الدم النقابي والكوجيتو المجروح

بقلم – زهير درداني

نحيل القارئ أن هذه المقالة تمت معالجتها من زاوية اثنوغرافية.

(…) يجب علينا أن نحذر من عامة الشعب ، و أن نوجه للجمهور الرسالة التي يقدر على فهمها ، أما الفلسفة الحق، فيجب الاحتفاظ بها للقراء الفلاسفة ( باروخاسبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة).

من أين نبدأ ؟ ومتى سننتهي ؟ وهل فعلا سننتهي يوما ما ؟ أم أن العود الأبدي الذي زلزل عقول كبار الفلاسفة هو مآلنا ، في ظل واقع “استيوبيدي” صرنا يوما تلو الآخر مع مسرحيات تحيط بها الميلودراما من كل صوب ، وجمهور قدّم تنازلات جبانة ، منهم من ينتظر في الطّابور ، ومنهم من تمَّ سلب إرادته بدون وعي منه ، وتم اعتباره مجرد رقم 

أو سلعة بالسوبرماركت يتم تحويله من رف إلى رف ، وفق نفس التكتيك المتعلق بعملية مص الدماء التي تظل وفية لطقوسها المتعلقة بالسبت الأخير والعشاء السري .

الاصطياد في الماء العكر أو لنقل المستنقع هو ما يحترف فيه بعض أفراد النفايات ، عفوا النقابات ، بتكتيك سيكولوجي بالدرجة الأولى ، يتجدد دوما بين الترهيب ومرة الوعود الكاذبة،  ومرة طقوس بوتلاتشية ، بغية السيطرة على المشهد العام والحصول على علاقات سوسيو- بينية ، فتجدهم للخير، يا لوقاحتهم !! يكذبون بصدق .

إخلاصا منا لإرادة القوة دائما ، فالقوي لا يجابه إلا القوي ، وهي المعادلة التي تفرض علينا مناقشة نقابة واحدة باعتبارها النقابة التي تستأسد ضمن نطاق إيكومجالي معين وجب فحصه وفق انتماء سوسيومجالي، نقابة قد تبدو لأولئك الذين يدبُّ في أعينهم النعاس أنها نقابة خلاقة ، ذات مبادئ وما هي في الحقيقة إلا تلك النقابة التي خرجت إلى الوجود بطريقة “هيلينية” أعقبتها مرحلة “هستيرية ” تتعلق بثنائية الأنا/الآخر ، بعد التيه على المستوى المركزي ، شاء أصحاب الانتماء الإيكومجالي التريث والابتعاد عن التعبير عن ولائهم ، فلا يهم مع من يقفون ، بل المهم هو إتقان التأقلم مع كل وافد، حتى وإن كانوا لا يعلمون أين ومتى ولماذا ؟ وشاء التاريخ إلا أن يكرر نفسه ، خاصة بعد رحيل “اسكندرهم الأكبر” وهو ما ينذر مستقبلا بإعادة التمسك ب (الشكوة) إلى حين الإمساك بذيل ثعلبهم ، فطوبا لأولئك الذين يدبُّ في أعينهم النعاس.

إيكومجاليا ، فبعض أفراد النكافات عفوا النقابات ، وعلى قلتهم لا ننكر توفرهم على الحد الأدنى من المصداقية والشبه العقلانية ، لكن في حدود الثلثين ، فهي نقابة ذات فصائل ، لكل منها أسلوب حياته إن ناقشناهم من منظور سوسيو- ثقافي ، ولكل فصيل منهم طرائقه وانتظاراتهوأرقامه .

