الصّين وريادة الذكاء الاصطناعيّ في العام 2030

“وُيرجَّح أن تكون المُنافَسة على التفوُّق في مضمار الذكاء الاصطناعيّ على مستوى الدول، سبباً في اندلاع حربٍ عالَميّة ثالثة، في رأيي”. جاءت هذه الكلمات في تغريدة لرائد الأعمال الأميركيّ الشهير، إيلون ماسك، الذي أسَّس ويُدير عدداً من الشركات التقنيّة المُهمّة، بل وأكثر من ذلك، قام هو و115 شخصاً آخر، من كِبار قادة الذكاء الاصطناعيّ في 26 دولة مُختلِفة، بتوقيع مذكّرة إلى الأُمم المتّحدة لحظْر تصنيع الأسلحة الفتّاكة الإلكترونيّة، والمعروفة باسم “الروبوتات القاتِلة”، قبيل انعقاد المؤتمر الدوليّ المُشترَك للذكاء الاصطناعيّ، وبالتّزامن مع بداية المُحادثات الرسميّة من قبل الأُمم المتّحدة لدراسة هذا الحظر.

قبل عشر سنوات فقط، كان قليلون من الأكاديميّين والمُراقبين يتوقّعون مثل هذه الانطلاقة غير العاديّة في اقتصادات الذكاء الاصطناعي وتداعياتها المُحتمَلة على هَيكل توازن القوى العالَميّة. وكانت أكاديميّة “برايس ووتر هاوس كوبرز”، التي تُعتبر واحدة من أكبر شركات الخدمات والاستشارات المهنيّة في العالَم، قد توقَّعت في تقريرها الصادر في منتصف العام 2017 بشأن مُساهَمة الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد الدولي، أن تصل تلك المُساهَمة إلى 15.7 تريليون دولار أميركي من وقت صدور التقرير وحتّى العام 2030، أي ما يفوق النّاتِج المحلّي الإجمالي للصين والهند معاً، مع الأخذ بعَين الاعتبار أنّ قيمة الاقتصاد الكَوني حاليّاً تقدَّر بنحو 74 تريليون دولار أميركي، وأنّه سيزيد بنحو 14 في المائة بحلول العام 2030.

ومن دون شكّ، يبدو أنّ الصراع التكنولوجي المُحتدِم حاليّاً بين دول العالَم المتقدِّم، وفي مقدّمتهم أميركا والصين، على مستوى الأبحاث والتطبيقات المتعلّقة بالذكاء الاصطناعي، سيُحدِث تحوّلاتٍ كبرى في مَوازين القوى العالَميّة، ولاسيّما بعدما أَعلنت الحكومة الصينيّة بشكلٍ واضح عن خطّتها الهادفة إلى ريادة مجال الذكاء الاصطناعي بحلول العام 2030.

خطّة الريادة الصينيّة

يبدو أنّ الأفكار القائلة إنّ اقتصاد الذكاء الاصطناعي هو المستقبل، وإنّ كلّ مَن يُصبِح زعيماً في هذا المجال، سوف يَحكم العالَم، قد سيطرت على التفكير الاستراتيجي لقادة المُجتمع الصيني، الذين بدأوا بالفعل في إعطاء الأولويّة لأبحاث الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته على أعلى المستويات. ففي آذار (مارس)2017، تمَّ إدراج الذكاء الاصطناعي للمرّة الأولى في تقرير عمل الحكومة الصينيّة، الذي قدّمه رئيس مجلس الدولة، لي كه تشانغ، إلى الدورة الخامسة للمجلس الوطني لنوّاب الشعب الصيني. وقال التقرير إنّ الحكومة سوف ” تقوم بتسريع أعمال البحث والتطوير وتسويق المُنتجات الجديدة المُتعلِّقة بالذكاء الاصطناعي، وتطوير المجمّعات الصناعيّة المخصَّصة لها”. 

وبالفعل، في شهر تمّوز (يوليو) 2017، أصدرت بكين خطّتها لتطوير الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي، بوضْعها جدول أعمالٍ طموحاً للغاية ومكوّناً من ثلاث مراحل زمنيّة مخُتلفة، تستهدف نموّ قيمة صناعات الذكاء الصناعي في البلاد إلى ما يتجاوز 150 مليار يوان صيني بحلول 2020، وإلى ما يتجاوز 400 مليار يوان صيني بحلول 2025، وإلى ما يتجاوز 1 تريليون يوان صيني بحلول العام 2030. وقد احتوت هذه الخطّة على ستّة أهداف استراتيجيّة كبرى، يُمكن إيجازها على النحو الآتي:

1- بِناء نُظمٍ للابتكار المفتوح والتعاوني في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، يشمل تصميم جميع الأُطر والنظريّات الأساسيّة، والتكنولوجيّات العامّة الرئيسة، ومنصّات الابتكار والعمل من قبل كِبار المُختصّين في الجيل الجديد من تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

2- تعزيز عمليّات التطوير الراقية والفعّالة للاقتصاد الذكي، وذلك من خلال العمل بقوّة على تسريع عمليّة تطوير صناعات الجيل الجديد من تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وتعزيز عمليّات الترقية الذكيّة لجميع الصناعات الأخرى ذات الصلة. 

