“محنتنا في سياق الحداثة”

بقلم – المهدي بسطيلي (طالب باحث بسلك الماستر)

يبدو أن الحديث عن الحداثة يجب أن يتجاوز التفكير فيها كمفهوم فلسفي ذو أبعاد متعددة، وينظر إليها نظرة شمولية تستجيب لكل شروط المقايضة مع التاريخ من أجل الفهم ولا شيء غير الفهم، ففي الفهم رسم معقلن لكل خطوات الواقع، وبناء لسؤال الهوية المشروع والذي هو جوهر الإنسان أصلا. في حقيقة الأمر الكل يناقش الحداثة فالبعض يتحدث عنها كقيمة مثالية تبلورت بالعالم الغربي وأنها روح العلية في الفكر البشري، والبعض يتحدث عنها كسلاح دمار شامل يهدد جوابه عن سؤال الهوية الخاصة، مدامت تجبره على إعادة التفكير في ماضيه وإعادة بناء حاضره، وأما الفئة الأخرى هي فئة مغضوب عليها من طرف المجتمع لأنها تحاول أن تفهم ولأنها تعدت المسموح به لتنادي بتصحيح الماضي على ضوء مراجعة عقلانية للحاضر. أما نشأة الحداثة كإطار ثقافي كانت في أوروبا بالقرن الثامن عش، والرؤية التنويرية التي تشكلت في أمريكا بعد ذلك، والتي معناها أن الإنسان يمتلك قدرا من قيم الشر والخي، وأن الكمال ليس من نصيبه وعن جدوى التسامه و طرح أسئلة الذات المنطقية كأسلوب لحياة، والاستقراء التنويري للحالة الإنسانية الذي خرج بقناعات أن له حقوق وواجبات مؤطرة، وأن اجتماع الناس أساسه العدالة و المساواة والإنصاف ولا شيء غير ذلك، وأن العقل هو السبيل الوحيد لإقرار العدل و المساواة و السلام، هكذا انطلق المشروع الفكري الذي بناه العقل البشري منذ التساؤلات الأولى التي طرحتها الآغورا باليونان والدعوة للتفكير المنطقي في العديد من الأسئلة الوجودية لتطال الوجود نفسه تأطرت هذه الأفكار بالعلم و المعرفة وولجت مختلف المجالات الحيوية بالعالم الأوروبي، أصبحت منهجا للحياة بعد أن تبلورت كمفهوم فلسفي شبيه بتلك القيم التي اتجهت لها الطبقة الأرسطقراطية بألمانيا في سياق التميز، تجلت الحداثة في مختلف الصور سواء منها المادية عبر التأسيس لمنطق الاختراع و الابتكار و الابداع الذي قضى على كل ملامح تقييد العقل البشري، فسوقت الحداثة في كثير من الأحيان نفسها للعالم الآخر بصورة مادية يستهلكها وفي حقيقة الأمر لا يملك أية فكرة موضوعية عن سياقات إنتاجها لم تعد الحداثة في مرحلة ما مجرد مفهوم بل نمط عيش وأسلوب حياة بدءا من الفكر إلى الممارسة، بلورت نفسها بشكل منطقي حتى تتجاوز كل معالم التناقضات فتصالح المجتمع الأوروبي مع ذاته وأعلن عنها كمشروع حقق له الإشباع لتطوير فكرة المجتمع فعادت الحداثة لتطرح أسئلتها الأولى من جديد وترتب الأوراق وأصبح فكرة المجتمع الحداثي غير مقنعة لأن تجليات الحداثة تعدت ملامحها الأولى أصلا للانتقال للمجتمع الما بعد حداثي و الما بعد بعد حداثي إلى مجتمع المعرفة مجتمع الشبكات بل إلى إعلان موت المجتمع وموت الدولة التي أعطت في مرحلة ما تاريخ الصراع الدموي بين الإنسان مع نفسه، أعلنت الحداثة أنها واقع ومسار دمر كل محاولات ضبط التاريخ و المستقبل التي رسمتها هي نفسها لنفسها في سياق مجتمع الفردانية و الوضعية في مرحلة ما، لتعلن مرة أخرى أنها تتحكم في مسار التاريخ بل في مسار الواقع لأنها لم تعد واقع أوروبي بل مشروع للإنسانية فرض نفسه وانتزع سلطة الاختيار فبامتلاكها للتاريخ امتلكت المصير، إما الاعتراف بها سواء في سياق الفعالية أو سياق الاستهلاك، أما محاولة الرفض فتعني الانتحار في مزبلة التاريخ الذي لا ينتظر أحد

