بقلم – المصطفى اسعد
حين تعلن وزارة الأسرة والتضامن والإدماج الاجتماعي أن المرأة المغربية تنجز 92% من الأشغال المنزلية، وأن القيمة الاقتصادية لهذا العمل غير المؤدى عنه تبلغ 513 مليار درهم، أي ما يعادل 34.5% من الناتج الداخلي الخام، فإن أول سؤال يفرض نفسه ليس: كم تساهم المرأة؟ بل: لماذا ما زالت هذه المساهمة الضخمة مجانية وغير معترف بها فعلياً؟
المثير للاستغراب أن الوزارة قدمت هذه الأرقام كما لو أنها إنجاز يستحق الاحتفاء، بينما هي في الحقيقة شهادة رسمية على حجم الظلم الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه ملايين النساء المغربيات ، فعندما تقضي النساء خمس ساعات يوميا في الأعمال المنزلية والرعاية، وعندما يتحملن 92% من هذه الأعباء، فإننا لا نتحدث عن نجاح في تمكين المرأة، بل عن استمرار نموذج اجتماعي يقوم على استغلال عملها غير المرئي.
الأخطر من ذلك أن الوزارة تعترف بأن العمل المنزلي ينتج ثروة تقدر بمئات المليارات من الدراهم، لكنها لا تقدم أي تصور جدي لتحويل هذا الاعتراف إلى حقوق ملموسة ، فلا أجر، ولا تقاعد، ولا حماية اجتماعية خاصة، ولا تعويض عن سنوات طويلة من العمل المنزلي الذي يستهلك العمر والجهد والصحة. ما قيمة الاعتراف النظري إذا كانت المرأة التي أفنت حياتها في خدمة أسرتها تجد نفسها في الشيخوخة بلا دخل ولا استقلالية اقتصادية؟
إن الحديث عن 513 مليار درهم يكشف مفارقة صادمة: الدولة تعترف بأن النساء ينتجن قيمة اقتصادية هائلة، لكنها في الوقت نفسه تتعامل مع هذه القيمة وكأنها مجرد رقم للدعاية المؤسساتية أو مادة للندوات والتقارير ، وكأن المطلوب من المرأة أن تفرح لأن الوزارة أحصت ساعات عملها، لا أن تحصل على حقوق توازي هذه المساهمة.
ثم إن هذه الأرقام تطرح سؤالا محرجا حول حصيلة السياسات العمومية نفسها .. فإذا كانت عقود من الاستراتيجيات والخطط والبرامج الخاصة بالمساواة لم تنجح في تخفيض نسبة الأعباء المنزلية الواقعة على النساء، فماذا حققت فعلا ؟ وكيف يمكن الحديث عن التمكين الاقتصادي للمرأة بينما تستمر الأغلبية الساحقة منهن في تحمل عبء العمل المنزلي والرعائي دون مقابل؟
الحقيقة التي تكشفها هذه المعطيات ليست قوة السياسات الحكومية، بل ضعفها ، فالدولة التي تعترف بأن ثلث الاقتصاد تقريبا قائم على عمل نسائي غير مؤدى عنه لا يمكنها الاكتفاء بإصدار البلاغات والإنفوغرافيك .. المطلوب سياسات شجاعة تعيد توزيع أعباء الرعاية، وتوسع خدمات الطفولة، وتحمي النساء اجتماعيا ، وتمنح قيمة قانونية واقتصادية حقيقية للعمل المنزلي.
إن الاحتفاء بهذه الأرقام دون ربطها بإجراءات عملية يشبه الاحتفاء بعدد الضحايا بدل البحث عن أسباب المأساة. فالأرقام التي نشرتها الوزارة لا تبرهن على نجاح نموذج قائم، بل تفضح استمرار اقتصاد خفي يعيش على حساب وقت النساء وجهدهن وصحتهن.
وإذا كانت المرأة المغربية تنتج فعلا ما يعادل 513 مليار درهم من العمل غير المؤدى عنه، فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى الوزارة ليس: كم تساهم المرأة؟ بل: لماذا ما زالت الدولة تسمح باستمرار هذا الحجم الهائل من العمل الآني ؟