  الفصيل الأول : الطوطميون

     هم فصيل استفاد من انتقال سوسيو- مجالي إلى منطقة تعرف ارتفاعا مهولا في نسبة الأمية كما يرى بذلك أحد الموظفون السامون ، يستقطبون بطريقة حلزونية أولئك الأبيقوريات ، في ضرب تام لإنسانية الإنسان وجوارحه ، بل هن فقط مجرد رقم يمكن الرهان عليه في الاستحقاقات المتعلقة باللجان الثنائية المتساوية الأعضاء ، مُغرِّرِين بهن وراسمين لهن وحشا وهميا يجب الإسراع في التخلص منه بأقل الخسائر ، حتى ولو تعلق الأمر بسماء مغطاة بغيوم كيماوية ، وحيث أن الدراسات الأمريكية المتعلقة بعلم النفس الاجتماعي تؤكد على أن المرأة هي الأكثر تأثيرا اجتماعيا ، فهم يستخدموهن لاستقطاب بعضهن البعض في ظل المزاوجة السوقية بين القبعة الوظيفية والقبعة النقابية ، كل هذا يسمح لبعض الأبيقوريات باستقطاب وإعادة إنتاج صنفهن باستغلال الأحداث البيولوجية النسوية (الحمل) وما يرافقها من نصائح ومواد وتوابل بغية تمرير بطائق انخراطية فيما بعد ، وكأنهن ذوات حق مكتسب ، يلعبن دور شمطاواتالعجائز الحافظات لكل تفاصيل العوائد ، منتهكات حرمة المجال ومتلاعبات بالمخزون العقلي للحواس ، معتديات على الكتاب المقدس الذي بين أيديهن ، متخليات عن وصايا لقمان “يا بني إن الشرك لظلم عظيم” لصالح طقوس بدائية أو ما يصطلح عليه “بالكْدِّيدَة” ويحتفظن لأنفسهن بمفاهيم حجابي عفتي ، زوجي قرة عيني ، يا لوقاحتهن ! كائنات حقيرة لا تستحق الشفقة ، تفعل المستحيل من أجل إرضاء هذه الحيوانات ، لكن دون جدوى    ( Honoré de balzac). 

     و كجواب عن سؤال أحد الأساتذة الباحثين ، هل هو اعتقاد ثقافي أم ممارسة تقاوم الشرط النسوي ؟ (أعراب) وإن جاز لنا القول فهو تبرير للمطلب النسائي من داخل الشرط الديني .

  الفصيل الثاني : القنافذ

فصيل هو الآخر يعتمد على رأس مال نسوي ، لا يجيد سوى الطفيلية وجملته الطوطولوجية “واش كاين شي ما نقضيو؟ ” في احتلال تام للمجال العام ، ذلك المجال الذي تم اعطاؤه في الدول المتقدمة بعدا بورجوازيا ليبيرالياعلى المستوى الأنطولوجي والفكري وحتى الإيتيقي، ها هو ذلك المجال يتعرض لاغتصاب بشعار طوطولوجي”شوف بعينك شوف ، الإختلالات بالألوف ” في ظل صمت رهيب للمعنيين بالأمر ، وهو ما جعلنا نشتاق إلى أبواقهم في السنين الأخيرة التي هجروها لصالح التطبيقات “المأنترنتة” المكلفة بالسمسرة في السيارات والعقارات والمكتبات يصير يوما ما من أتباع القنفوذيين ، فهؤلاء الأخيرين هم أكثر قردية من القرد نفسه .

  الفصيل الثالث : الإكشوانيون

  هم أقدم وأخطر فصيل ، يستفيد من رأسماله الاجتماعي وانتماءه الإيكو-مجالي داخل منطقة ترابية يطلق عليها البعض “كويت المغرب” أو كما يحلو لبعض الأستاذات الباحثات تسميتها بطريقة تهكمية “الكات كات والبوط” هذا الفصيل أتى على الأخضر واليابس ، من عضوية بحقوق الحيوان إلى هندسة جمعية وهمية لا علاقة لها بكل ما هو بيروقراطي ، وصولا إلى مسابقة الزمن بغية الظّفر بعضوية ضمن هيأة حماية النبيذ العام ، أو كما يطلقون عليه بأنفسهم “سكينجبير” ككلمة سر مع ضباعهم الإكشوانية.

     هذا الفصيل يتبجج بصوره الفندقية المدفوعة من أموال القطيع ، لا يتردد في أخذ السيلفي فوق الرمال الذهبية لشاطئ “الواليدية” مع أولئك المنخرطات ذوات الإكسسوارات “المْدْرّحَة” وصاحبات العبارة الطوطولوجية”وينووو” فهل يا ترى يصلح العطار ما أفسده الدهر ؟ (عروة الرحال) .

     “سكنجبير” كما سبقت الإشارة هي كلمة سرmot de passe بين الإكشوانيين في محادثاتهم اللاسلكية المدفوعة من أموال دافعي الضرائب بغية وضع الترتيبات داخل معقلهم أو كما يطلقون عليه “البرتوش النقابي” كتعبير عن طقوس شرب الدم وعمليات مص الدماء .

