بقلم – ممدوح مبروك*
يحتلّ الحديث عن الفضاء مكانةً مختلفةً بين المجالات الاستراتيجيّة الأخرى، فقد نجح لفتراتٍ طويلة في توفير سياقٍ مثاليّ للتعاوُن الدوليّ، ولاسيّما في فترة الحرب الباردة وما تلاها؛ حيث هيَّأ الاستقرارُ الجيوسياسيُّ النسبيّ، إلى جانب نضْج تقنيّات الفضاء، الظروفَ للاستثمار الخاصّ بالدّفْع نحو نموّ سوق الفضاء من دون قيودٍ سياسيّة كبيرة.
تحوَّل بعد ذلك تركيزُ الحكومات ليُصبحَ منصبّاً بشكلٍ أساسيّ على مبدأ السيادة من خلال السعي لتعزيز القدرات الفضائيّة الهجوميّة المُضادّة، وهو الأمر الذي ظَهَرَ بشكلٍ واضحٍ في العام 2019 حين نفَّذت الهند اختباراً مضادّاً للأقمار الصناعيّة وصرَّح وقتها رئيس الوزراء “ناريندرا مودي”، قائلاً إنّ “الهند أصبحت قوّة فضائيّة عظمى”.
هكذا إذاً باتت العلاقةُ بين الجغرافيا السياسيّة والفضاء أكثر رسوخاً، حيث تُشير نِسب الإنفاق الحكومي إلى أنّ القوّة الفضائيّة صارت عنصراً أساسيّاً من عناصر القوّة الوطنيّة في مُختلف الدول الكبرى، ناهيكَ بأنَّ التحوُّلَ في الجغرافيا السياسيّة نحو التنافُس الجيوسياسي جَعَلَ بيئةَ الفضاء العالَميّة تَخضع بشكلٍ متزايد لاعتباراتٍ أمنيّة حسّاسة وحساباتِ المصلحة الوطنيّة.
عسْكَرةُ الفضاء
تاريخيّاً، هَيْمَنتِ الاعتباراتُ العسكريّة والاستراتيجيّة على مجال الفضاء؛ فقد كانت الصواريخ الباليستيّة الألمانيّة الموجَّهة نحو أهدافٍ بريطانيّة إبّان الحرب العالَميّة الثانية أوّل صواريخ تُطلق في الفضاء. بعد ذلك، أَشرفتِ المؤسّساتُ الدفاعيّة للقوى العظمى على بدء ما عُرف بـ “سباق الفضاء” خلال الحرب الباردة. ولذلك، يُمكن القول إنّ مصطلح “عسكرة الفضاء” ليس مُستجدّاً في هذا المضمار.
تُعتبر حرب الخليج الأولى في العام 1991 “أوّل حرب في ميدان الفضاء”، نظراً لاستخدام قوّات التحالُف الأقمار الصناعيّة على نطاقٍ واسعٍ لأغراضِ الاتّصالات العسكريّة، والاستخبارات والمُراقَبة، وتحديد الأهداف والاستطلاع، ما أتاحَ توجيه ضرباتٍ دقيقة واستخداماً فعّالاً للقوّة. وتُثير مسألة عسْكرة أو تسليح الفضاء العديدَ من المخاوف، نظراً لعدم وجود تعريفٍ واضح لـ “سلاح الفضاء” أو حتّى “المركبة الفضائيّة” في القانون الدولي. وبالتالي، يُعَدّ تسليح الفضاء مسألةً سياسيّة وقانونيّة، إذ قد يتعارض مع بعض أحكام مُعاهدة الفضاء الخارجي، وبخاصّة تلك المتعلّقة بأسلحة الدمار الشامل.
