التباسات العلاقة العربيّة – التركيّة

في كِتاب “خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر الهجريّ” لابن فضل الله المحبي الدمشقيّ هناك تعامل مع الدولة العثمانيّة بوصفها “دولة الإسلام والإيمان”، وفي المقابل يتمّ وصف أعدائها الأوروبيّين بـ “الكفّار”، وهو ما نجد مثيلاً له في كِتاب “لطف السمر وقطف الثمر من تراجم أعيان الطبقة الأولى من القرن الحادي عشر الهجري” لنجم الدّين الغزي الدمشقيّ الذي يصف أعداء السلطنة من النمساويّين بـ”الكفّار” و”النصارى” مع وصف انتصارات العثمانيّين بـ”الفتح”. 

في القرن التاسع عشر الميلادي نجد حالة عربيّة موازية لما عند المحبي الدمشقيّ والغزي الدمشقيّ، وهُما قد قاما بتأريخ القرن السابع عشر الميلاديّ، عند الشيخ محمّد عبده في كِتاباته في مجلّة “العروة الوثقى”، التي أصدرها مع جمال الدّين الأفغاني في باريس في عامَي 1884-1885، من حيث الموقف التأييدي الذي أبدته المجلّة تجاه العثمانيّين مع مُراهنة عند صاحبَيها على أن تقوم السلطنة بقيادة الجهاد الإسلامي ضدّ البريطانيّين في مصر، وهو ما نلاحظه لاحقاً عند مصطفى كامل زعيم (الحزب الوطني) في مصر وعند الخديوي عبّاس حلمي (1892-1914). 

في كِتاب محمّد محمّد حسين: “الاتّجاهات الوطنيّة في الأدب المعاصر” ثمّة توثيق لمدى تأييد المصريّين للعثمانيّين ومُراهنتهم عليهم ضدّ البريطانيّين في فترة ما بعد احتلال العام 1882، فيما نجد في كِتاب وجيه كوثراني:”بلاد الشام في مطلع القرن العشرين” (1984) وثائق صادرة عن القناصل الأجانب، وغيرهم في بلاد الشام، ترصد مدى التأييد للعثمانيّين في أوساط العرب السنّة هناك قُبيل نشوب الحرب العالَميّة الأولى، بحيث نجد مثلاً في رسالة نائب قنصل فرنسا في طرابلس الشام في العام 1912 العبارة التالية: “الانتماء الديني يبقى غالباً لدى العربي- المُسلم، وإنّ المَوقف من الدولة العثمانيّة ارتباطاً أو انفصالاً يتوقّف على مدى صمود هذه الأخيرة..”.

هنا، يُمكن لعبارة نائب القنصل الفرنسي أن تكون تنبّؤيّة بـ”الثورة العربيّة الكبرى” في العام 1916 ضدّ العثمانيّين، لمّا أحسّ بعض العرب بأنّ المركب العثماني في حالة غرق، ولكنّ العبارة أيضاً هي التي تُفسّر بقاء الجسم العربي – المُسلم بغالبيّته الاجتماعيّة مع العثمانيّين في بلاد الشام والعراق حتّى لحظة الانهيار العثماني في العام 1918. طبعاً، تلك العبارة لا تحيط بكلّ الصورة التي تتضمّن أيضاً وقوف حركات دينيّة فكريّة – سياسيّة عند مُسلمين عرب ضدّ العثمانيّين مثل الحركة الوهابيّة في الجزيرة العربيّة في القرنَين الثامن والتاسع عشر الميلاديَّين. يُمكن أيضاً لتلك العبارة الصادرة عن نائب القنصل الفرنسي أن تفسِّر حالة ما زالت مستمرّة عند الكثير من الأتراك حتّى الآن تصف ما فعلته “الثورة العربيّة الكبرى” بأنّها كانت “طعنة في الظهر”.

في هذا الصدد، لم تصعد “العروبة” وتتصدّر كاتّجاه فكري – سياسي عند العرب إلّا عندما أحسّ العرب بأنّ الأتراك قد ذهبوا بعيداً في اتّجاههم القومي التركي، وبأنّ تخلّيهم عن الرابطة الإسلاميّة، الذي أخذ في العام 1924 شكل إلغاء للخلافة الإسلاميّة، قد كان مُقترِناً بالنزعة القوميّة التركيّة عند مصطفى كمال أتاتورك. العروبة لم تكُن اتّجاهاً غالباً عند العرب في فترة العثمانيّين بل في مرحلة ما بعد العثمانيّين، وهي ردّ فعل على الطلاق الأتاتوركي، ومن المُمكن هنا ملاحظة توازي العداء لـ “العروبة” و”الأتاتوركيّة” عند أولى حركات الإسلام السياسي، أي”جماعة الإخوان المُسلمين”، التي لا ينكر مؤسِّسها حسن البنّا في مذكّراته بأنّ تأسيسها في العام 1928 كان في أحد أسبابه ردّ فعل على قرار أتاتورك بإلغاء الخلافة الإسلاميّة.