      فبعد أن أقدم أحد الإكشوانيين على امتصاص دمائنا في المسالك السردابية (تحت الأنفاق) مستعملا تكتيكه “المخزني” مهيئا منذ البدء لأذان صاغية كانت على استعداد لسماع ترانيم سوقية ، هاهي الآن تقوم بعملية أخرى من عمليات مص الدماء وهاته المرة ليست فيالأرقام المعولمة بل في الأرقام الاستدلالية ، خاصة تلك التي تتعلق بالأرقام المرسملة الخاضعة لخاصية التدفقات، والتي جعلت أحشائنا تحس بالغثيان جراء القزازة الإكشوانية المتعلقة بثنائية الوجود بالقوة والوجود بالفعل، فكيف لإكشواني موجود بالفعل ضمن زهرة “الكرزنتيموم” وفي نفس الوقت موجود بالقوة ضمن أرقام تدخل في حسابات الخدمات البنكية على الرغم من أن المسافة الفاصلة بينهما (50km) وبتعويض مالي ، بل الأكثر من ذلك هي العبقرية الإكشوانية التي خولت له السهر على تلك 

     الخدمات وبتعويض ثان، والطامة الكبرى هي استفادة بيروقراطية ليست رقمية هاته المرة بل تنقيطية تخول له مستقبلا رهان القمة (favori) يعفيه من الانتقال الإيكومجالي نحو المغرب غير النافع .

      مهزلة لم تتوقف عند هذا الحد ، بل الأكثر من ذلك هو حرمه الأبيقورية ، استفادت هي الأخرى من انتقال مجالي ضمن ما يسمى التحاق إكشواني “فاڤوري” على أساس أن عندليبها ينتمي لزهرة الكرزنتيموم ولا ينتمي إلى الأرقام المرسملة مفضلين الركوب على أحصنة سبق وأن هيؤوا لها مضمارها المهندس ، بعدما تم استخدامنا كحصان طروادة فيما قبل .

      ما يحز في النفس هو تواطؤ الزهرة نفسها التي تحتفظلنفسها بأسماء من قبيل السلام ، أي سلام يتحدثون عنه؟ هو سلام متعفن ، وأسماء أخرى مثل الروح ، فأي روح يتحدثون عنها؟ روح بروتستانتية ، فهؤلاء الأخيرين إن كانوا يكذبون ببراءة ، فالإكشوانيون يكذبون بصدق.

     هذا الصنف الإكشواني كما سبقت الإشارة إلى ذلك هم أخطر فصيل ، يعانون من إعاقة فكرية منغمسون في السفاسف وإلصاق “تيكيتا” لكل صوت يقف في حناجرهم ويكشف ألاعيبهم ، لا يريدون الاقتناع بمسألة المبادئ ، وكأن طقوسهم الإكشوانية الانتهازية الخاضعة للزبونية والمحسوبية هي مهر ليس بمقدورنا ، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على التوعك الفيزيولوجي لهؤلاء الإكشوانيين، الذين يثرثرون في مقاهيهم التي لا تؤمن هي الأخرى بالعدالة الإستهلاكية ، الكلاسيكو الإسباني (اثنولوجيا القريب : Marcus 1998)

      يفتخرون ببيولوجيتهم الحقيرة المتمثلة في الجنس ، متناسين أن الجنس ما هو إلا رغبة حيوانية تمارسها سائر المخلوقات بما في ذلك النمل ، وفي هذا الصدد نستحضر مع الإكشوانيين الروائي السعودي “عبد الرحمان منيف ” على لسان إحدى شخصياته في خماسيته الخالدة “مدن الملح” : حيث يقول “العرب يتحدثون كثيرا عن الجنس أكثر مما يمارسونه “، وفي نفس السياق ذهب “مشيل فوكو” في كتابه “تاريخ الجنسانية ” أن ما يسعى إلى فهمه ليس أصول نشأة الكبت الجنسي ، فيجب علينا حسب “مشيل فوكو” أن نتحرر تفكيريا من الجنس ، لا أن نتحرر عن طريق الممارسة الجنسية .