لا يُمكن التشكيك في مدى اعتماد جيوش الدول الكبرى على الفضاء؛ ففي العام 2017، صرَّح الجنرال “كريس ديفيريل”، قائد قيادة القوّات المُشتركة البريطانيّة آنذاك (القيادة الاستراتيجيّة حاليّاً) عَلناً بأنّ “90% من المنصّات والأنظمة التي تُشكِّل برنامج المعدّات العسكريّة البريطانيّة تَعتمد على الفضاء”. في حال تَعذَّرَ على الجيوش الكبرى، على غرار جيوش حِلف شمال الأطلسي (الناتو)، الوصول إلى القدرات الفضائيّة الفائقة، ستَجد صعوبةً بالغة في إجراء عمليّاتٍ قتاليّة كبرى حيث لن تَعمل بعض صواريخها الأكثر تطوُّراً ودقّةً والموجَّهة بنظامِ تحديد المواقع العالَمي (GPS). كما ستَنهار منظومة القيادة والسيطرة الاستراتيجيّة والعمليّاتيّة، لأنّ الاتّصالات عَبْرَ الأُفق، وهي حيويّة بشكلٍ خاصّ في العمليّات البحريّة أو العمليّات الجويّة بعيدة المدى المأهولة أو غير المأهولة، ستتدهور بشكلٍ خطير وستَعتمد على الشبكات الأرضيّة والجويّة فقط.
تضْطلع القدراتُ الفضائيّة بدَورٍ مُهمٍّ في العمليّات العسكريّة الحديثة من خلال 3 وظائف أساسيّة يُمكن أن تقوم بها الأقمار الصناعيّة هي: الاتّصالات، والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، والملاحة لتحديد المواقع وتنفيذ ضرباتٍ دقيقة. وقد تجلَّت تلك القدرات خلال الحرب الروسيّة الأوكرانيّة، حيث شهدت مُشارَكةً هائلة من شركات الفضاء التجاريّة. وفيما يتعلّق بالاتّصالات، استَخدم الأوكرانيّون، على سبيل المثال، خدمةَ النّطاق العريض عبر الأقمار الصناعيّة “ستارلينك” لمُشارَكة بيانات الاستهداف بسرعة، وذلك من أجل تصويب نيران المدفعيّة. كما أَصبح للاستخبارات والمُراقَبة والاستطلاع دَورُها الحيويّ، إلى جانب المسيّرات، في دعْمِ العمليّات العسكريّة من خلال تحديد مواقع وحدات العدوّ، ما يَجعل ساحةَ المعركة أكثر شفافيّة. كما تتوافر أقمارٌ صناعيّة مزوَّدة بإمكانيّاتِ تحديد الموقع الجغرافي بتردُّداتِ الراديو، التي يُمكنها اكتشاف استخدام الهواتف المحمولة واللّاسلكيّة، والحرب الإلكترونيّة (التشويش)، وانبعاثات الرادار، وأجهزة استشعار فضائيّة تجاريّة تَعمل بالأشعّة تحت الحمراء للكشف عن نيران المدفعيّة والانفجارات والأهداف في ساحة المعركة.
أخيراً، كان نظام الملاحة العالَمي عبر الأقمار الصناعيّة (GNSS)، مثل نظام تحديد المواقع العالَمي (GPS) أو نظام غلوناس (GLONASS)، أساسيّاً في توجيه الضربات الدقيقة من كِلا الجانبَيْن، من خلال استخدام الذخائر الموجَّهة بدقّة. وتتكامل تلك القدرات لدعْم القتال، الأمر الذي مَنَحَ أوكرانيا الأفضليّة على المدفعيّة الروسيّة، على الأقلّ خلال صيف العام 2023. وبالتالي، يُمكن القول إنّ الفضاءَ قادرٌ على إحداث تأثيرٍ كبير في ساحة المعركة وتغيير مُعادَلة التوازُن العسكري.
فضاءٌ جديد
استناداً إلى التعريف الأبرز لـ “القوّة الفضائيّة”، الذي حدَّده الأكاديميّان الأميركيّان في النظريّة الاستراتيجيّة “جون شيلدون”، و”كولين س. غراي”، بأنّها “القدرة على مُمارَسة تأثيرٍ سريع ومُستدام في الفضاء ومنه، في أوقات السلم أو الأزمة أو الحرب”، ظَهر مصطلح “الفضاء الجديد” المتمثّل في التسويق التجاري لخدمات الفضاء ومُنتجاته، حيث تحوَّلت الحكوماتُ، وبشكلٍ مُتزايد، لتُصبح في عِداد عملاء من أجل الحصول على خدمات الفضاء، الأمر الذي ساعد على ترسيخ قواعد عُملاء متينة، وظهور شركاتٍ فضائيّة صغيرة ومتوسّطة تُقدِّم مجموعةً من الخدمات أشهرها السياحة الفضائيّة.