بين العروبة وتركيا الأتاتوركيّة

هنا، كانت العلاقة صداميّة بين “العروبة” و”تركية الأتاتوركيّة” من خلال أطماع الأخيرة في الموصل ولواء الإسكندرون، ومن خلال انضمام تركية لحلف الأطلسي وللمُعسكر الغربي الأوروبي – الأميركي الذي اصطدم بالخمسينيّات والستينيّات مع المدّ العروبي الذي مثّلته الحركة الناصريّة التي تحالفت مع الاتّحاد السوفياتي، وعندما فكّر رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي دافيد بن غوريون، أواخر الخمسينيّات، بتحالُفات إقليميّة ضدّ الرئيس جمال عبد الناصر، فإنّ أنقرة كانت في القائمة بالتوازي مع طهران وأديس أبابا.

يجب التوقّف قليلاً الآن: مع ضُعف العرب الذي بدأ إثر هزيمة حزيران (يونيو) 1967 واكتمل مع الاحتلال الأميركي للعراق في العام 2003، كان هناك ظاهرة لافِتة في إقليم الشرق الأوسط وهي أنّ مَن قام بملء فراغ القوّة العربيّة كان في تلك الدول الثلاث التي فكّر بها بن غوريون: إيران الخميني- الخامنئي، وتركية الأردوغانيّة، ثمّ أثيوبية، وهي لم تُصبح دُولاً ذات فعاليّة أكبر في الإقليم فحسب، بل غدت أيضاً دُولاً تلعب في الدواخل العربيّة وأحياناً تتحكّم ببعضها (العراق واليمن الآن من قبل طهران على سبيل المثال).

على هذا الصعيد، كانت الظاهرة الأردوغانيّة لافتة للنظر: حركة من حركات الإسلام السياسي المرتبطة بجماعة الإخوان المُسلمين تمزج القوميّة التركيّة مع الإسلام وتقوم بنزع الأتاتوركيّة تدريجيّاً بفترة تتراوح بين عامَي 2002 و2009 من الدولة والمجتمع التركيَّين، وهي تحمل طلاقاً واتّجاهاً مُعاكساً للاتّجاه الأتاتوركي التركي نحو الغرب من خلال اتّجاه جديد هو أقرب إلى “العثمانيّة الجديدة” نحو الجنوب الإسلامي العربي. ارتاح بعض العرب لهذا الاتّجاه الأردوغاني عندما تُرجم بتقاربات مع سوريا في فترة 2004-2011، التي جاءت مُعاكسة لتوتّرات دامت ثمانين عاماً بين دمشق وأنقرة، وبمَواقف تركيّة ضدّ إسرائيل في حرب غزّة 2008-2009. بدأ الصدام بين تركية الأردوغانيّة والكثير من العرب في دمشق ما بعد صيف 2011، ومع القاهرة ما بعد 3 تمّوز (يوليو)2013، ومع الرياض وأبو ظبي في العام2017، وذلك عندما ظَهَرَ جليّاً التلازُم العضوي بين رجب طيّب أردوغان وحزبه مع حركات الإسلام السياسي في العالَم العربي ومحاولة أنقرة استخدامها لمُمارسة التأثير الإقليمي عبر اللّعب بالدواخل العربيّة كما جرى في سوريا منذ خريف2011، وفي اليمن ما بعد 20 أيلول (سبتمبر) 2014، وفي ليبيا ما بعد 2015، فيما كان مُلفتاً التحالف التركي مع الدولة القَطَريّة مع نشوب الخلاف الخليجي مع الدوحة في صيف العام2017.

كملخّص تركيزي: كانت المراحل الثلاث الانعطافيّة للعلاقة العربيّة – التركيّة :1916و1924، ووصول حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان للسلطة التركيّة في العام 2002، مليئة بالالتباسات الصداميّة بين طرفَي هذه العلاقة، وقد ازدادت الغيوم بالتتابع الزمني في سماء هذه العلاقة، وكان هناك أمل بأن تنقشع هذه الغيوم باتّجاه صفاء الجوّ التركي- العربي مع أردوغان عبر باب دمشق 2004-2011 وعبر باب الرياض 2015، ولكنْ سرعان ما ظهر العكس. 

في المُجابهة اللّفظيّة بين أردوغان وشمعون بيريز في مؤتمر دافوس 2009، ومن ثمّ مع حصول حادثة السفن التركيّة المتّجهة لكسر حصار غزّة في العام 2010، وصلت شعبيّة أردوغان إلى أوجها عند العرب، ولكن سرعان ما تبدّد ذلك في العام2011، وما بعده، عندما بان الزعيم التركي أسيراً لانحيازاته الأيديولوجيّة، وأنّه ينظر للعواصم العربيّة من خلال نظّارات “الإسلام السياسي”، وأنّه لا يُمارس البراغماتيّة السياسيّة مع العواصم العربيّة كالتي مارسها مع فلاديمير بوتين في علاقتهما الثنائيّة منذ آب (أغسطس) 2016، ولا تلك البراعة السياسيّة التي هي عند أردوغان التي جعلت بوتين ودونالد ترامب يجتمعان على فيتو واحد في مجلس الأمن ضدّ مشروع قرار فرنسي يدين الغزو التركي للشمال الشرقي السوري يوم 9 تشرين الأوّل (أكتوبر) 2019.

الآن:عند العرب علاقات مُلتبسة مع الجيران الأتراك والإيرانيّين والأفارقة، تُضاف إلى التباسات العلاقة مع الغرب الأوروبي – الأميركي.

أفق – محمّد سيّد رصاص/ كاتب من سوريا

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


9 + 1 =