3- إنشاء مُجتمع ذكي آمن ومُريح، يقوم على تطوير الخدمات الذكيّة الفعّالة، وتعزيز الإدارة الاجتماعيّة الذكيّة، واستخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز السلامة العامّة وقدرات الأمن. 

4- تعزيز التعاضُد والتكامُل العسكري- المدني في قِطاع الذكاء الاصطناعي، وتشجيع عمليّات تحويل وتطبيق الإنجازات العِلميّة والتكنولوجيّة المُشترَكة في المجالَين العسكري والمَدني.

5- بناء نِظام للبنية التحتيّة الذكيّة الآمِنة والفعّالة، وذلك من خلال تعزيز عمليّات بناء البنية التحتيّة اللّازِمة لشبكات الكمبيوتر، والبيانات الضخمة، والحَوسبة عالية الآداء وتطويرها.

6- الشروع في وضْع مجموعة من الخِطط والترتيبات التطلّعيّة في ما يتعلّق بالمشروعات العِلميّة والتكنولوجيّة الكبرى المُعتمِدة على الجيل الجديد من تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. 

وبجانب التخطيط والدَّعم الحكومي الملموس لتطوير قِطاع الذكاء الاصطناعي، يتوقَّع بعض الخبراء دَوراً مُتزايداً لشركات القِطاع الخاصّ الصينيّة العملاقة، مثل علي بابا، وبايدو، وتنسنت، لتحقيق اختراقات كبرى في تكنولوجيّات الذكاء الاصطناعي على المدى القريب، ولاسيّما بعدما أصبحت هذه الشركات مُنافِساً قويّاً لمُعظم الشركات الأميركيّة العامِلة في هذا المجال. 

مَخاوِف أميركيّة مُتصاعِدة

بمجرّد الإعلان عن تفاصيل الخطّة الصينيّة لريادة الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي، انتشرت حالة من القلق والخوف بين عددٍ ليس بالقليل من الأكاديميّين وصنّاع القرار وقادة الأعمال في الولايات المتّحدة الأميركيّة. ففي 28 تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، حذَّر تقريرٌ بحثيٌّ صادِر عن مَركز الأمن الأميركي الجديد، أحد الأذرع البحثيّة للاستخبارات الأميركيّة، من أنّ تكنولوجيا الذكاء الصناعي الصينيّة، وتطويرها قد تشكِّل تهديداً للتوازن الاقتصادي والعسكري للقوى العالَميّة. 

وقد أكَّد هذا التقرير البحثيّ، أنّ الصين لم تعُد في مركز أقلّ من الناحية التكنولوجيّة بالنسبة إلى الولايات المتّحدة، بل أَصبحت تُنافِس بحقّ، ولدَيها القدرة على التفوُّق بالفعل في مجال الذكاء الصناعي، خصوصاً في ظلّ تزايُد استثمارات الجيش الصيني، وتعاوُن مَعاهِد بحثيّة تابِعة له مع قِطاع الصناعات الدفاعيّة الصينيّة، فضلاً عن إمكانيّة استفادة الجيش الصيني من تكنولوجيا الذكاء الصناعي بطُرق فريدة وربّما غير متوقَّعة، قد تكون أقلّ تقييداً على الأرجح، مُقارَنةً ببعض المَخاوِف القانونيّة والأخلاقيّة في الداخل الأميركي. 

وفي السياق ذاته، كان نائب وزير الدفاع الأميركي السابق، روبرت وورك، قد حذَّر الولايات المتّحدة الأميركيّة داعياً إيّاها إلى ” أن تقود الثورة القادمة، أو أن تصبح ضحيّة لها”. وقد جاء هذا التحذير الواضح وشديد اللّهجة، في مقدّمة التقرير الصادر مؤخَّراً عن شركة جوفيني، المتخصِّصة في علوم البيانات وتحليلها، والذي أوضح أنّ التقدُّم السريع في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، والنُّظم ذاتيّة القيادة المُحسَّنة بشكل كبير، والعمليّات التي ستتيحها، يُشير إلى تطبيقات جديدة وأكثر حداثة للقتال، تشمل التعاون بين الإنسان والآلة والفِرق القتاليّة، وأنّ هذه التطبيقات ستكون المُحرِّك الرئيس لثورة عسكريّة- تكنولوجيّة ناشِئة.