هكذا، ومع تزايُد أهميّة الجهات التجاريّة الفاعلة وتوسيع نِطاق الوصول إلى الفضاء بوتيرةٍ سريعة، شهدَ العالَمُ نموّاً هائلاً في تطبيق حلول الفضاء على مجموعةٍ واسعة من التحدّيات مثل: دعْم برامج المساعدة الإنمائيّة الخارجيّة، ومتطلّبات العملاء أو السوق. كما طُرحت ثغراتٌ مفاهيميّة جديدة من بينها فصْل النشاط الفضائي المدني عن العسكري وتنامي أهميّة القطاع الخاصّ.
في العام 2021، بلغَ حجْم الاستثمار الخاصّ في شركات الفضاء رقماً سنويّاً قياسيّاً جديداً يُقدَّر بحوالي 10.3 مليار دولار أميركي. كما شهدت الفترة من العام 2017 إلى العام 2021، قيامَ أكثر من 10 دول بإنشاء وكالاتِ فضاءٍ وطنيّة. نَجَحَ الفضاءُ الجديد في توسيع خدماته وفتْح أسواق استهلاكيّة جديدة، ومكَّن من بناء اقتصادٍ فضائي مُستدام بشكلٍ متزايد. ووفقاً للتقارير، من المتوقَّع أن يصلَ اقتصاد الفضاء العالمي، الذي بَلغ في العام 2024 حوالى نصف تريليون دولار أميركي، إلى تريليون دولار أميركي بحلول العام 2030.
تَدعم الخدماتُ المُعتمِدة على الفضاء قطاعاتٍ كبيرة من الاقتصاد اليوم. فعلى سبيل المثال، يَعتمد القطاع المالي على الخِتم الزمني الدقيق للمُعاملات الماليّة مع توزيع بيانات التوقيت العالميّة بواسطة أنظمة الملاحة العالميّة بالأقمار الصناعيّة (GNSS)، مثل النظام العالمي الأميركي لتحديد المواقع (GPS) وهذا يعني أيضاً أنّه من دون إشارة التوقيت ستتعطّل أجهزةُ الصرّاف الآلي وسيتجمَّد النظام المصرفي.
وفي مجال النقل، يَدعم الفضاءُ جميع وسائله الرئيسيّة من الطيران إلى الملاحة البحريّة، بالإضافة إلى حلول “التنقُّل الذكي” القادمة التي تَعتمد على بيانات تحديد المواقع الدقيقة وخدماتٍ فضائيّة أخرى. وفي ما يتعلّق بالقضايا البيئيّة، ازدادت أهميّة الفضاء من خلال إسهاماته المهمّة في تحقيق صافي انبعاثات صفريّ، نظراً لأنّ الغالبيّة العظمى من القياسات العلميّة اللّازمة لتتبُّع التقدُّم الفعلي لتغيُّر المناخ لا يُمكن إجراؤها إلّا من الفضاء. لذلك، تُعَدّ بيانات الأقمار الصناعيّة أساسيّة للتحقُّق من التزامات الدول البيئيّة، وتحديد انبعاثات الكربون والبصمة الكربونيّة لمُختلف المؤسّسات والأنشطة التجاريّة.
دبلوماسيّة الفضاء
من ناحيةٍ أخرى، تَستغلّ الدولُ إنجازاتها الفضائيّة لتعزيز مكانتها الدوليّة وتحقيق أهدافٍ دبلوماسيّة، حيث أَصبح التعاونُ الفضائي في وقتنا الحاليّ هدفاً أساسيّاً تسعى إليه الدولُ في العلاقات الدوليّة، الأمر الذي دفعَ بعضَ التكتُّلات الاقتصاديّة مثل مجموعة السبع، ومجموعة العشرين، لتَضمين بنودٍ متعلّقة بالفضاء داخل جدول الأعمال لديها.