     كل هذا كان عبارة عن تحليل سوسيو- ثقافي لفصائل تختلف باختلاف أسلوب حياتها ، على حد تعبير”لويس ويرث”، لكن ماذا إن ناقشنا هاته المرة وفق منطق جشطلتي وببراديغم سيكولوجي لهؤلاء الذين يُنتجون البؤس ويتنفسون عبره، فكيف يتم إذن المساوقة بين مختلف التكتيكات السوقية؟

      من منظور سيكولوجي ، يستخدم هؤلاء الطفيليون ما يسمى داخل حقل علم النفس الإجتماعي ب “قانون الاستعداد” وهو قانون يجعل حامله في موقف قوة يهيءالآخر، و يقوم بترويضه لتقبل أوامره حتى وإن اضطر إلى استعمال صراخ “كونغسبيرغي” وبفلسفة شعارها “ليدوا ياكل الدوا ” 

      وهو قانون أعطى أكله واستدمجه بطريقة لا واعية أولئك القطيع الانخراطي ، الذي تم سلب إرادته بموجب قانون إكشواني ، فأصبح يخيل للقطيع أنه بحاجة ماسة لراع ليبين له الطريق ، فقد عزيمته وكبريائه أو لنقل عنفوانه ، حيث لا وجود للكبرياء أمام العنفوان ، ليبقى بذلك القطيع طوال حياته يخاف من الذئب ، وفي نهاية المطاف يأكله الراعي .

     إن فلسفة “ليدوا يرعف” لن تُجدي نفعا ، خاصة مع ذوات لا تقطن بين جدران الخوف، ولا تلتفت ورائها لأولئك التخوم ، العاشقين “للبوتلاتش” وأغاني “العلوة” و الفيديوهات الإباحية داخل منتدياتهم الواتسابية والتي حولوها إلى ما يشبه “رحبة الغنم” (البريجة) ، أولئك الإكشوانيون الذين فضلوا ممارسة طقوس العبور من “سكنجبير” إلى شعارات لاهوتية من قبيل ، “ليس كل من هاجر ، هاجر إلى الرسول” وقد تناسوا حالتهم الهستيرية بمنتجع سيدي بوزيد وبالضبط Requin Bleu (التبول اللاإرادي) ويحتفظون لأنفسهم بأسماء رواقية من قبيل (آباء علي) في عالمهم الافتراضي و”أبناء الحسنية” في عالمهم الواقعي، يا لوقاحتهم ! مصاصات دماء شاحبة ، بافلوفيون بالفطرة ، كذابون بالغريزة ، إكشوانيون في المورفولوجية ، مع كامل احترامنا للخلق الرباني فيهم والذي لم يحسنوا تكييفه مع الواقع الأقوى منهم .

      وعلى هذا الأساس وفي ظل الترهيب الإكشواني ، فلا يسعنا إلا أن نُذكّرهم أن منع الناس من التفكير فيما يفكرون ، إنما لمهمة حمقاء ، وذلك القمع و في ظل المزاوجة السوقية بين الدم النقابي والدم الوظيفي فهو لا يحيل إلا على قوة همجية ميكانيكية قد نجد لها تفسيرات “ميكيافيلية” ، وتعذيب قسري للعلاقات الإنسانية يستمد أطره الفكرية من نظرية “باڤلوف” .وهذا إن دل على شيء ، فهو يدل على ترويض وتدجين وتلاعب بالحواس كترياق “الكولورال” المخدر ، يورثون الدوار ويبلبلون الفكر بقمعهم بغية تحويل القطيع إلى “باڤلوفيين”، وفي هذا الصدد فليعذرنا أستاذنا “محمد جسوس” أن عملية إنتاج جيل الضباع قد انتهت ، وهاته الأخيرة لن تسقط في فخ نفي النفي بإعادة إنتاج مثيلاتها ، بل هي الآن منعكفة على إنتاج جيل من “الباڤلوفيين” ولم لا مستقبلا قد نجد هذه الطوطولوجيا هي الأخرى حاضرة وبقوة في المنطق الجشطلتي تتعلق بضمير “نا” الدالة على الجمع ،

