الجزائر وقضايا التحرر… خطاب ثوري فوق أنقاض الخداع

بقلم: ميلود رقيق (فاعل سياسي و مهتم بقضايا الدبلوماسية الشعبية )

قليلون من الأنظمة في العالم يملكون قدرة النظام الجزائري على تسويق الوهم، لا سيما وهم “النبل الثوري” و”دعم القضايا العادلة”،لكن حين نُحلل طبقات الدعاية وننظر إلى الواقع، نكتشف أن ما يُقدَّم على أنه مواقف مبدئية ليس سوى غطاء هشّ يخفي تحته عقودًا من التناقضات، الصفقات الغامضة، والخيانة الصامتة للشعب الجزائري أولًا، ثم للقضايا التي يزعم النظام الدفاع عنها.

النظام الذي خان شعبه قبل أن يخون القضايا

دعونا نبدأ من الداخل: أي نظام هذا الذي يرفع شعار “الكرامة والتحرر” خارجيًا، وهو نفسه الذي سحل واعتقل أبناء الحراك في شوارع العاصمة؟

كيف لنظام يُجرّم الكلمة الحرة ويُحاكم النشطاء بتهم “المساس بالوحدة الوطنية” أن يدّعي الوقوف إلى جانب “الحق” في أي مكان بالعالم؟

الشعب الجزائري خرج مرات ومرات يطالب بدولة مدنية، بحقوقه الأساسية، بإعلام مستقل وقضاء نزيه، فماذا كان رد النظام؟

قمع، واعتقالات، وتضليل إعلامي، ومحاولات مستميتة لتصوير كل احتجاج على أنه “مؤامرة خارجية”.

“فلسطين” وسيلة دعائية لا قضية وطنية

في الإعلام الجزائري الرسمي، لا تمرّ نشرة أخبار دون ذكر “الدعم الثابت لفلسطين” ولكن: ما الذي قدمته الجزائر فعليًا لفلسطين؟

هل رأينا الجزائر طرفًا فاعلًا في أي مسار تفاوضي؟ هل شاركت في إعمار غزة؟ هل استقبلت الجرحى؟ هل رخصت لمسيرات تضامنية بإحدى مدن الجزائر ؟ 

بالعكس كان التضييق و المنع و كل ما فعله النظام هو ركوب موجة العاطفة العربية، ثم استثمارها في تعزيز “هيبته الثورية”: عبر خطابات و شعارات ليس إلا !!

مبدأ “تقرير المصير”… حين يُصبح سلعة حسب الطلب

أغرب ما في الخطاب الرسمي الجزائري هو استخدامه الانتقائي لمبدأ “تقرير المصير” ، فهو صالح فقط عندما يخدم أجندات النظام، وغير ذي جدوى عندما يتعلق الأمر بشعوب تسعى فعليًا للتحرر من الاستبداد.

لم نسمع الجزائر تدافع عن الأويغور أو الكرد أو الشعوب الواقعة تحت طغيان أنظمة حليفة.

لم تُساند شعب سوريا في ثورته، بل حافظت على علاقات مشبوهة مع نظام الأسد.

لم تنتصر لليمنيين ولا للضحايا في السودان، بل بقيت تتفرج، وتلتزم الحياد حين يكون المطلوب موقفًا أخلاقيًا.

لم تحرك ساكنا بل صمتت صمت القبور عن قضية شعب الأحواز، الذي يرزح تحت الاحتلال الإيراني، ويواجه طغيانًا ممنهجًا وإبادة ثقافية وهوياتية مستمرة.

رغم أن معاناة الأحوازيين تُعد من أكثر الملفات إلحاحًا في العالم العربي، التزمت الجزائر الصمت، بل واصلت توطيد علاقاتها مع النظام الإيراني، الحليف الاستراتيجي للعسكر الجزائري، وكأن القيم والمبادئ تنتهي عند حدود التحالفات.

البروباغندا… صناعة عسكرية

ما يجري في الجزائر ليس مجرد تضليل إعلامي، بل نظام متكامل من البروباغندا، بنيته الأساسية: الجيش.

الجيش الجزائري ليس حاميًا للدولة، بل صانعًا لها ومحتكرًا لقرارها، وصوتًا وحيدًا يُسمع في كل المؤسسات:

الإعلام؟ تابع، القضاء؟ انبطاح كلي ،الانتخابات؟ تزيين للواجهة فقط .

وفي هذا المناخ، تُصبح “القضايا العادلة” مجرد ديكور يُستعمل لتصدير صورة زائفة عن نظام يقبع داخليًا في عصر ما قبل الدولة الحديثة.

إرهاب الدولة… حين تتحوّل الأوامر الرئاسية إلى رخصة للاغتيال

وإذا كان النظام الجزائري قد أمعن في قمع الداخل، فإنه لم يتوقف عند حدوده الجغرافية، ففي تطور خطير يكشف طبيعة النظام البوليسي القائم، كشف أحد الضباط الجزائريين المعتقلين مؤخرًا في فرنسا، خلال التحقيقات، أن الرئيس عبد المجيد تبون أعطى أوامر صريحة ومباشرة بتصفية المعارض الجزائري الشهير “أمير ديزاد” المقيم في الخارج.

هذه الشهادة، التي نقلتها جهات إعلامية فرنسية مطلعة، تسلط الضوء على الوجه المظلم لنظام لا يكتفي بإسكات الأصوات داخل البلاد، بل يسعى لملاحقة منتقديه خارجها، وتحديدًا على الأراضي الأوروبية، في خرق صارخ لكل الأعراف الدبلوماسية والمواثيق الدولية.

هل نحن أمام دولة أم جهاز مخابرات متنكر في ثياب دولة؟ 

كيف يمكن الحديث عن “دعم الحقوق” بينما تُمارس الاغتيالات السياسية العابرة للحدود بأوامر عليا؟

مثل هذه التصريحات ـ إن تأكدت ـ لا تفضح فقط تبون، بل تضع الجزائر الرسمية في خانة الأنظمة المارقة، حيث تُصبح حياة المعارضين سلعة تُحددها مصلحة الجنرالات، ويُقرر مصيرها من قصر المرادية.

الوعي يقترب… وكشف القناع مسألة وقت

ما لا يدركه النظام الجزائري ـ أو لعله يدرك ويخشى ـ هو أن الشعوب، ومنها الشعب الجزائري، بدأت تفرّق بين الدعم الحقيقي والدعم الكلامي، بين الموقف والمسرحية، بين النظام والمبدأ.

جيل جديد يُعيد طرح الأسئلة: لماذا نعيش في بلد غني بالبترول ويعاني شعبه من البطالة والغلاء؟ 

لماذا يُصرف الملايين على شراء ذمم خارجية بينما المستشفيات في الداخل تنهار؟

لماذا نُطبل لـ”العدالة العالمية” ونحن نكمم أفواه الصحفيين؟

الجزائر ليست فقيرة، ولكنها منهوبة ،ليست هامشية، ولكنها مُعطّلة بفعل منظومة تخشى التغيير وتستثمر في الماضي لتُجهض المستقبل.

خلاصة القول، الجزائر الرسمية تمارس نفاقًا سياسيًا حيث أنها تُتقن استعمال القضايا الكبرى كوقودٍ لماكينة حكم عسكري لا يؤمن إلا بالبقاء.

لكن هذه الأسطوانة لن تدور للأبد ،فكل بروباغندا، مهما بلغت من الحنكة، تنتهي حين يسأل الشعب السؤال الصحيح… وحين لا يجد في الجواب سوى الصمت !!