في السياق ذاته، تَبذل العديدُ من الدول جهوداً من أجل التفاوُض بشأن العديد من المسائل التنظيميّة والقانونيّة المتعلّقة بنظام الفضاء الدولي المتطوِّر داخل منظّمة الأُمم المتّحدة، ولاسيّما أنّ هذا الأمر شهدَ ركوداً لفترةٍ طويلة في الدبلوماسيّة الدوليّة؛ إلّا أنَّ الجمْعَ بين نموّ اقتصاد الفضاء العالَمي، وتفاقُم المخاوف المتعلّقة بالسلامة أضفى أهميّةً جديدةً على دبلوماسيّة الفضاء.
نحو تعزيز القوّة الوطنيّة … الصين أنموذجاً
تُعَدّ مُبادرة “طريق الحرير الفضائي”، المعروفة أيضاً باسم “مَمَرّ المعلومات الفضائيّة لمُبادَرة الحزام والطريق”، التي أَطلقتها الصين في العام 2016 مثالاً واضحاً على استخدام القوّة الفضائيّة لتحقيق أهدافٍ جيوسياسيّة؛ إذ إنّه بموجب المُبادَرة تَمنح الصين دولَ “مُبادَرة الحزام والطريق” إمكانيّةَ الوصول إلى بيانات أقمارها الصناعيّة، وتقديم شراكات في بناء الأقمار الصناعيّة، بالإضافة إلى تقديم الدَّعْم في تطويرِ سلاسل القيمة الفضائيّة لهذه الدول، بدءاً من البنية التحتيّة الأرضيّة الفضائيّة وصولاً إلى التطبيقات. فمن خلال الانضمام إلى “مَمَرّ المعلومات الفضائيّة”، ستُصبح الدولُ المُشارِكة في “مُبادرة الحزام والطريق” مُعتمدةً على خدمات الفضاء التي تقدّمها الصين، مثل نظام الملاحة العالَمي الصيني Beidou الذي تَعتبره الصين بديلاً لنظام تحديد المواقع العالمي الأميركي (GPS).
يتميَّز “طريق الحرير الفضائي” برؤيةٍ استراتيجيّة متكاملة؛ فالبنية التحتيّة الماديّة الموجودة في المدار (الأقمار الصناعيّة) ليست سوى الأجهزة التي تُمكّن بدورها من بناء نظامٍ بيئيّ متكامل للتطبيقات الفضائيّة والبيانات، والذي سيُصبح مع مرور الوقت محوريّاً للأداء الاقتصادي والخدمات العامّة في أيّ بلد. وعلى غرار الطريقة التي استَخدمت بها الصين شركة “هواوي”، صُمِّم هذا الطريق لحصْرِ الدول المُستهدَفة في التبعيّة التكنولوجيّة.
يتّضح ممّا سبق، أنّ تطبيق القوّة الفضائيّة في الجغرافيا السياسيّة يتَّخذ ثلاثة أشكال رئيسيّة؛ الأوّل استخدام ناعم للأنشطة أو القضايا المتعلّقة بالفضاء بغَرَضِ التأثير على الأحداث ودفْع الأجندات السياسيّة بشكلٍ عامّ. والثاني يتعلّق بالاستغلال المباشر والاستراتيجي وغير العسكري لتكنولوجيا الفضاء لتحقيق أهدافٍ محدَّدة كجزءٍ من استراتيجيّةٍ أوسع. أمّا الثالث فيتعلّق بقدرتها المتزايدة على التأثير على التوازُن العسكري العالَمي.
يُمكن للفضاء أن يُسهِم بشكلٍ مُتزايد في تعزيز القوّة الوطنيّة الإجماليّة للجهات الفاعلة المركزيّة في النظام الدولي من خلال تحقيق فوائد اقتصاديّة، وعلميّة، وعسكريّة، ولدى تطبيقه بالتزامُن مع سياساتٍ فضائيّة فعّالة، يُمكن للقُدرات الفضائيّة أن تُنمّي الميزةَ الاستراتيجيّة للدول المَعنيّة.
*باحث سياسي من مصر
نُشِرَ هذا المقال في دوريّة أفق التي تصدر عن مؤسّسة الفكر العربيّ