      فالإكشوانيون لا يتحدثون بصيغة الفرد ، فإرادتهم مسلوبة وملكية لبوثقة الجماعة ، لا يحق لأحد فيهم التصرف فيها كما يشاء دون أخذ الإذن ، يعيشون اغترابا ذاتويا ، يستعملون ضمير (نحن) وفي نفس الوقت يطالبون المشاكسين بالتحدث عن أنفسهم ( دوي على راسك) كي يخلو لهم الجو لممارسة هواياتهم الطفيلية واحتلال المجال العام بربطات عنق بالية       ( سوق الحمرا) ونظارات شمسية Ray Ban مْدَرّْحة مقتناة من أزقة لPrince في تضامن خاضع لمنطق الجماعة (تسكين الجيم) وبكلمات قديمة يجعلونها دستورا لإنسانيتهم المطعَّمة بغدد القرود، فموقفهم المستقل منعدم ، وكلمة “أنا ” لا وجود لها إلا في قاموس العشاء السري والسبت الأخير ، يا لجهلهم ! فهم متخاصمون حتى مع أجسادهم وبسلوكهم هذا (نحن) يحتقرون أجسادهم ، فالجسد له أصوات ، وعندما يتكلم لا يتبجج بكلمة “أنا” لأنه هو “أنا” مضمر الشخصية الظاهرة ، وبقطع حبال مراكبهم 

      يتحولون إلى كتلة أفاعٍ اشتبكت وهي في تدافع مستمر ، لا تسكن إلا لتتفكك منسابة في شعاب الدنيا،  تسعى وراء غنائمها ، فيريدون أن يعذبوا الآخرين ، بما يتعذبون هم به .

      فلكل شخصية ميتتها ، والجماهير تفضل أن يدبَّ في أعينها النعاس عندما تشاهد الأشباح تتراقص من حولها ، فهؤلاء الإكشوانيون يُؤَتلفون العقل ، ويجعلون صاحبه يعاني من جفاء الطبع ، وبلادة التفكير وانحطام أجنحة الخيال ، دائما بطوطولوجيتهم المعهودة ( كنعرفو شي حوايج مكتعرفهمش أنت) وحديثهم عن ذلك البعبع المسمى “اللوبي” الغير موجود إلا في وهمنا ، حديثهم عن كائن فضائي ذو عقل خارق لا يتقاسم معنا حتى بيولوجيتنا. فمن هو يا ترى ذلك اللوبي ؟ وماهي مواصفاته ؟ وفي هذا الصدد فليعذرنا أستاذنا “عبد الرحيم العطري” في معالجته للعيون الثلاث (العدل/العمل/العلم والعقل ) والتاءات الثلاث (التنوير/تحرير الطاقات/التغيير) أن نضيف حرفا آخرا له رقما وازنا ، فالنقابي واللوبي وجهان لعملة واحدة كدود القبور يلتهم بعضها البعض الآخر ، بعد أن تتغذى من جيفة لا حياة فيها ، فلم ولن نكون أبدا حفاري قبور ، وإخلاصا منا للدماء الحمراء الطاهرة و للعبة الحروف ، فالنقابي واللوبي قاسمهما المشترك هو القافية ؛ حرف الباء : بار ، بزناز، بحلاس. فطوبى لأولئك الذين يدبّ في أعينهم النعاس. ( الفيلولوجيا ، علم اللغات ، فن الكلمات ) .

      متى سننتهي ؟ وهل فعلا سننتهي يوما ما ؟ في ظل ريع نقابي أتى على الأخضر واليابس ، يتاجر في البشر والشجر وحتى الحجر ، ويحتفظون لأنفسهم بمفاهيم المناضلين ، يا لوقاحتهم ! ألا يعلمون أن المناضلين الحقيقيين هم من رفضوا التعويضات الخيالية من هيأة الإنصاف و المصالحة ((2004، كون أن النضال لا ثمن له ، أما هم فالتعويضات يقومون بهندسة مساراتها لمريديهم بطرق سردابية ، فمن استطاع أن يقطن بالأحياء الراقية وحيازة السيارات الفارهة وتدريس أبناءه بمدارس البعثات الأجنبية، فمن الأفضل له أن يسمي نفسه “مرَايقي” حاملا لدماء مرّاقَة وليس بمناضل وكم نحن جد مسىورينعلى الأقل إلى حدود كتابة هذه الأسطر لم يتم تكليفنا بعد للذهاب إلى استقطاب أبنائهم من المطارات فور عودتهم  من التحليق الميتروبوليتاني.

  التوصيات :

   رغم أنه يعاب أحيانا تقديم توصيات ، إلا إذا كان العمل موجها لصالح مؤسسة معينة ، إلا أننا ارتأينا أن نقدم هذه التوصيات التي استقيناها من واقعنا المجالي وعبر تجارب لسنوات ليست بالقليلة ، وفيما يلي نقترح البعض من هذه التوصيات .

