بقلم – رقيق ميلود
في الجزائر العسكرية ، لم تعد الكوارث السياسية والاقتصادية وحدها تؤرق المواطنين، بل حتى الطبيعة تحولت إلى شاهد صامت على عبثٍ خطير لا ينتهي،بعد أن ظلّ ملف وادي ناموس غارقاً في الأسرار والتكتم لسنوات طوال، يعود اليوم شبح آخر أكثر خطورة في قلب العاصمة: وادي الحراش،كلاهما يكشفان أن الأمر لم يعد تلوثاً بيئياً عادياً، بل جزء من مسلسل غامض حيث تختلط السياسة بالتجارب المشبوهة، والماء بالموت البطيء.
- وادي ناموس (B2 Namous): مقبرة الأسرار المسمومة
منذ سنوات، تسربت أخبار متفرقة عن تسربات كيميائية غامضة في منطقة وادي ناموس، قيل إنها مرتبطة بمخلفات مجهولة المصدر، وربما تجارب عسكرية أو بيولوجية لم يُكشف عنها للرأي العام إلى يومنا هذا .
الصمت الرسمي كان أكبر من الحادث نفسه: لا تقارير شفافة، لا تصريحات علمية موثوقة، فقط جدار من التعتيم،في بلد طبيعي، كان من المفروض أن تُفتح تحقيقات دولية، لكن في جزائر العسكر، الحقيقة تُدفن كما تُدفن المواد السامة تحت التراب.
شهادات غير رسمية تحدثت عن أمراض غريبة أصابت السكان المحيطين بالوادي، عن نفوق للحيوانات، وعن مياه فقدت لونها الطبيعي،لكن أي صوت حاول الاقتراب من الملف، وُوجه بالتكميم و بالاعتقال أو بالاختفاء القسري.
وادي ناموس ظلّ “الممنوع من الاقتراب”، وكأن في بطنه قنبلة موقوتة لا يريد أحد أن يكتشفها او يعرف اسرارها..
-وادي الحراش: الموت في قلب العاصمة
اليوم، عاد المشهد نفسه لكن في قلب الجزائر العاصمة،حيث وادي الحراش الذي يشق العاصمة من أعلاها إلى ساحلها، تحوّل إلى نهر من السموم.
المياه صارت سوداء، والروائح خانقة، والتحاليل المخبرية (القليلة التي تسربت) تحدثت عن نسب مخيفة من المعادن الثقيلة والمواد السامة،لكن الأسوأ أن هناك مواد غير معرّفة، لا يعرف أحد مصدرها ولا تكوينها.
السؤال الخطير:
هل نحن أمام مجرد تلوث صناعي عادي؟ أم أن الوادي استُخدم كمصب لتجارب أو لمخلفات محظورة؟
الأخطر أن وادي الحراش لا يمر بمنطقة نائية، بل بقلب العاصمة، حيث مئات آلاف الأسر تسكن بجواره.
التلوث هنا لم يعد خطراً بيئياً فقط، بل تهديداً صحياً مباشراً للمواطنين.

- الرابط بين الواديين: صدفة أم سياسة منهجية مقيتة؟
عندما نضع ملف وادي ناموس إلى جانب وادي الحراش، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل هي مجرد مصادفات أن تتحول الأودية الجزائرية إلى مقابر للسموم؟
الجواب الأكثر إثارة أن النظام العسكري الجزائري يتقن إدارة الغموض:
• في وادي ناموس: صمت مريب يخفي خلفه ربما تجارب خطيرة أو دفن نفايات محرمة.
• في وادي الحراش: تلوث مكشوف لكن دون أي تفسير رسمي مقنع.
النتيجة واحدة: الشعب الجزائري يبقى الضحية، والمياه التي كانت رمز الحياة تحولت إلى رمز للموت وقادة النظام العسكري تركوا بصمات تورطهم في فضيحة الواديين.
- الدولة العسكرية: من تسميم السياسة إلى تسميم البيئة
جزائر العسكر لم تكتف بتسميم الحياة السياسية والإعلامية والاقتصادية، بل امتدت غطرستها إلى الطبيعة نفسها.
النظام الذي يخفي الحقائق عن وادي ناموس، ويتجاهل الكارثة في وادي الحراش، هو نفسه الذي يعيش على سياسة إدارة الأكاذيب: كل ملف بيئي أو صحي خطير يتم دفنه حتى لا ينكشف وجه الدولة الحقيقي.
التحكم في الإعلام، إسكات الخبراء، ومنع أي بحث مستقل، كلها أدوات تعكس خوفاً عميقاً: خوف من انفضاح حقيقة أن الأودية تحولت إلى مقابر سامة تحت إشراف الدولة و بتواطؤ منها.
- الحقيقة المؤجلة
قد يعتقد النظام أنه ينجح اليوم في طمس الملفات، لكن الحقائق لا تختفي إلى الأبد، وادي ناموس سيكشف أسراره يوماً، ووادي الحراش صار شاهداً حياً أمام كل جزائري.
ومع مرور الأيام، ستظهر تقارير، ستُفضح أسرار، وسيعلم الشعب حجم الكارثة التي عاشها صامتاً.
تذكروها جيداً: إذا كان وادي ناموس قد دُفن في الصمت، فإن وادي الحراش يصرخ اليوم في قلب العاصمة،وما تخفيه الأودية قد يكون أخطر مما تخفيه دهاليز النظام نفسه.
التاريخ لا يرحم، والماء لا يُسمَم دون أن يترك أثراً،وما يفعله العسكر اليوم قد يكون القشة التي تُغرق دولتهم في مستنقع السموم التي صنعوها بأيديهم و القادم خطير …!
