الخارجية الجزائرية… فن صناعة الضجيج للتغطية على الصمت الداخلي

بقلم – رقيق ميلود

في خضم الوضع الإقليمي والدولي المتغير، ووسط تعقيدات داخلية متزايدة، تُصرّ الخارجية الجزائرية على الاستمرار في إصدار بيانات تُغرق في اللغة الإنشائية، محاولةً إضفاء طابع مؤسساتي ووقور على قرارات لا تُبنى على رؤية واضحة أو منطق ديبلوماسي متزن، بل على ردود فعل ظرفية تعكس هشاشة داخلية وتخبطًا في صناعة القرار.
البيان الأخير، الصادر بتاريخ 7 غشت 2025، يكشف بشكل غير مباشر عن اضطراب عميق في آليات اشتغال الدبلوماسية الجزائرية، ليس فقط في مضامينه، بل في توقيته، أسلوبه،شكله، وتبريراته التي لم تعد تنطلي على الرأي العام.

ما لم تقله وزارة الشؤون الخارجية في بيانها أكثر أهمية بكثير مما جاء فيه،فمحاولة إعطاء طابع مؤسساتي “مدروس” على رسائل وملاحظات، وإغراق القارئ في تقنية “تحليل الرسائل”، هو هروب ناعم من مواجهة السؤال الحقيقي: ما الذي تخشاه الجزائر الرسمية حتى تُفرد كل هذا الحجم من التوضيح؟ ولماذا هذا الحرص على نفي ما لا يحتاج نفيًا، وكأنها تُدرك ضمنًا أن الحقيقة صارت على وشك الانكشاف؟
هناك انفصام واضح بين اللغة الدبلوماسية التي يُراد تسويقها وبين حقيقة السلوك السياسي الذي تنتهجه الجزائر خارجيًا، وهو سلوك لا يخضع لمنطق السيادة بقدر ما يُكرّس استراتيجية دفاعية تُراكم العداءات وتُراوغ باستمرار لتأجيل لحظة المواجهة الداخلية.

كل ما ورد في البيان من توصيفات واتهامات ضمنية لجهات خارجية، لا يمكن فصله عن حالة الارتباك العام التي تطبع علاقات الجزائر مع عدة أطراف،علاقات تتأرجح بين القطيعة والمهادنة، وبين التصعيد والتهدئة، دون قاعدة ثابتة أو منطق سياسي ناضج. فرنسا، المغرب، إسبانيا، دول الساحل، حتى الحلفاء التقليديون، لم يسلموا من تقلبات الموقف الجزائري،والمفارقة أن النظام، وهو يُدرك هشاشته الداخلية، يُصرّ على خوض معارك دبلوماسية استعراضية يُوظف فيها تاريخ الثورة وشرعية الاستقلال، لا لحماية الدولة بل لحماية مركزية القرار العسكري في واجهة السياسة الخارجية.

هذه الوضعية لم تعد خافية على أحد، والشعب الجزائري بات أول المتضررين من هذا الانغلاق، إذ ان المواطن اليوم لا يحتاج لبيانات مطوّلة تشرح له محتوى مراسلة، بل يحتاج إلى من يُصارحه: لماذا تصر الجزائر الرسمية على إبقاء السياسة الخارجية حكرًا على دوائر مغلقة؟ لماذا تتخذ قرارات كبرى من دون مشاورة مؤسسات تمثيلية؟ ولماذا تتحول العلاقات الثنائية مع دول كبرى إلى مادة للتعبئة الإعلامية كلما اشتدت الأسئلة الداخلية حول الفساد والاحتقان الاجتماعي؟

بعيدًا عن الشعارات، لم يعد خافيًا أن الجزائر تُغرق في التناقضات. فبينما تُقدم نفسها كقوة إقليمية مستقلة وذات سيادة، تستمر في الصمت عن ملفات حساسة كقضية الأموال المهربة، ثروات النخبة، شبكات التهريب العابرة للحدود، وعقود الغاز الغامضة. ولم يعد مقبولاً اليوم أن تُحرك الملفات الدبلوماسية فقط عندما تشتد الضغوط الداخلية، وكأنها صمام أمان لتفريغ التوتر، أو وسيلة لتوجيه الأنظار بعيدًا عن قضايا حقيقية تمس حياة الناس.

البيان الأخير، وإن حاول تقديم الجزائر بمظهر السيادة الراسخة، لم يُخفِ ارتباكًا ظاهرًا في تبرير الخيارات. من التلميح إلى خرق اتفاقيات، إلى محاولة تصوير الآخر كطرف متهور، هناك محاولة دائمة لخلق سردية مظلومية تُغذي عقلية الحصار الخارجي، في الوقت الذي يعرف فيه الجميع أن العزلة التي تعاني منها الجزائر ليست وليدة خصومات خارجية، بل نتاج سياسات داخلية جعلت من الانغلاق والمناورة أداة للحكم لا وسيلة للدفاع عن المصالح العليا للبلاد.

أما بخصوص نزاع الصحراء، والذي تحوّل إلى عقدة مهيمنة على الخطاب الجزائري، فقد آن الأوان لمكاشفة وطنية. هذا النزاع لم يعد مسألة مبدئية كما تُروّج السلطة، بل ورقة ابتزاز سياسي يُوظفها النظام لتقوية موقعه في الداخل، وللتغطية على عجزه عن بناء شراكات إقليمية طبيعية ومتوازنة. دعم الانفصال وتمويل جبهة مسلحة، في ظل انهيار اقتصادي وارتفاع معدلات البطالة، لم يعد مقبولاً من طرف أي مواطن عاقل يبحث عن حلول حقيقية لمشاكله اليومية.

الخطابات الثورية لم تعد تُقنع أحدًا. والمجتمع الدولي لم يعد يُقاس بالبلاغة، بل بالشفافية والنتائج. لا يمكن لأي دولة أن تطلب الاحترام الخارجي في الوقت الذي تُقصي فيه شعبها من المعلومة، وتمنع إعلامه من مساءلة الحكومة، وتُجرّم كل من يتحدث عن الفساد أو عن تلاعب الأجهزة الأمنية في التوجيه السياسي والاقتصادي.

لقد أصبح لزامًا على الجزائريين، أكثر من أي وقت مضى، أن يُدركوا أن الخطاب الرسمي لا يُعبّر عنهم، وأن ما يُكتب في بيانات الخارجية لا يُمثّل مصالحهم، بل يُستخدم لحماية بنية حكم لم تعد قادرة على التكيف مع تحولات الزمن. لم يعد الوقت يحتمل مزيدًا من التضليل، والشعوب لا تُخدع طويلًا.