– على مسؤولينا في القطاع المركزي ، أن يتركوا هامشا للحرية لمسؤولينا الجهويين والإقليميين بغية التحرر من فوبيا الوقفات الاحتجاجية ، والتي يتفنن فيها البعض بالاعتماد على رأسمال انخراطي ، فليست كل وقفة احتجاجية هي وقفة ذات مطالب معقولة ، فسياسة “برد” و “calma” تتيح ماء فيها غير وهج السراب ، متسلحين بنار الانتقام والحسد الحقير،  مخلصين في طقوسهم المتمثلة في التسلل عبر جنح الظلام لأحد المنتجعات المخصصة أراضيها لرياضة الغولف ، بغية تسليم الطرد الممتلئ بالتهم المزيفة والخالية من المورالين وبالضبط في الأيام الأخيرة من موسم 

الحصاد الفلاحي بغية تحطيم ذلك السد الذي وقف منيعا ضد شطحاتهم ، ويا لوقاحتهم ، أسبوعا بعد ذلك يطعنون بقبعة وهمية لا وجود لها بيروقراطيا في طرد من قذيفة معاكسة بدعوى عدم احترامها للمضمار رقم 150/14 لم لا وقوانين الحقل تُرَوِّض مرتاديه وتفرض عليهم دما بنفسجيا بدل دمهم الأصلي، خاصة بعد تذوق لذة مخدر “الإكستازي” الوردي (س11) ، يا لغبائهم كذلك ، فهم لا يعلمون أن بقفزتهم تلك ، يحرقون الآخرين الذين بدورهم كانوا سباقين لعدم احترام مضمار 06/98 وبالضبط ف 18.

     – على كل أولئك الذين يدبّ في أعينهم النعاس ، أن يستيقضوا من سباتهم ، ويتحرروا من جبنهم ، وأن يشنوا مقاطعة لهؤلاء الإكشوانيين ، بل وهجرة معاقلهم اللعينة التي تحضن بيوضهم وتحويلها إلى أماكن لتربية الأفاعي السامة ، وفنجان قهوة مع نقابي إكشواني ما هو إلا إقصاء ذاتوي وتجويع قيمي، يدخل النعاس على الأعين ، فطوبى لكل من يدبّ في أعينهم النعاس .

      – على باحثينا الأكاديميين بمختلف توجهاتهم الإنكباب على الظواهر الميكروية والتحلي بأقلام جريئة للتصدي لكل من سولت له نفسه التفكير في مص الدماء ، كي لا نترك الفرصة لأفراد من آل الدماء الزرقاء ، لا نعلم تكوينهم يستولون على الفضاء الأزرق ويعالجون ظواهر اجتماعية تمس مختلف الأطياف ، قد نحير معهم ، هل فعلا وصل شبابنا إلى هذا النوع من التحليل والتفكيك وإعادة التركيب؟ أم أن الأمر يتعلق برهانات لا نستطيع التعرف على سياقاتها بسبب محدودية الرأسمال الرمزي ، ولخير مثال ، ذلك الذي استأثر الرأي العام مؤخرا بأغاني تمس عدة مؤسسات ، والتي نختلف معهم طبعا في جوهرها ، ليس دفاعا عن تلك المؤسسات ، فهاتهالأخيرة تستمد مشروعيتها دستوريا وليست بحاجة إلى سوسيولوجي فاشل ، يستيقظ حتى الرابعة بعد الزوال ، عاق لأساتذته ومسؤوليه كي يدافع عنها ، ولكن لإيماننا الراسخ بأن أكبر عدو للشعب هو الشعب نفسه ، ذلك الشعب الذي يستيقظ صباحا وبدون وعي منه يفكر طوطولوجيا في جملة ” نشوف لي يوقف معايا ” متناسيا أنه قضى ليلته وسط الثرثرة عن الزبونية والمحسوبية واللاعدالة اجتماعية، ذلك الشعب الذي أصبح همه الوحيد هو ربط علاقات اجتماعية مع أطباء ومهندسين وقضاة وأفراد الشرطة ،   الدرك … وكل من له منصب رفيع لمواجهة ذلك البعبع المسمى “الآخر” الذي مازال لم يعرفه بعد ، ولكن هابيتوسه الهش وإرادته المسلوبة هي من جعلت منه فريسة لضعفه وجبنه،  حاملا لدماء مرّاقة.