من جانبه، قال إيريك شميت، المُدير التنفيذي السابق لشركة “غوغل”، والرئيس التنفيذي الحالي لشركة “ألفابت”، إنّ الصين قد تتخطّى الولايات المتّحدة قريباً في سباق تطوير الذكاء الاصطناعي، وذلك بسبب افتقار واشنطن لسياسة استراتيجيّة واضحة وقويّة للحِفاظ على تقدّمها في هذا المجال، بخاصّة مع تزايُد الاتّجاه داخل الإدارة الأميركيّة الجديدة لقلّة اسثتماراتها في أبحاث الذكاء الاصطناعي، واتّباعها لسياسات هجرة مقيّدة، تحول بينها وبين جذْب المُواهِب التكنولوجيّة التي تحتاج إليها، مؤكِّداً أنّ مسألة تنظيم استخدامات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي من قبل الحكومة الأميركيّة، يجب ألّا تكون وسيلة لمُضايقة الشركات الاقتصاديّة الخاصّة، وتصيُّد الأخطاء في الكيفيّة التي تطوِّر بها خوارزميّاتها. 

هل تتمكّن بكين من تحقيق التفوُّق؟

على الرّغم من صعوبة التنبّؤ بمستقبل تأثير التفوّق في الذكاء الاصطناعي على هَيكل توزيع القوى السيبرانيّة بين الدول المُتنافِسة في هذا المجال، بسبب التحوّلات السريعة والغامضة، بل والدراماتيكيّة في كثير من الأحيان، التي تُحيط بأبحاثه وتطبيقاته بشكلٍ عامّ، وفي الخدمات العسكريّة الذكيّة والأمن المعلوماتي على وجه الخصوص، ربّما يُمكن القول إنّ الولايات المتّحدة قد تنجح، على المدى القريب، في الاحتفاظ باستمرار هَيمنتها على مقدّرات القوّة التقليديّة في الأرض والجوّ والبحر والفضاء، بل وقوّتها السيبرانيّة أيضاً على نحوٍ ما. لكنّ ظهور الصّين كقوّة كبرى ساعية إلى الريادة في اقتصادات الذكاء الاصطناعي وتقنيّات الحروب الذكيّة، قد يعمل في اتّجاه إعادة تشكيل القوّة في المجال السيبراني العالَمي على المدى المتوسّط من ناحية، ويُسهِم في كسْر الهَيمنة الغربيّة على أغلب مقدّرات القوّة التقليديّة الأخرى في المدى البعيد من ناحية أخرى.

والحقيقة أنّ هناك عوامل عدّة قد تُعزِّز فُرَص الصين في النجاح؛ فالدولة التي تَمتلك أكبر مُجتمع من المُستهلِكين على الإنترنت، ولديها بصمات اقتصاديّة واضِحة كثاني أكبر اقتصاد في العالَم، فضلاً عن عُلماء وباحثين على درجة عالية من الابتكار في معظم أبعاد الثورة الصناعيّة الرّابعة، وخدمات عسكريّة واستخباراتيّة ذكيّة ومُتزايِدة القدرة، وسياسة خارجيّة متطوِّرة تسعى إلى الاستفادة القصوى من توظيف تكنولوجيّات المعلومات والاتّصالات، من المُرجَّح أن تكون قادرة على تنفيذ غاياتها الاستراتيجيّة وخِططها السيبرانيّة الطّامحة إلى الريادة العالَميّة.

وحتّى إذا لم تتمكّن بكين من الانتقال إلى مصافّ الدول المُهيمِنة على القوّة السيبرانيّة واقتصاديّات الذكاء الاصطناعي، فإنّها على الأرجع ستكون واحدة من أهمّ القوى المستقبليّة الكابِحة في هذا المجال، والتي من المُتوقَّع أن تزداد مُمارسات قوّتها وآثارها المُحتمَلة من مجرَّد الكبْح فقط إلى درجة أكبر من التأثير النشط في حالة تعاونها مع مجموعة من الدول الأخرى، بخاصّة إذا ما أخذنا في الاعتبار رؤية الرئيس الصيني، شي جين بينغ، بشأن أهميّة القوّة السيبرانيّة في تحقيق التفوُّق الاقتصادى والعسكري، وتعهّده الأخير بدعْم التعاون التكنولوجي بين الدول الأعضاء في تجمُّع “بريكس” خلال افتتاح دَورته التاسعة في مدينة شيامين الصينيّة، وهو التكتّل الذي تأسَّس بشكلٍ رسمي في العام 2006، وضمَّ في عضويّته كلّاً من البرازيل وروسيا والهند والصين، في حين انضمَّت له جنوب أفريقيا في العام 2010، وتتوقَّع له بعضُ التقديرات الصادرة عن البنك الدولي، أن يُسهِم بنسبة تصل إلى 50% من إجمالي النموّ الاقتصادي العالَمي بحلول سنة 2030.

أفق – إسلام حجازي/ كاتب من مصر

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


89 − 81 =