناصر التي جعلت المغرب ينتج مواقف متوازنة إزاء الأزمة الليبية، دعم حكومة السراج، دون الاصطدام بالمحور المعادي لهذه الحكومة.

معادلة صعبة ومعقدة أنهكت الرباط وأدخلتها ضمن خانة الدول غير المؤثرة في الصراع الليبي، إذ ستقع تغيرات لاحقا ربما ساهمت في تهميش الدور المغربي المفترض، خاصة بعد إقرار البرلمان التركي السماح بإرسال مساعدات عسكرية لتقديم الدعم لحكومة السراج في مواجهة الجنرال حفتر. تدخلات واشتباكات دبلوماسية وعسكرية أدخلت الملف الليبي إلى مرحلة جديدة، مرحلة تتطلب حد أدنى من الاصطفاف والتموقع وخلق هوامش لتحرك والمناورة وفق توازنات معينة، وتصريف المواقف بطرق دبلوماسية مؤثرة سواء كانت ناعمة أو خشنة على الساحتين الدولية والإقليمية.

إن نهج المملكة سياسية ” عدم التموقع” إزاء العديد من الملفات الساخنة مثل الملف الليبي، أفضت إلى حالة من الانكماش والتذبذب على مستوى المواقف والأدوار والاختيارات المغربية. ولم تدرك المملكة ذلك، إلا عندما استفاقت على وقع إقصاء وتهميش مقصودين بشأن مؤتمر برلين.

ثمة تحولات طارئة على المسرح الدولي عامة، والفضاء المغاربي خاصة، لم تتفاعل معها الدبلوماسية المغربية بالشكل المطلوب، أو لم تؤخذ بعين الاعتبار أثناء استقراء الأحداث وترتيب الأوراق وتشكيل المواقف، إذ دخلت تركيا على خط الأزمة الليبية عبر الدبلوماسية الخشنة منافسة بذلك التلويح المصري بالتدخل العسكري لدعم حفتر، وانفتاح سفارة أمريكا في طرابلس على كافة الفاعلين المحليين والدوليين، ومحاولة الجزائر العودة دبلوماسيا كلاعب أساسيا على الرقعة المغاربية بعد انزواء اضطراري بفعل الأوضاع الداخلية واكراهات الحراك الشعبي الذي يقارب السنة.

من المؤكد أن الحسابات والتقديرات المغربية السابقة لم تسعف المملكة في التموقع بشكل جيد على رقعة الصراع الليبي، حيث بدت الجزائر أكثر حركية والماما بخيوط وتضاريس النزاع الليبي، بعدما تمكنت من حسم معركة التموقع بشكل مبكرا بالعكس الانتظارية والتموقع في الخانة الرمادية التي انتهجها المغرب، إذ بالموازاة مع الاصطفاف مع المحور التركي احتفظت الجارة الشرقية بمواقف توافقية وخطوط تماس مع أطراف المحور الآخر، خاصة مصر والإمارات.

دينامية الجزائر وانفتاحها على كافة المحاور وسرعة تموقعها، كلها خطوات لا تخلو من الحسابات والتكتيكات التي تندرج في إطار التنافس الإقليمي التقليدي مع المغرب، حيث غدت وكأنها تحاول إقصاء المملكة من أية مبادرة تجاه الأزمة الليبية، ومحاولة “توثيق وشرعنة” التدبير الإقليمي الحصري للملف الليبي بعيدا عن أي تنافس مغربي رغم المرجعية الأممية لاتفاق الصخيرات، حيث تمكنت من عقد اجتماع على أراضيها يوم 23 يناير من هذه السنة لوزراء خارجية 6 دول جوار لليببا، وهي مصر وتونس والسودان وتشاد والنيجر، إلى جانب مالي، وذلك، لبحث آخر تطورات الوضع ودعم مخرج سياسي للأزمة.

إن مخرجات لقاء برلين، وتراجع الدور المغربي على الرقعة المغاربية، واستقبال الجزائر كافة أطراف المحاور المتصارعة خاصة رئيس تركيا ووزير خارجية الإمارات وقبله مصر، والحديث عن قيامها بوساطة بين تركيا والإمارات، هذا، بالإضافة إلى التنسيق الجزائري/الألماني، كلها مؤشرات تؤكد أن المغرب بات على هامش النزاع. غير أن عودته وإعادة تموقعه ضمن دوائر التأثير باتت مشروطة بتجاوز العوامل وفك الخيوط والقيود التي أعاقته، والتي يمكن إجمالها في ثلاث مستويات:

الأول، إعادة النظر في نهج المملكة “سياسة اللا تموقع” في هذا الملف وفق الحسابات والتكتيكات والمحاذير التي سبق ذكرها، ثانيا، البحث عن دعامة ميدانية حاضنة للمغرب ضمن النسيجين الثقافي والعرقي الليبيي، مثل الجزائر، حيث تمكنت من اختراق مجموعة من القبائل الليبية، لاسيما وأن هذه الأخيرة لا تزال تشكل رقما صعبا في المعادلة السياسية والعسكرية والأمنية، حيث عملت هذه القبائل بعد الإطاحة بمعمر القذافي في فبراير 2011 على تشكيل تنظيمات مسلحة بديلة عن الجيش والشرطة في ظل الفراغ المؤسساتي السائد، وتبعا لذلك لا يمكن الوصول إلى حل أو توافق بعيدا عن المكون القبلي الذي يعتبر مكونا أساسيا ومؤثرا في المشهد السياسي والاجتماعي، ثالثا، مراجعة العلاقة مع دول الخليج أو إعادة تدبيرها وفق محددات وأساس جديدة، لان تداعيات وتفاعلات هذه العلاقة خاصة مع الإمارات والسعودية من المؤكد أنها أرخت بظلالها على التحالفات والتوازنات تجاه الملف الليبي.

المغرب ودول الخليج.. تحولات هواجس وحسابات

لا تزال حالة الفتور والبرود سائدة على مستوى علاقة المغرب ببعض دول الخليج، رغم الزيارات الخاصة وتبادل الرسائل والتهاني في المناسبات، إذ ما تزال تداعيات الموقف الحيادي للمغرب تجاه الأزمة الخليجية التي وقعت سنة 2017 حاضرة في كواليس الغرف المغلقة وفي ذهنية حكام تلك الدول ومؤثرة في صناعة خريطة التحالفات وتشكل المواقف واختيار التموقعات.

من الواضح أن المملكة بعد تبديد غيوم الأزمة التي مرت بها العلاقة مع كل من السعودية والإمارات، حاولت أن تضع العلاقة مع هذه الأطراف ضمن خانة “الأصدقاء” بدل الحلفاء أو الخصوم، وحرصت على اجتناب الاحتكاك أو الاصطدام معهما في بعض الملفات والقضايا، بدافع عدم فتح جبهات جديدة قد ترهق المملكة وتشوش على المسارات والانجازات التي حققت على الرقعتين الإفريقية وأمريكا اللاتينية بخصوص ملف الوحدة الترابية، وذلك، بالنظر إلى التحولات الجيوسياسية التي يعيشها المنتظم الدولي.

إن تدبير العلاقة مع بعض الأطراف الخليجية وفق مستويات معينة متحكم فيها لم يكن سهلا بالنسبة للمغرب، إذ تطلب الأمر تقديم بعض التنازلات غير المعلنة وغض الطرف واللامبالاة تارة والتجاهل وعدم المجاراة تارة أخرى، مثل عدم التموقع في الأزمة الليبية بشكل قوي مع وجود إمكانية التنسيق مع مصر بشكل استثنائي، بالإضافة إلى الاكتفاء بمراقبة التقارب الإماراتي الجزائري دون الرد عليه من خلال التموقع ضمن المحور التركي رغم توفر كافة الشروط لحدوث هذه الإمكانية، هذا، بالإضافة كذلك إلى مسايرة التمدد الإماراتي اقتصاديا وعسكريا ضمن المجال الحيوي للمغرب على حدوده الجنوبية ، من خلال شراء ميناء نواذيبو وبناء قاعدة عسكرية في موريتانيا وليبيا.

إن الكلفة الإجمالية لحرص المملكة على عدم الاحتكاك بحلفاء الأمس الخليجيين تبقى مفتوحة على كافة الاحتمالات والسيناريوهات. لكن، من المؤكد أن هذه الكلفة وفق السياق الراهن سوف تضعف وتساهم في التراجع على مستوى التأثير أو النفوذ المغربي على الرقعة المغاربية، إذ أضحت التوازنات مختلة بفعل المتدخلين الجدد، لاسيما بفعل تضارب وعدم توافق مواقفهم مع التوجهات والسياسات المغربية في المنطقة.

أمام هذا الوضع المعقد، وعوض الانتظار والمسايرة، قد يكون من المفيد مراجعة هذا التوجه وإعادة التأسيس لرؤية جديدة خالية من الحسابات والهواجس الراهنة المبالغ فيها، إذ الدفاع عن المصالح وإنتاج المواقف يخضع باستمرار للعوامل والمتغيرات المؤقتة والدائمة في العلاقات الدولية. إذ على الجانب الآخر، ومنذ حدوث الأزمة الخليجية، فقد وقعت عدة تحولات أثرت على موقع ومكانة بعض النظم الخليجية.