– إن أكبر خطأ استدمجه أفراد الشعب هو اعتقادهم أن عدوهم يوجد في النسق الشمولي ، بل على العكس ، فالعدو يعيش بيننا ، يرتاد أسواقنا ، يدخل مساجدنا، يدرس بقاعاتنا وقد يسكن حتى بعماراتنا، ووقفة تأملية واحدة ستظهر لنا كم من صديق وكم من رفيق ما لبث يثرثر عن اللاعدالة هو من قصَّ شريط الكعكة ، ذلك الشعب الذي مارس طقوس العبور من شعار ” ليس الفتى من يقول كان أبي، ولكن الفتى من يقول ها أنذا ” إلى شعار ” سعدات لي عندو جداتو في العرس ” فلا جدوى من الحديث عن الصناديق السوداء ، ومقالع الرمال و الصيد في أعالي البحار دون الحديث أولا عن الريع النقابي ، فكم يا ترى من عدالة سنظل نلهث وراءها ؟ ومتى سننتهي من هذه الحماقات 

الممسرحة ؟ فهل نطالب بعدالة اجتماعية؟ أم نطالب بعدالة إيكولوجية ؟ أم عدالة سوسيولوجية ؟    أم عدالة وظيفية؟ فالمستقبل أصبح ككرات الصابون الفارغة ، لا يُبشِّر إلا بفناء ” نيرفاني” وفي ظل تأخر العدالة الإلهية، فما يسعنا في أقصى الحالات إلا أن نطلب عدالة “مالتوسية” . – يجب على باحثينا الأكاديميين التصالح مع قيمنا التي أصبحت تعيش اغترابا، وقلب المعادلة جينيالوجيا بالتخلي عن قيمنا التراجيدية لصالح قيمنا التراحمية إن جاز لنا استعارة هذه الثنائية من أستاذنا الآخر” رشيد جرموني” عبر البحث الميداني ، وصياغة التقارير والنمذجات ووضع الإشكاليات وتصنيف “التيولوجيات” في إطارها الثقافي والإيتيقي، فكل ظاهرة اجتماعية تعبر عن ثقافة تحتضنها وأرض خصبة تنمو فوقها ، وعلى هذا الأساس فليعذرنا للمرة الثانية أستاذنا عبد الرحيم العطري في إشارته إلى إكشوان ونيبا وساري كول ، أدومة… سابحا معهم على ضفاف أودية السيليكون ، أن هاته الظواهر هي موجودة بالفعل قبل أن تكون موجودة بالقوة، فهي ثقافة ذهنية ، فكم يا ترى عدد الإكشوانيين والنيبويين موجودين بنقاباتنا يعانون الهلوسة الأخلاقية ، حولوا جميع الأرقام لمريديهم،  ضاربين عرض الحائط مسألة الكفاءة ، ويا لغبائهم ! نكرر مرة أخرى ، يظنون أن مهرهم ليس بمقدورنا، لم لا ومفاهيم الأخلاق والمبادئ لا توجد في قاموسهم الإكشواني .

   وفي ظل التنازلات الجبانة لأولئك الذين يدب في أعينهم النعاس ولعلمنا المسبق أن آل إكشوان لا يستطيعون السيطرة على أهوائهم المتعطشة لمص الدماء، فعلى الأقل نساهم في التقليل منها وكبحها،وعلى هذا الأساس ، فلن نكون أبدا باڤلوفيين أو حفاري قبور أو حتى عبوة ديناميت ، بل سنتحلى دائما بعقلانيتنا الجريئة والمحوكمة، فالحكامة تريدنا شجعانا لا نبالي بشئ ، فهي أنثى ، ولا تحب الأنثى إلا الرجل المكافح الصلب الكاره للدماء المرّاقة التي نصّبت نفسها تفقه في عقول المجانين، فليسمحوا لنا أن نوضح لهم أن جنوننا مرتبط بثنائية الوجود بالقوة والوجود بالفعل ؛ بين التيه في الإنتماء إلى زهرة الكرزنتيموم أم انتماء للأرقام الخاضعة لسرعة التدفقات (km50) .

