العداء الذي يُفقر دولة: كيف تحوّلت سياسة الجزائر تجاه المغرب إلى مسار انتحاري؟

بقلم – رقيق ميلود :

بينما يمضي المغرب بخطى واثقة نحو ترسيخ مكانته كقوة إقليمية مستقرة ومؤثرة، تواصل الجزائر الدوران في فلك العداء، غير قادرة على كبح غريزتها المزمنة في معاكسة كل ما يمت للمملكة بصلة، خصوصًا ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية. لكن المثير اليوم، هو أن النظام الجزائري بدأ يُغيّر أدواته الخطابية، بعدما أدرك أن سرديته التقليدية باتت مستهلكة ولا تُقنع حتى أقرب حلفائه.

فقد تحوّلت الجزائر من خطاب مباشر وفضّ يهاجم المغرب بصيغته العتيقة، إلى تبنّي نمط “البروباغندا المقنّعة”، حيث يتم تغليف العداء بشعارات “الحياد”، و”مساندة الشعوب”، و”الدفاع عن تقرير المصير”، بينما في العمق، تتحرك آلة الدولة الجزائرية بكل مستوياتها – أمنية، دبلوماسية، إعلامية، وتمويلية – لضرب الوحدة الترابية للمغرب ومحاولة التشويش على مقترحه الواقعي للحكم الذاتي الذي أصبح يحظى بدعم متزايد من القوى الكبرى ومنظمات دولية مرموقة.

لكن السؤال الحقيقي: ماذا جنت الجزائر من هذا الهوس المرضي بمعاداة المغرب؟

  • دبلوماسية على حافة الانهيار

في الوقت الذي راكمت فيه الدبلوماسية المغربية انتصارات واضحة في مختلف القارات، من أمريكا اللاتينية إلى إفريقيا وآسيا، وجدت الجزائر نفسها محاصرة بخيبات متتالية،فحتى شركاء الأمس الذين اعتاد النظام العسكري الاتكاء عليهم في دعم أطروحاته الانفصالية، بدؤوا في مراجعة مواقفهم، إدراكًا منهم لاستحالة استمرار دعم مشروع وهمي لا يخدم لا الأمن الإقليمي ولا الاستقرار الدولي.

التحولات في مواقف دول مثل إسبانيا، ألمانيا، والولايات المتحدة،فرنسا…كانت بمثابة صدمة للآلة الدبلوماسية الجزائرية المهترئة ، التي لم تجد أمامها سوى التنديد والعويل، دون تقديم بدائل مقنعة، سوى العودة إلى خطاب الاتهام والمؤامرة.

  • اقتصاد يتآكل تحت وطأة الإنفاق العدائي

العداء للمغرب لم يكن يومًا مجانيًا،فقد كلّف الجزائر استنزافًا ماليًا ضخمًا على مدى عقود: تمويل مليشيات مسلحة، شراء الذمم داخل بعض المنظمات، ضخ الأموال في وسائل إعلام ومراكز دراسات أجنبية لتمرير روايتها، وتخصيص ميزانيات سرية لحملات التأثير.

والنتيجة؟
اقتصاد هش يعتمد كليًا على الريع الغازي، وشعب يعاني من انهيار القدرة الشرائية، ومشاريع وطنية متوقفة أو متعثرة، في وقت تُبدَّد فيه الثروات على معارك خاسرة بالوكالة، لا تخدم لا مستقبل الشعب الجزائري ولا استقراره الداخلي.

  • انكشاف داخلي وصحوة إقليمية

التحولات الإقليمية لم تعد تسمح بسياسة الهروب إلى الأمام ،والجزائر تعيش أزمة شرعية سياسية داخلية خانقة، وتآكلًا في الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، يقابله إدراك شعبي متزايد بأن المغرب لا يشكل تهديدًا، بل نموذجًا يجب دراسته، إن لم يكن الاحتذاء به.

وفي الوقت الذي يوسّع فيه المغرب شراكاته الاستراتيجية مع قوى عالمية، ويستقطب استثمارات ضخمة في قطاعات حيوية، تنكمش الجزائر على ذاتها، في عزلة متزايدة، لا تنفع معها لا شعارات “عدم الانحياز”، ولا محاولات شراء المواقف، ولا تسويق صورة “الدولة المحورية”.

ربما آن الأوان للنظام الجزائري أن يطرح على نفسه السؤال الذي يتهرّب منه منذ عقود: هل تستحق معاكسة المغرب كل هذا النزيف؟ هل تستحق قضية وهمية أن تُضحى من أجلها بمستقبل أمة بأكملها؟ وهل يمكن لدولة أن تستمر في تسيير سياستها الخارجية بميزان الحقد لا بميزان المصالح؟

العالم تغيّر، والمغرب تغيّر، والمشهد الجيوسياسي لا ينتظر من يُراهن على الأكاذيب والشعارات الفارغة. ومن يصرّ على معاكسة الاتجاه، لا يُنتظر منه سوى الانهيار..!


**فاعل سياسي و مهتم بشؤون الدبلوماسية الشعبية