وارتبطا بذلك، فما يزكي عدم صوابية ومبالغة المغرب في تقدير واستشراف سقف التحول على مستوى مواقف بعض هذه الأطراف الخليجية، وحرصه الدائم على عدم انفلات الأمور وانتقال هذه العلاقة إلى درجة العداء، أن ثمة اعتبارات أساسية، أهمها وجود مؤشرات لا يمكن القفز عليها، خاصة فيما يتعلق بتمادي تلك الأطراف في إنتاج مواقف وسياسات تقزم دور المملكة إقليميا وإفريقيا، ومحاولة حصره في الزاوية.

هذا بالإضافة إلى أن مقتضيات التخطيط الاستراتيجي تستلزم استحضار كافة التحولات واستثمار بعض الأوراق والملفات في عملية الضغط والتفاوض والتوافق وإعادة ترتيب وبناء العلاقات وفق تصورات جديدة قائمة على الندية والتنافس بدل الارتكان إلى الصمت والمسايرة بدعوى تفادي الاحتكاك وانفلات الأمور.

فمن خلال إلقاء نظرة سريعة على تلك المنطقة، يتضح أن بعض دول الخليج خاصة السعودية والإمارات تعيش على إيقاع عزلة دولية غير مسبوقة، خاصة بعد مقتل الصحفي خاشقجي ورفض ترامب الانخراط في أية حرب ضد إيران بعد تبوث وقوفها وراء الهجمة التي تمت سنة2019 على المنشآت النفطية الحيوية للسعودية ” ارامكو”. مؤشرات عديدة تؤكد عزلة أو التراجع على مستوى النفوذ والتأثير لهذين البلدين الخليجين في المجالين الإقليمي والدولي، ويبقى أبرزها :

– تفكك التحالف الخليجي الذي كانت تقوده السعودية، بعدما تراجعت بعض الدول الخليجية عن مواقفها السابقة إزاء الأزمة القطرية /السعودية الإماراتية، حيث صارت معظم هاته الدول تتبنى موقف الحياد إن بشكل علني أو ضمني خاصة الكويت وسلطنة عمان.

-ضعف التحالف السعودية الإماراتي، حيث بدا جليا بعد الضربات الإيرانية الأولى خلال السنة الماضية لبعض السفن الإماراتية والسعودية بالقرب من بعض الممرات البحرية، أن هذا التحالف هش ولا يملك أي تصور أو رؤية لمواجهة والتصدي للتهديدات الإيرانية. بالعكس من ذلك، سارعت الإمارات إلى عقد اتفاقات بشكل منفرد مع إيران لحماية منشاتها وضمان مرور سفنها. كما أن الحرب على اليمن كشفت وعرت كذلك عن ضعف وهشاشة هذا التحالف، وافتقاره لتصور أو رؤية واضحتين.

– الرفض الأمريكي الصريح للانخراط في أية حرب للدفاع عن امن الخليج، وهذا الأمر يرتبط أساسا بالتحول الاستراتيجي المهم على مستوى السياسة الخارجية الأمريكية، إذ لم يعد النفط ولا المنطقة الخليجية ضمن مرتكزات ودائرة اهتمام المؤسسات المؤثرة في صناعة القرار الأمريكي(البنتاغون، الخارجية، ..).

– رفض مصر الزج بجنودها للدفاع عن امن الخليج، خاصة وأن الجيش المصري لا يصنف إيران ضمن خانة المنافسين الإقليميين أو الأعداء الإيديولوجيين كالنظام التركي الحالي.

رغم هذه التحولات والمتغيرات الإقليمية والدولية، لوحظ أن المغرب ظل يتابع ويراقب عن كتب الأوضاع في الخليج، واكتفى بإصدار بلاغات تضامنية متأخرة في بعض الأحيان، مع الحرص على نهج سياسة النأي بنفسه عن تلك المتغيرات قدر الإمكان، لكن، بالمقابل، لم يستطع بلورة مواقف وسياسات لإخراج العلاقة مع هذه الأطراف من دائرة الغموض والتوجس، أو على الأقل الحسم في كيفية التعاطي مع الممارسات والاستفزازات التي باتت تهدد أمنه القومي، وتؤثر عليه بشكل غير مباشر في تحركاته وتموقعاته.

في الأخير، إن إصرار المملكة على نهج سياسة “عدم التموقع” في ظل نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، وفق قراءات ومسوغات آنية وظرفية تتعلق بصيانة المكتسبات الخاصة بالوحدة الترابية، أتثبت الأزمة الليبية عدم صوابية ونجاعة هذا التوجه، لاسيما وأن السياسة الخارجية للمغرب في عهد الراحل الحسن الثاني كانت مؤثرة ونشيطة في عدة ملفات عربية وافريقية بالرغم من حالة الحرب التي كانت تدار على حدوده ضد عدة دول.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 3 = 1