     وباعتبار أن العمل النقابي هو عمل ذو سيرورة لن ينقرض أبدا، فالأمر يتطلب منا أقلاما مدادها العود الأبدي وإكسسوارات جينيالوجية تسمح لنا على الأقل في الفترة الراهنة أن نوجه سؤالا لذلك النقابي الإكشوانيزعيمهم الإسكندر المقدوني وهو سؤال لضميره المرّاق:فهل أنت حقيقي أم مجرد ممثل ؟ موكل أم الموكل عن نفسه ؟ أم أنك بالنهاية لا تعدو كونك سوى نسخة عن ممثل ؟ .

      أما بقية القطيع الإكشواني، فهم مازالوا يضغضغونويمزقون ثوب الكوجيتو الديكارتي تاركينه ينزف دما أحمرا وتعويضه بدم بنفسجي بغية امتصاصه بشعار مجروح ” أنا نقابي إذن أنا موجود” ولنقلها فيما بيننا وبصوت خافت ولا داعي لإخبار الآخرين ، فما دام الأمر يتعلق بالأهواء ، فإن الإكشوانيين سيظلون يغيرون مواقفهم وآرائهم كما تغير ” بائعة الهوى” عشاقها في الليلة الواحدة عشرات المرات . فهل يوجد رجل واحد من بينكم أيها الإكشوانيون ، يتجاسر علي ويحدثني عن عظمتكم النقابية السوقية، فتمة فرق بين موسيقى ” فاجنر” وموسيقى ” العلوة” أو بلغة أدق ، فرق بين من يٌنتِج وبين من يٌنتَج وبين من ينتجون إليه .

   *لائحة المصادر والمراجع*

1- باروخ إسبينوزا ،رسالة في اللاهوت والسياسة ،تقديم حسن حنفي ،مراجعة فؤاد زكرياء،دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع ،بيروت،ط 1 .2005

2- نيتشه،إرادة القوة ،محاولة لقلب كل القيم ،ترجمة وتقديم محمد الناجي ،إفريقيا الشرق، المغرب 2001

3- سيجموند فرويد،الطوطم والطابو ،ترجمة بوعلي ياسين ،دار الحوار للنشر والتوزيع، سوريا ط1، 1993

4- David Le Breton ،أنتربولوجيا الجسد والحداثة ،ترجمة محمد عرب صاصيلا ،دار النشر المؤسسة الجامعية بيروت 1997

5- عبد الهادي أعراب ،السحر لدى المرأة إعتقاد ثقافي أم ممارسة تقاوم الشرط النسوي ؟ مؤسسة مؤمنون بلا حدود،الفلسفة والعلوم الانسانية ،مارس 2016

6- نيتشه،هكذا تكلم زرادشت ،كتاب للكل ولا لأحد ،التقوى للطباعة والنشر والتوزيع ،دار العلم والمعرفة -القاهرة 2018

7- نيتشه،نقيض المسيح ،مقال اللعنة على المسيحية ،ترجمة علي مصباح ،منشورات الجمل،ط1،بيروت-بغداد2011

8-           éditeur,la volenté de savoir,istoire de la sexualitéh,oucaultF Michel 1994janvier1 ,Gallimard 

9- باروخ إسبينوزا ،علم الأخلاق ،ترجمة جلال الدين سعيد ،مراجعة جورج كتورة ،المنظمة العربية للترجمة ط1 بيروت ،أكتوبر 2009 

10-                            177p, tci,op,quebureauti le phénomène ,Michel crozier 

11- عبد الرحيم العطري ،الشعب يريد العيون والتاءات، TRTعربي 4يناير 2012

12-         préface de john B ,angage et pouvoir symboliquel,Pierre bourdieu 2001 éd du seuil,thompson

13- رشيد جرموني،الأسرة المغربية من القيم التراحمية إلى القيم التعاقدية، هسبريس26نونبر 2013

14- عبد الرحيم العطري Buzz في الوطن العربي ،كيف تصير مشهورا في سياق التفاهة TRT مارس 2009

15- نيتشه، غسق الأوتان أو كيف نتعاطى الفلسفة قرعا بالمطرقة ،ترجمة على مصباح ،منشورات دار الجمل ط1بيروت-بغداد 2010

16- نيتشه ،قضية فاغنر يليه نيتشه ضد فاغنر ،ترجمة علي مصباح ،منشورات دار الجمل ،بغداد- بيروت ط1 2016

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


43 − 39 =