الجزائر تُضيّق على المثقف… عندما يصبح الكاتب خصمًا سياسيًا

بقلم: ميلود رقيق

في بلدٍ لا تزال سلطة العسكر فيه ترى في الكلمة الحرة تهديدًا وجوديًا، تتصاعد وتيرة القمع بنبرة صامتة ولكنها عميقة الأثر: مثقفون وكتّاب باتوا في مرمى الاستهداف الأمني، دون صخب إعلامي، ودون محاكمة للرأي العام، وكأننا أمام عملية “اغتيال معنوي ممنهج” للعقل الجزائري.

فبعد السيطرة شبه الكاملة على المنظومة الإعلامية، واحتواء أبرز المؤثرين عبر الامتيازات والولاءات، يفتح النظام الجزائري اليوم جبهة جديدة ضد من تبقّى من “أصحاب المناعة الفكرية”: الكتّاب والأدباء. هؤلاء الذين لم يبيعوا ضمائرهم، ولم يهادنوا في حقهم الطبيعي في التفكير، أصبحوا فجأة مشتبهًا فيهم، مجردون من الحماية القانونية، ومطاردون بمذكرات بحث، كما حدث مؤخرًا مع الكاتب كمال داود، الذي تم إدراج اسمه في مذكرة توقيف دولية، في خطوة أثارت صدمة وذهول الأوساط الثقافية والإعلامية، ليس فقط داخل الجزائر بل عبر العالم.

من يخاف من كاتب؟
من يرتعب من رواية؟
من يحاصر من يكتب في دفتره أفكارًا؟

الجواب بسيط ومخيف في آنٍ واحد: نظام عسكري هش، لا يستطيع التعايش مع النقد، ولا يقوى على سماع المختلف، نظامٌ استساغ القمع حتى أصبح مرادفًا لبقائه،فلم يعد يميّز بين المعارض السياسي والمثقف المستقل، بل يرى في كليهما خطرًا وجوديًا ينبغي محاصرته قبل أن يتحوّل إلى شرارة .

ليست قضية كمال داود معزولة، بل هي عنوان لمرحلة جديدة في علاقة السلطة بالفكر الحر في الجزائر: السلطة لم تكتفِ بإخراس من يصرخ، بل تريد الآن خنق من يُفكّر.

ولعلّ الأخطر في هذا المسار، ليس فقط انتهاك حرية التعبير، بل تحويل المثقف إلى “متهم” بحكم مواقفه، لا أفعاله.
في دولة شنقريحة و تبون، الكتابة أصبحت تهمة، والرأي صار خطرًا أمنيًا.

و عليه، يمكن لنظام شنقريحة أن يُكمم الأفواه، وأن يُرهب المنابر، وأن يُغري البعض بالمناصب… لكنه لا يستطيع أن يقتل الفكرة،فالمثقف الذي يُطارد اليوم، هو من سيكتب غدًا تاريخ هذا القمع، وكلما أبدعت اجهزة الرعب العسكرية الجزائرية بمطاردة الكلمة، لا بد أن تسقط تحت وقعها.