ربما هذا هو المسار الذي يجب أن نستحضره بشكل أولي ومجحف ربما، لكنن يملك الحد الأدنى الذي يمنحنا الحق في التساؤل عن علاقة المجتمعات العربية بالحداثة، وأول لحظات التساؤل نصطدم بالعديد من القراءات و التّأويلات الدينية الإسلامية التي ترفض الحداثة على ّأساس عدم استنادها على مرجعية من النص القرآني، طبعا، لا فوقية حصرية للثقافة هنا، بل تفاعل جدلي مع واقع مادي أخرج الثورة الصناعية وأعطى الغرب أفضلية لم تفارقه إلى اليوم ولا أحادية في التصور الإيجابي، فالحداثة قد أنتجت من صلبها رؤى تعارض أساسها المتفائل المتسامح، بما في ذلك الشيوعية والعنصرية، وصولا إلى “ما بعد الحداثة” والتي تنكر عن الطرح الإيجابي الحداثي إطلاقيته وتقول بأنه وليد التجربة الغربية ولا يمكن تعميمه وهي نقاشات مرحلية لن نخشى من الحداثة نفسها ونطرحها أيضا، لكن يجب أن نفكر أولا في أسس الرفض التي تقدمها هذه الإيديولوجيات الدينية ماهي حججها؟
لا يكفي بالنسبة لأصحاب هذه القراءات أن الحداثة لا تنفي النص ولا تسقطه، بل الاعتراض هو أنها لا تعتمده وبالفعل فإن الحداثة، والتي تفتقد الصيغة الأحادية، لا تفرض اعتماد النص الديني، ولكنها كذلك ليست بموقع رفض اعتماده شريطة أن يكون عقلانيا ومقبولا في شروط موضوعية، على مستوى القيم والثقافة، فلا شك أن “النهضة الحداثية في مراحلها الأولى وحتى المتأخرة” كانت إشعارا عربيا بأن ما أفصحت عنه الحداثة الأوروبية هو جزء من الموروث المحلي، وإن لم يكن جليا والتصورات القومية ثم الاشتراكية، ثم الإسلامية، الإخوانية منها والجهادية بل حتى السلفية وإن مع الإنكار، صيغت ضمن الإطار الحداثي، وإن كانت في بعض الأحيان ناقضة له فحتى رفض الحداثة حداثة.
عملت الحداثة على خلخلة كل معتقد و ممارسة الشك وفعل التساؤل المنطقي بدءا بالأمور التي تبدو لنا منطقية و اعتيادية، ولأنها في الأساس نتاج للتساؤل المشروع عن الحق و الواجب، ساءلت الحدود الممكنة لذلك في المجتمعات العربية وخاطبت الإيديولوجيات الدينية التي وجدت نفسها في حلقة مفرغة تعود بها للماضي لتجيب عن نفسها، إن من الاعتيادي أن تحدث شيخ عجوز عن شبابك ليحدثك عن شبابه في محاولة للتحدي و المجابهة رغم أن مجده عالق بالماضي لكنه يستحضره ليبرر ضعفه وعجزه لعله بجد في ذلك حسنة معينة، ذلك ما يحدث مع شيوخ الفقه التديني يحاولون دائما مجابهة الواقع الذي يفرض نفسه بتذكر القوة الممتلكة بالماضي، في زمن نفسه يحتاج لمساءلة موضوعية عن حقيقته التاريخية.
في مرحلة محاولة التطويع سارعوا لصياغة حداثة على المقاس حداثة عربية إسلامية، في عجب للأمر وكأنهم يتحدثون عن الأمر بهذه السهولة، فلم يستصيغوا كون الحداثة واقع تبلور في سياقات معينة، وأعاد صياغة نفسه كمشروع للإنسانية ككل، نتاج ذلك بنينة أشكال مختلفة من السكيزوفرينيا و الباردوكس في القيم الثقافية، نستلف من الحداثة أشكالها المادية ونرفضها مضمونا، نتمتع بحسناتها ونستهلكها فقط، تناقضات تتجلى في أبهى صورها على مستوى الخطاب و الممارسة نستدعي تأويلات النصوص الدينية لنجابه بها ونصوغ الخطاب الرنان الذي يذكرنا بعهد القوة، لكن الممارسة دون وعي أو بوعي فج تناقض هذا الخطاب، لكن الأمر الواقع اليوم سأم من محاولة مسايرة هذه الذوات الرافضة بدون مبرر مقبول، وبدأ يرسل ملامح التهديد بإعلان موت العقل بهذه المجتمعات، مدام الواقع نفسها في مرحلة مخاض يريد أن يلد الحداثة حتى في صور نمطية لها لكنه على الأقل يحاول، فكل محاولات الرفض تهددنا بالرمي خارج التاريخ وخارج الزمن .
لم تعد الخطابات الدينية اليوم ممكنة، مدام الواقع بلغة العلم ولو كنا لا ننتجه ونستهلكه فقط، وهو الأمر الذي اتجهت تلك الإيديولوجيات الدينية للنظر فيه أيضا لتصوغ عجائب الإعجاز القرآني وتبحث لكل طفرة علمية مرجعية تفسيرية دينية، وكأنها تتحدى مثل ذلك الجاهل المنكرلأي حقيقة لكنه في نفس الوقت يدعي امتلاكها .فالسؤال الدي أحتاج له عن إجابة، إذا كانت كل الاكتشافات العلمية موجودة بالنص الديني، لمذا لم يكن لنا سبق اكتشافها ؟ ولنفترض بشكل مؤقت أن العلم مرتبط بالنص الديني مدام العلم اليوم يتجدد ويتطور لمذا استقر النص الديني من خلال مختلف تفسيراته بالماضي؟ ألا يبدو هذا بحد ذاته طفرة نوعية في التناقض؟

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


6 + 2 =